908_10152450245405525_746586346_n

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

قديماً وفي غياب المعرفة التامة اعتقد الإنسان أن الأرض مسطحة، سطحية الأرض حينها كانت حقيقة ربما لم تكن تقبل أي جدال لدرجة إن عالم الفيزياء وعلم الفلك الايطالي جاليلو تعرض لمحاكمة تفتيش كنسية حين صاغ نظرية مركزية الشمس وكون إن الأرض جرماً يدور في فلكها وذلك في العام 1534م، النظرية اعتبرتها الكنيسة الكاثوليكية حينها هرطقة وخروجاً عن تعاليم الإنجيل، ورغم إن جاليلو أستخدم آيات من الإنجيل لإثبات نظريته بحيث إنه كان كاهناً وبالرغم من أن النظرية ذاتها أتى بها عالم آخر قبله ووجدت قبولاً من قبل كرسي البابا إلا إن ذلك لم يشفع له ربما لأبعاد سياسية تداخلت فيها الحقائق مع صراع النفوذ البابوي حينها ولسبب آخر أهم هو أن سطحية الأرض حينها كانت حقيقة رغم عدم ملاءمتها للواقع الذي يقول بكروية الأرض، مما سبق يتضح أن الحقيقة قد تخالف الواقع ولن نقول أحيانا بل في الأغلب لان حتى الحقائق العلمية تتجدد باستمرار حيث أن كل اكتشاف جديد هو تصحيح لاكتشاف اسبق كان يظن فيه بأنه الحقيقة.

جدلية الحقيقة تبدو قديمة جداً ولكن أفلاطون في كتابه الجمهورية يعتبر أول من وضع أسس منطقية تحاول سبر غور الحقيقة في أمثولة الكهف التي يتحدث فيها على لسان سقراط متحدثاً مع احد أتباعه، يتبع أفلاطون نهجاً حوارياً سلساً يصل في نهايته إلى أن  كثيرا مما نعتقد انها حقائق هي مجرد أوهام نؤمن بها لعدم معرفتنا بغيرها، وان عملية الانتقال من الإيمان بالأوهام والأكاذيب إلى الحقائق ليست بتلك السهولة حتى ولو كانت الحقيقة واضحة، فهي تواجه دائماً برفض ومقاومة شديدة، تبدو أمثولة الكهف هي ابلغ مثال لحال الحقيقة قي كل الأزمان لو تأملناها بعمق وتجرد كافي، فقط نحتاج أن نصطحب معنا كل ما نملك من خيال، فلنتجول قليلاً داخل كهف أفلاطون المظلم.

أمثولة الكهف

سقراط:

تخيل رجالا قبعوا في مسكن تحت الأرض على شكل كهف ، تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف . هناك ظل هؤلاء الناس منذ نعومة أظفارهم ، وقد قيدت أرجلهم وأعناقهم بأغلال ، بحيث لا يستطيعون التحرك من أماكنهم ، و لا رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم ، إذ تعوقهم الأغلال عن التلفت حولهم برؤوسهم . و من ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موضع عال ، وبين النار والسجناء طريق مرتفع . ولتتخيل على طول هذا الطريق جدارا صغيرا، مشابها لتلك الحواجز التي نجدها في مسرج العرائس المتحركة، و التي تخفي اللاعبين وهم يعرضون ألعابهم .

غلوكون: إني لأتخيل ذلك.

سقراط:

ولتتصور الآن ، على طول الجدار الصغير، رجالا يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية، التي تعلو على الجدار. وتشمل أشكالا للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد. و طبيعي أن يكون بين جملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئا.

غلوكون:

إنها حقا لصورة عجيبة، تصف نوعا غريبا من السجناء.

سقراط:

إنهم ليشبهوننا. ذلك أولا لأن السجناء في موقعهم هذا لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئا غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف ، أليس كذلك ؟

غلوكون:

وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك ما داموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم ؟

سقراط:

كذلك فإنهم لا يرون من الأشياء التي تمر أمامهم إلا القليل .

غلوكون: بلا جدال.

سقراط:

وعلى ذلك ، فإذا أمكنهم أن يتخاطبوا، ألا تظنهم يعتقدون أن كلماتهم لا تشير إلا إلى ما يرونه من الظلال

غلوكون: هذا ضروري .

سقراط:

و إن كان هناك أيضا صدى يتردد من الجدار المواجه لهم ، فهلا يظنون ، كلما تكلم أحد الذين يمرون من ورائهم ، أن الصوت آت من الظل البادي أمامهم ؟

غلوكون: بلا شك .

سقراط:

فهؤلاء السجناء إذن لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا الأشياء المصنوعة .

غلوكون: لا مفر من ذلك .

سقراط:

فلتتأمل الآن ما الذي سيحدث بالطبيعة إذا رفعنا عنهم قيودهم و شفيناهم من جهلهم . فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة ، ويدير رأسه ، ويسير رافعا عينيه نحو النور.

عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له ، وسوف ينبهر إلى حد يعجز معه عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلا لها من قبل . فما الذي تظنه سيقول ، إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل ، وأن رؤيته الآن أدق ، لأنه أقرب إلى الحقيقة، ومتجه صوب أشياء أكثر حقيقة ؟ ولنفرض أيضا أننا أريناه مختلف الأشياء التي تمر أمامه ، ودفعناه تحت إلحاح أسئلتنا إلى أن يذكر لنا ما هي . ألا تظنه سيشعر بالحيرة، ويعتقد أن الأشياء التي كان يراها من قبل أقرب إلى الحقيقة من تلك التي نريها له الآن ؟

غلوكون: إنها ستبدو أقرب كثيرا إلى الحقيقة.

سقراط:

وإذا أرغمناه على أن ينظر إلى نفس الضوء المنبعث عن النار، ألا تظن أن عينيه ستؤلمانه ، وأنه سيحاول الهرب و العودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة. والتي يظن أنها أوضح بالفعل من تلك التي نريه إياها الآن ؟

غلوكون: أعتقد ذلك .

سقراط:

و إذا ما اقتدناه رغما عنه و مضينا به في الطريق الصاعد الوعر، فلا نتركه حتى يواجه ضوء الشمس ، ألا تظنه سيتألم و سيثور لأنه اقتيد على هذا النحو، بحيث أنه حالما يصل إلى النور تنبهر عيناه من وهجه إلى حد لا يستطيع معه أن يرى أي شيء مما تسميه الآن أشياء حقيقية ؟

غلوكون: إنه لن يستطيع ذلك ، على الأقل في بداية الأمر.

فاستطردت قائلا: إنه يحتاج ، في الواقع ، إلى التعود تدريجيا قبل أن يرى الأشياء في ذلك العالم الأعلى. ففي البداية يكون أسهل الأمور أن يرى الظلال ، ثم صور الناس و بقية الأشياء منعكسة على صفحة الماء، ثم الأشياء ذاتها. وبعد ذلك يستطيع أن يرفع عينيه إلى نور النجوم و القمر، فيكون تأمل الأجرام السماوية وقبة السماء ذاتها في الليل أيسر له من تأمل الشمس و وهجها في النهار.

غلوكون: بلا شك .

سقراط:

وآخر ما يستطيع أن يتطلع إليه هو الشمس ، لا منعكسة على صفحة الماء، أو على جسم آخر، بل كما هي ذاتها، وفي موضعها الخاص.

غلوكون: هذا ضروري .

سقراط:

وبعد ذلك ، سيبدأ في استنتاج أن الشمس هي أصل الفصول والسنين ، وأنها تتحكم في كل ما في العالم المنظور، وأنها، بمعنى ما، سبب كل ما كان يراه هو ورفاقه في الكهف .

غلوكون:

الواقع أن هذا ما سينتهي إليه بعد كل هذه التجارب.

سقراط:

فإذا ما عاد بذاكرته بعد ذلك إلى مسكنه القديم ، وما كان فيه من حكمة، وإلى رفاقه السجناء، ألا تظنه سيغتبط لذلك التغير الذي طرأ عليه ، و يرثي لحالهم ؟

غلوكون: بكل تأكيد .

سقراط:

فإذا ما كانت لديهم عادة إضفاء مظاهر الشرف و التكرم على بعضهم البعض ، و منح جوائز لصاحب أقوى عينين ترى الظلال العابرة، و أقوى ذاكرة تستعيد الترتيب الذي تتعاقب به أو تقترن في ظهورها، بحيث يكون تبعا لذلك أقدرهم على أن يستنتج أيها القادم ، أتظن أن صاحبنا هذا تتملكه رغبة في هذه الجوائز، أو أنه سيحسد من اكتملت لهم ألقاب الشرف و مظاهر القوة بين أولئك السجناء ؟ ألن يشعر بما شعر به أخيل عند هوميروس، من أنه يفضل ألف مرة أن يكون على الأرض مجرد خادم أجير عند فلاج فقير و أن يتحمل كل الشرور الممكنة، و لا يعود إلى أوهامه القديمة أو العيش كما كان يعيش من قبل ؟

غلوكون:

إني أوافقك على رأيك هذا، فخير له أن يتحمل أي شيء من أن يعود إلى تلك الحياة .

سقراط:

فلتتصور أيضا ماذا يحدث لو عاد صاحبنا واحتل مكانه القديم في الكهف ، ألن تنطفئ عيناه من الظلمة حين يعود فجأة من الشمس .

غلوكون: بالتأكيد .

سقراط:

فإذا كان عليه أن يحكم على هذه الظلال من جديد، و أن ينافس السجناء الذين لم يتحرروا من أغلالهم قط ، في الوقت الذي تكون عيناه فيه مازالت معتمة زائغة، وقبل أن تعتاد الظلمة، وهو أمر يحتاج إلى بعض الوقت ، ألن يسخروا منه ، و يقولوا إنه لم يصعد إلى أعلى إلا لكي يفسد أبصاره ، وإن الصعود أمر لا يستحق منا عناء التفكير فيه ؟ فإذا ما حاول أحد أن يحررهم من أغلالهم . ويقودهم إلى أعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه ، ألن يجهروا عليه بالفعل ؟

غلوكون: أجل بالتأكيد .

والآن ، فعلينا، يا عزيزي غلوكون ، أن نطبق جميع تفاصيل هذه الصورة على تحليلنا السابق . فالسجن يقابل العالم المنظور، ووهج النار الذي كان ينير السجن يناظر ضوء الشمس ، أما رحلة الصعود لرؤية الأشياء في العالم الأعلى فتمثل صعود النفس إلى العالم المعقول . فإذا تصورت هذا فلن تخطى فهم فكرتي ، مادام هذا ما تريد أن تعرفه . ولست أدري إن كانت فكرتي هذه صحيحة أم لا، ولكن هذا ما يبدو لي على أية حال ، فاخرما يدرك في العالم المعقول بعد عناء شديد هو مثال الخير، ولكن المرء ما أن يدركه ، حتى يستنتج حتما انه سبب كل ما هو خير وجميل في الأشياء جميعا، وأنه في العالم المنظور هو خالق النور وموزعه ، وفي العالم المعقول هو مصدر الحقيقة و العقل . فبدون تأمل هذا المثال لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة، لا في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة.

يوضح أفلاطون أن الوصول للحقيقة لا يتم دون الصعود إلى أعلى إلى حيث المعقول، والصعود هذا يتطلب خروجاً عن كهف مظلم لا يعرض لنا إلا ظلال الحقيقة، أو كأنما يريد أن يقول أن الذي يعرف الحقيقة أكثر هو الذي يبحث عنها أو الذي يتحرر من سجن القيود التي تمنع حركة فكره.

الجدل حول ماهية الحقيقة دائماً ما لا يقود إلى نهايات مقبولة لكل الأطراف، ففي ابسط تفسير للحقيقة لو قلنا أنها المقابل للوهم أو الكذب فان آخر سيقول إن الكذب ذاته حقيقة موجودة وإن ما نراه وهماً قد يصبح حقيقة يوماً ما، فكروية الأرض كانت وهماً في عصر من العصور وان الظل في كهف أفلاطون كان حقيقةِ، أظن هذا ما جعل مفكروا العهد الحديث يهتمون بخصائص الحقيقة بدلاً عن البحث عن تعريف يحدد ماهيتها بل إن البعض يعتبرها مجرد مدلول لغوي لا يمس اصل ما نؤمن به، الكل يكاد يصل إلى أن الحقائق ليست ثابتة، ليست مقدسة دائماً، ليست مطلقة أو أنها نسبية .

كثيرون يخافون تقبل حقيقة أن الحقيقة نسبية وسبب ذلك أنهم ينطلقون من أيمانهم بحقائق تعتبر مطلقة بالنسبة لهم والأيمان بنسبية الحقائق ربما يعطي منافذ لبوادر شك في حقيقة حقيقتهم أو كما يرى هؤلاء، رغم انه لا قد يوجد تعارض بين أيماننا بأن ما نؤمن به مطلق و الإيمان بنسبية الحقائق، ولمزيد من الشرح دعنا نضع افتراضا واقعياً ونحكم به على إطلاق ونسبية الحقيقة،فلنفتراض أن شخصان ظلا في صحراء قاحلة بها مورد واحد للماء وطفقا يبحثان عن مورد الماء، نفرض إن الشخصان عثرا على طريق به إشارة تدل على أنه الطريق الذي يقود إلى منبع الماء، من المؤكد إنهما سيسلكان الطريق يقودهما في ذلك عطشمها ورغبتهما في الحصول على الماء والنجاة، نفترض أنه بعد زمن من المسير تفرق الطريق واتخذ مساران، حيث رأى كل فرد منهما أن أحد المسارين هو الذي يقود إلى نبع الماء، وأصر كل واحد منهما على الأخر بان يسلك معه الطريق الذي اختاره حيث إن كل منهما كان متأكدا من إن طريقه هو الذي يقود إلى نبع الماء ولكنهما في النهاية افترقا، كل اتخذ المسار الذي رأى إنه يقود إلى نبع الماء،

الحقيقة هي أن واحدا منهما فقط سيصل إلى نبع الماء أما الآخر فسيموت عطشاً، ولكن في لحظة معينة من رحلة البحث عن الماء فان كل منهما كان يملك حقيقة تخصه، وكل منهما كان يؤمن بها وكل منهما كان يرجو الخلاص بها أي أن الحقيقة كانت نسبية لكل واحد منهما، ولكن النسبية تلك لن تؤثر على حقيقة وجود نبع واحد للماء كحقيقة مطلقة- فقط عند الوصول إليها ،في اللحظة التي تسبق وصول احدهما إلى النبع فان كل فرد منهما قد يكون مؤمنا بان حقيقته مطلقة ولكن بالنسبة له فقط لان هناك شخص آخر يخالفه في نفس الحقيقة، قد يصير الأمر أكثر تعقيد لو افترضنا وجود شخص ثالث لم يؤمن بوجود نبع الماء من الأساس ولم يستهل معهم المسار من البداية، ولكن في النهاية فانه لا يمكن لأحدهم أن يفرض بان حقيقته مطلقة إلا عند وصول أحدهم إلى النبع على الأقل، وهذا يرجعنا لنقول إنه ربما الحقيقة مجرد مدلول لفظي يعبر عن إحساس معين نحو شئ معين في لحظة معينة ولان الأشخاص يختلفون فانه من المؤكد أن تختلف حقائقهم لدرجة انه قد يكون لكل شخص حقيقة تخصه لا يشترط أن يؤمن بها الآخرون.

فلسفياً لن نستطيع أن نتوقف عند محطة نسبية الحقيقة لسبب إن شخصاً ما قد يتساءل:

“ومن يضمن إن نسبية الحقائق هي حقيقة مطلقة؟”

وقد يقول أيضا:

” لو أن نسبية الحقائق كحقيقة هي حقيقة نسبية أيضا فهذا يعني أنه يفترض فيها الصواب والخطأ كغيرها من الحقائق، وربما كان الذين يؤمنون بوجود حقائق مطلقة هم الأصح”

قد يبدو التساؤل والقول منطقياً و لربما يدخلنا في دوامة فلسفية لن نخرج منها بحقيقة نسبية كانت أو مطلقة، ولكن ما يهم هو أن الواقع يفرض وجود حقائق تختلف باختلاف الزمان والمكان وتختلف باختلاف الأشخاص الذين يؤمنون بها، وبالتالي يبقى مقبولاً القول أن الحقائق نسبية بحسب الزمان والمكان والأشخاص وإن آمن أحدنا بأن حقيقته مطلقة فهي مطلقة بالنسبة له هو أو إن حقيقته المطلقة نسبية ….!!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …