_سورم في السودان وإثيوبيا

إعتقاد أن أفريقيا مهد لتاريخ البشرية لن يتزعزع أبدًا، لأنها مدعومة بوقائع عديدة بجانب الآثار التي تَقِف شاهدةً على حضارة إنسانية ضاربة في الجذور، تثبتُ لنا الحفريات أيضاً، أن الفن الأفريقي لعب دوراً هامًا في ميلاد الفن التشكيلي عالمياً، تشير الدِراسَات إلى أن تاريخ الفن الأفريقي يعود إلى حوالي  عام500 قبل الميلاد ومع ذلك، فإن قْلة الحفريات الأثرية مازالت  تُعرقل معرفة العصور القديمة من الفن الأفريقي بطريقة أشمل، ومما يؤسف له، أن  هذا التراث الفني الثمين يجري تدميره؛ إما عن طريق التعرية الطبيعية، حيث تتعرض المواقع لضغوط (الحضارة؟) أو عن طريق الكتابة على الجدران التي تشوه (اللوحات) الصخور وتكتمل المأساة باعتبار المجتمعات الحالية لهذه الأعمال كآثار فقط، بالمعنى العام لها، لا باعتبارها شواهد جمالية لمجتمعات السكان الأوائل.

يرجع تاريخ أقدم منحوتة بإفريقيا لعام 6500 قبل الميلاد، بمنطقة الرمال الصحراوية في النيجر، منحوتات معرفة باسم “بيتروجليفس” وتصور الحيوانات مثل الزرافات التي لم تعد موجودة في تلك المنطقة، من هذه المنحوتات نتعلم كيف كانت القبائل والثقافات القديمة ينظرون للكون  من حولهم، وتخدم أيضًا كمدخل لفهم عوالمهم الروحية والجسدية.

الموضوع الأساسي للفن التشكيلي و النحت الإفريقي هو الإنسان، الإنسان القوي، الخارق للطبيعة كما في الأساطير الإفريقية القديمة، نجد في لوحاتهم (الرسم على الجدران) والمنحوتات أيضًا، صفات القوة، رسم البشر وتصويرهم ببعض ميزات الحيوانات (الأسود، الضباع والنمور) لعكس قوة الإنسان و مقدرته على التصدي للقوى الطبيعية الغاشمة من جانب، و للتغلب على مخاوفهم عبر عكسها بطريقة متعمدة في الأعمال الفنية من جانب آخر.

بالرغم من أن الرسم على الجدران مثل للمجتمعات الأولية بديلًا للتوثيق الكتابي، ولم يعتبر كفن مجرد، إلا أنه من المفارقات آن ديناميات (الفن البصري) الإفريقي القديم هذه، شكلت حجر أساس الفن التجريدي الحديث ومن المُلاحظ أيضًا، واقع أن معظم الفنون الإفريقية التقليدية تخدم أغراضًا محددة أحيانًا، تدفع الغرب إلى عدم اعتبارها كفن بمعناها الغربي الحديث، وبدأ بعضنا الاعتقاد بصحة هذه المزاعم، إذ لابد أن نعي أولًا “كأفارقة” أن مفهوم “الفن من أجل الفن” مفهوم غربي حديث، حيث أن قبل عصر النهضة، معظم الفنون التقليدية كانت تعتبر وظائفية (Functional) و جمالية (Aesthetic) في نفس الآن.

الفنون الإفريقية، تحديدًا هنا، الرسم على الوجوه، تخدم كرمزية ثقافية و اجتماعية من جهة، و تجسد أيضاً الجمال في نفس الآن.

سيهتم هذا المقال بالفن التشكيلي في صورته غير المجردة إن جاز التعبير، عبر تناول فن الرسم على الوجوه و الجسد التي تمُارس من قبل مجموعات ثقافية مخُتلفة على نطاق واسع  ببعض دول الكاريبي،  إفريقيا، و جنوب السودان تحديدًا لأغراض المقال.

أشرت لها كفن تشكيلي لان الفن التشكيلي يشْمل كل ما يؤخذ من الواقع الطبيعي لتتم صياغته بطريقة جديدة، أي يتم تشكيله بشكل جديد و مختلف عما هو في الطبيعة، وفقاً للانثربولوجي مارغو ديميلو، لقبائل الهوسا بجنوب إفريقيا طقوس رسم على الوجوه، كرمز انتقال من مرحلة الطفولة للشباب،وتتم الطقوس على مدار أيام،يحدث فيها فصل المحتفى بهم عن القبيلة و بعيدًا عن مراقبة الكبار،حيث ترسم على وجوهم أشكال غير مألوفة باللون الأحمر تعبيرًا عن عنفوان المرحلة الجديدة لهم “فترة الشباب“، أما كبار أعيان القبيلة، القادة الروحيين تحديدًا، فيُرسم على وجوهم باللون الأبيض، كتعبير عن اتصالهم الروحي بأجدادهم.

من المُمارسات الثقافية الشائعة في وسط بعض المجموعات الاثنية الثقافية بجنوب السودان، فن الرسم على الوجوه والجسد (مع الوضع في الاعتبار أن هذي المجتمعات لا تعرفها كفن)، بل ينظر لها بمدلولات ثقافية في غالب الأحيان،ومن أشهر القبائل التي تمُارس الرسم على الوجوه، قبيلة “المُورلي” بولاية جونقلي بإقليم أعالي النيل الكبرى،حيث تتم عملية الرسم باستخدام مواد محلية، رماد روث البقر مثالًا، وبعض المواد الطبيعية المستخلصة من الأشجار ولكل مناسبة رسومات محددة تُناسب طُقوسها و مفهومها، للحربُ مثلا رسومات مختلفة، تُرسم دائمًا بغرض إعطاء المُحارب منظْر مُهيب، حيث يؤمنون أن رسم بعض خصائص حيوان محدد قد تساعد الشخص على تقمص صفاتها، وغالبًا ما ترسم خصائص حيِوان شَرس محُدد لتُسهل للشخص الانتصار أو افتراس الأعداء في المعركة،كما أن للاحتفالات رسومات ممُيزة أيضاً، تُرسم بغاية إبراز الوسامة و الجمال، و لكل جيل أشكال رسم محددة تميزها عن الأجيال الأخرى.

للرسم على الوجوه أيضًا وظائف اجتماعية أخرى، التفريق بين الأطفال و الشباب، و لتمييز أعضاء القبيلة عن الغرباء وفي المناسبات الاجتماعية، يميل الشباب للإبداع في الرسم على الوجوه بغرض لفت انتباه النساء حيث أن الرسمات الجميلة تجذب اهتمام الفتيات، و أحياناً قلوبهن.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الهروب

بقلم: إدوارد إريموغو لوكا* ترجمة: يدجوك اقويت         كانت نصف القمر تذوب ببطء في طيات الغ…