149609

*كتابة: فوريست جاندر – باريس ريفيو

*خاص جيل جديد:  ترجمة ” أزهار أحمد”

 **

لا يزال منزل أمبروز بييرس القديم في سانت هيلينا بكاليفورنيا في حالة جيدة، فهو محاط بثمان أشجار سيكويا كبيرة تظلل جذوعها المكان مزروعة في الباحة الأمامية. وعلى مسافة ساعة ونصف بالسيارة باتجاه الجنوب في سان فرانسيسكو تقودك الطريق إلى شارع ضيق باتجاه الشاطئ الشمالي يدعى أمبروز بييرس يقع خلف مبنى ايكزامينر في سان فرانسيسكو حيث كان بييرس يعمل ككاتب عمود منتظم لدى ويليام راندولف هيرست.

يصادف هذا العام الذكرى المئوية لوفاة أمبروز بييرس المفترضة، الجندي والصحفي ومؤلف «قاموس الشيطان» الكتاب الذي قدم فيه بييرس معاني مصطلحات اجتماعية شائعة بطريقة ساخرة، وصاحب العديد من الكتابات الأدبية حول حكايات الرعب والظلام، وقصصه الشهيرة المفعمة بالحيوية مثل: «واقعة جسر أوول كريك» التي استخلصها من تجاربه المبكرة في الحرب في شكموغ، وشيلوه، وجبل كينيساو حيث جرح.

في عام 1913 وفي عمر 71 عاما غادر الكاتب المشهور مدينته متجها إلى المكسيك راكبا حصانه بهدف تغطية الحرب الثورية المكسيكية وربما ليشارك فيها، أو ليجري مقابلة مع بانشو فيّا مع أنه لم يكن يتحدث الإسبانية، إلا أنه وحسب الروايات الصحفية، اختفى بييرس بعد ذلك دون أن يترك أثرا.

والحقيقة أنه كان هناك العديد من الآثار التي يمكن اقتفاؤها لمعرفة ما حدث له، إلا أن اندلاع الحرب العالمية أجّل عملية البحث الدقيق عن أمبروز بييرس. من ثم أصبح بييرس نوعا ما بسبب اختفائه: الذي اعتقده البعض أنه غطاء لانتحاره أو إرساله إلى مصحة ما – يشبه أحد الشخصيات الشبحية في واحدة من أشهر الروايات المكسيكية «بيدرو بارامو « التي تحكي قصة رجل لا يدرك أنه ميت. أو مثل بطل رواية بييرس نفسه « أحد سكان كاركوسا» الذي تعثر بقبره. ووفقا لشهود عيان فإن بييرس مات مرات ومرات في جميع أنحاء المكسيك. حتى أنهم بنوا له ضريحا في مدينة المناجم الهادئة سييرا موجادا في صحراء تشيهواهوا، والغريب أن جثته ليست في ذلك الضريح، وهذه ميزة اشتهرت به عائلته حيث أن زوجته وولديه مدفونون أيضا في قبور لا تحمل علامات في سانت هيلينا.

أول ميتة لأمبروز بييرس حدثت بشكل سريع في معركة بمدينة أوجيناجا عند حدود مدينة بريسيديو الأمريكية. لأنه في آخر بطاقة بريدية أرسلها من مدينة تشيهواهوا أخبر سكرتيره أنه متجه إلى أوجيناجا بعد أن انضم إلى قوات بانشو فيّا لدى مغادرتهم مدينة تشيهواهوا وأنه مستعد لاستخدام مهاراته العسكرية. وحسب ما ذكر فريدريك كاتز، كاتب سيرة فيّا، أن بييرس في اشتباكات سابقة في تييرا بلانكا أمسك بندقية وأطلق النار على شرطي فيدرالي. ولذلك منح قبعة قش مكافأة على مهارته في الرماية. إلا أن المرتزقة الأمريكان ووكيل الجمارك شهدوا عكس ذلك بأنهم سمعوا إطلاق النار على غرينغو* العجوز في معركة أوجيناجا. كما أن أحد أتباع فيّا ويدعى يبّارا تعرف إلى صورة بييرس وقال بأنه رآه في أوجيناجا ولم يشاهده بعدها أبدا لأن جسده أحرق مع المئات الآخرين هناك.

إلا أنه بعد تلك الحادثة بقليل، اكتشف أن بييرس لم يمت في معركة أوجيناجا بل أصيب بجروح فقط، لأن رواية أخرى تقول بأن شرطيا فيدراليا شابا رآه بينما كان يجري هاربا من قلعة أوجيناجا المنتهكة، ومعه العديد من الشرطة الفيدراليين الهاربين مثله ليتمكنوا من عبور ريو جراندي إلى الولايات المتحدة، عندما رأى غرينغو متأوها ومتعبا، لذلك تصور أن أوضاعه ستسير على ما يرام إذا ظهر ومعه أمريكي. فحمله وعبر به المياه الضحلة على عربة بعجلتين وسمعه يردد اسمه. هل كان أمبروزيا؟ أو ربما كان بريس.. ولكن ما إن وصلوا الجانب الأمريكي حتى تسللوا بطريقة غير رسمية مع المئات من المهاجرين الآخرين الذين اقتيدوا لمدينة مارفا لعلاجهم. كان غرينغو يهذي حينها وتقريبا غائبا عن الوعي. لم يكن لديه أوراق ولا هوية. وعندما مات دفن على عجل دون أن توضع علامة على قبره في مقبرة مارفا القديمة. نشرت هذه الرواية عن موته في جريدة Big Bend Sentinel في عام 1990، ثم نشرت مرة أخرى في نشرة دراسات الجريدة نفسها كتبها ألبيلرادو سانتشز من لانكستر بكاليفورنيا أخبره بها مسافر متطفل في الستين من عمره كان شرطيا فيدراليا في عام 1957.

لم يمر وقت طويل على موته في مارفا، حتى قتل بييرس مرة أخرى قرب قرية إيكامول، وذلك حين لم يفرّ هو وبغّال هندي بعد أن هاجمت قوات فيّا عددا من جنود الحكومة وهم يقودون طابورا من البغال المحملة بالأسلحة. هذه المرة، كان بييرس مع الشرطة الفيدراليين، حين سجن هو والهندي وأعدما رميا بالرصاص بإمرة الجنرال توماس أوربينا. هذا ما أكده الصحافي جيمس اتش ويلكنز في مقالته في الصفحة الأولى في جريدة سان فرانسيسكو «ذا بوليتين» الصادرة في مارس 1920. كان ويلكينز قد سافر إلى المكسيك وأجرى بنفسه مقابلات مع شهود موثوق بهم كانوا قد سرقوا من الرجل الميت قبل أن يدفن في الصحراء صورة لرجل تم تحديدها فيما بعد أنها لبييرس، وبعض ممتلكاته الشخصية.

ظللت لمدة سنتين أراسل بادري خايمي لينيرت الذي كان يشغل وظيفة قسيس لعدة مناطق بالصحراء شملت سييرا موجادا وهي مدينة جبلية معزولة قتل فيها أمبروز بييرس مرة أخرى على يد جنود الحكومة المتشككين. وقد دفع بادري خايمي مالا مقابل النصب التذكاري الذي أقامه على المقبرة وكتب عليه:

يعتقد شهود عيان موثوق بهم جدا

أن رفات أمبروز بيرس غوينيت 1842- 1914

الكاتب والصحافي الأمريكي الشهير يرقد هنا

والذي اشتبه بأنه جاسوس فأعدم ودفن في هذا المكان.

حدث فيما بعد أن تذكر أكبر رجل سنا في سييرا موجادا، اسمه دون (تشوي) بينيتس أفيّا، حادثة من طفولته. يترجمها بادري خايمي كما يلي:

في أحد الصباحات حين كنت صغيرا، جاءني أحد أصدقائي راكضا وهو كريسيستومو ابن القائد مارسلو دي اندا وأخبرني أن أذهب معه لأن الجنود على وشك قتل شخص رميا بالرصاص. ولذلك ذهبنا إلى حظيرة سكن الجنود، وبينما نحن هناك جاء جندي للقائد وقال له: «لقد أحضرناه وكل شيء جاهز». ثم أرسل القائد بطلب جنود آخرين واتجهوا جميعا نحو المقبرة، وتبعهم الكثير من الناس. عندما وصلنا هناك أمر الجنود الجميع بالوقوف بعيدا عن الجدار الحجري. ثم أحضروا رجلا وجعلوه يقف مقابل الجدار وأطلقوا عليه النار. وحسب ما يتذكر دون تشوي فإن ذلك الرجل كان أمريكيا ويدعى إل روسو.

يدعم قصة دون تشوي جندي صحفي معاصر لأمبروز بييرس يدعى إدوارد (تيكس) أوريلي الذي كتب في سيرته الذاتية أنه بينما كان مسافرا مع قائد فيّا توريبيو أورتيغا، سمعوا إشاعات عن مجموعة صغيرة من الفيدراليين الذين اجتاحوا سييرا موجادا، فأرسل أورتيغا 400 رجل لتصفيتهم. ثم عاد أولئك الرجال بخبر عن مقتل أمريكي، فرأى أوريلي أنه يجب إبلاغ قسم الولايات المتحدة عن تلك الحادثة للتحقيق فيها. وقد تأكد فيما بعد أن غرينغو عجوز ظهر ومعه خرائط يسأل عن الطريق وكيفية الوصول لجيش فيّا. إلا أن الفيدراليين الذين كانوا متنكرين في ملابس عادية اشتبهوا بأنه جاسوس ولأنه لا يتحدث الإسبانية فلم يستطع الإجابة على أسئلتهم، فاستدرجوه إلى المقبرة وأطلقوا عليه النار ودفنوه هناك. وقد ذهب أوريلي إلى المنزل الذي كان يقيم به الرجل الميت، وسأل المالك عما إذا كان قد ترك أية متعلقات خاصة به. وحسب ما قال أوريلي:»صعد الرجل العجوز إلى رف خشبي على الجدار وأحضر مغلفين فارغين تركهما الأمريكي، وكانا معنونين باسم: أمبروز بييرس.

كما يمكن لجذوع سيكويا أن تتفرع من جذع كبير واحد، يمكن لرجل واحد أن يموت عدة ميتات. هناك من قال بأن أمبروز بييرس لم يمت في المكسيك، وأنه سافر جنوبا باتجاه أمريكا اللاتينية كما قال أنه سيفعل ذات مرة. بينما قال آخرون أن بييرس الوسيم وهو في منتصف عمره يشبه بشكل مريب الكاتب والصحفي الأمريكي المكسيكي فرانسيسكو جولدمان، مما يعني أن بييرس ربما اكتشف مصلا يعيد سنوات عمره للوراء، وظل يغير أسلوبه الكتابي مع الزمن. للماضي وجوه تخرج من اتجاهات لا تعد ولا تحصى.

*غرينغو: مصطلح يستخدم أساسا في البلدان الناطقة بالإسبانية والبرتغالية، للإشارة إلى الأجنبي الناطق باللغة الإنجليزية، وخاصة الشخص الأمريكي، أو، في البرازيل، للإشارة إلى أي أجنبي. المصطلح هو، في حد ذاته كما هو، وليس ازدراء ولا انتقاصا.

*فورست غاندر شاعر حائز على جوائز أدبية، كما أنه روائي ومترجم. كتب الكثير من الكتب منها: كصديق، عينات أساسية من العالم، وكتاب الأثر الذي سينشر قريبا. كما أنه أستاذ الفنون الأدبية، والأدب المقارن في جامعة براون.

* عن باريس ريفيو

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…