محي

محي الدين هارون :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

بعد أن أفرغ أخر صندوق من محتواه في ثلاجات المعمل  وتخلص من عبوات الدم الفاسدة والتي طالما إمتهنت إحاطته بفيض من الأسئلة كل ماحان أوان التفريغ ، متعباً راح يعبر بوابات المركز صوب الشارع ، وضابط الإستقبال يشرع في تدوين مواعيد خروجه راسماً إبتسامة مفتعله  وهو يردد بعض عبارات الوداع بإعتياد أفقدها المعنى بينما كان يدور برأسه في فلك تلك الأسئله المعتادة ..

 غريب هو امر الدم ؛ يغادر مسقط خلقه ليستقر باوردة الغرباء ولايساوره أدنى احساس بالغربة يمارس وظيفته بكل إلفه ، يجتاز مسالكه الجديدة على إختلاف الأطوال في سكون تام دون أن يتوه ، تماماً كالروتين الذي عادةً ما تكسره المصائب

والشارع يأخذ طابعه من وضع الشمس بين فراغ وإزدحام وضجيج يعلو وينخفض يليه هدوء مفرط ليعود لذات الترتيب مشكلآ حياة تمتهن الدوران كعقارب الساعة ، واذ هي في ثانية من التكتكه تخلق استعراضآ طويلآ متسلسلآ متلاشيآ  للزمن الذي فاتك أن تسمعه فتفاجأ بإنجرافك للحظة التالية  دون وعي بسابقاتها .

اخذ ينتظر بمحاذاة الشارع تلتحفه الأغبره ودخان المركبات ، هو يلعن ويشتم أشياء لامعنى لها سوى الوطن ، وبعد وهلة من الانتظارفي غدوٍ وروح على جانب الطريق ومحاولته الفاشلة  لاستيقاف المركبات ، وبعد أن طبع ما يكفي من نسخ الشعار القابع بباطن الحذاء على جبين الارض توقفت حافله فأندرج تحت سقفها وقد حمد الرب كثيرآ  بعد أن ضمن مقعدآ بجانب الشباك وراح  يتفكر فيما ينتظره من مهام معتاده ، ثيابه المتسخة  والمتكومه في ناصية الغرفه ، معدته التي سكن صوتها بعد أن ملت الصراخ وهي تتطالب بما يسكت جوعها ، قاده ذلك  ليتذكر ثلاجته الفارغة منذ البارحه ، إذآ لابد له أن يعرج الى السوق .

اوه اللعنة مبلغ الإيجار مازال ناقصاً ، وفي محاولة بائسة لطرد تلك الأفكار التي عادةً ماتنتهي بصداع نصفي ، أخذ يرقب من نافذة الباص جوانب الطريق في مشاهد مكررة لينشغل عن التفكير وكانما يراها لاول مرة  ، بعض الأطفال يلعبون كرة القدم تحت شمس المساء الناعسة ، مشاجره بين غريمين  فاته أن يشهد لحظة إنتصار أحدهما ، إمراه تصرخ لطفلتها التي أفلتت من يدها راكضة نحو الشارع ، تلاشت كل تلك المقاطع إلا مشهد الطفلة ، إذ كان يتسم بحيلولة الافتراض أن هنالك ترقب وفزع عبرا خيوط البال حتى إشتدت أعصابه ونمت في الجبين عروق ثم مالبثت وارتخت ، عندما إلتقطها أحد المارة قبل أن تبلغ الأسفلت ، فأنزاح الخطر ، وبعد أن تسلل إليه ذلك الشعور بالأريحية توقفت المركبة لتباغت أنفه رائحة عطر قوية كإعلان مسبق عن حضور أنثى فاتنة شرعت بإقتحام المكان بما يجعل أعين الدببة تستفيق من سباتها الشتوي وهي تتبع الحسناء حتى تجلس بالمقعد الوحيد الشاغر بجواره

الآن كل الأعين تتجه نحوه ، كإختبار غير معلن للثبات .. طق طق طق أشار للسائق بالتوقف مضطرآ للنزول قبل محطته بعدة شوارع ليواصل السير مشيآ وهو يستحضر شكل الماء الدافق على جسده المنهك ليطرد سخونة يوم بغيض ونشوة مسروقه .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

تأملات في اللغة وأشياء أخرى

-١-       يذكر كيف أنه كان صبياً مشاغباً رغم قصر قامته – الأقصر بين أقرانه – و…