2016-636057298204065133-406_resized

يتربع غراب فضل الله على عرش نجومية عوالم منصور الصويم الجديدة التي يسوقنا لها من خلال سرد كثيف وثري في رواية (عربة الأموات) التي صدرت مؤخراً عن دار مسكيلياني؛ حين يتفوق على أغربة عربة الموت الأول البطينة. الموت الكامن في كل ركن من هذا العالم المتداعي.

في افتتاحية رواية (الغريب) صور ألبير كامبو عربة الأموات التي تقل جثة والدة ميرسول وهي تعبر بالجثة، ككائن متعجل عجلة قاتلة ومرهقة لدرجة كلفت أحد المشيعين استجداء معرفته السابقة الطويلة بتضاريس المكان فقط ليتلافى عنت الرحلة. وكاسترسال في ذات الفكرة تعيش مجموعتان صغيرتان من الموتى قلقاً عتيدا وهي تجوب الخلجان ذات الثلوج فقط من اجل الاستئناس-تبحث عن غريب لتحادثه وتعرض عليه أشياءها- عند سليم بركات في( موتى مبتدئون). تلك الصور الموغلة في العذاب والرهق التي يحويهما المشهدان تجعلنا نتساءل عن حقيقة الموت؛ ننقب فيما إذا كان هذا الهاجس الأبدي مجرد مرحلة عبور سريعة تقود إلى ما بعدها من نقاط الحياة اللامنتهية؛ أم هو-أي الموت- أكبر من ذلك!.

هل يستطيع الموت أن يحتل منطقة شاسعة من العذاب و الوحشة ؟

هذا السؤال يجعلنا نضع عربة فضل الله أمام ( غرابها) ليتسنى لنا تخطي ماهيتها البائسة المقصورة على قطع تلك الفراسخ التي تفصل مغسلة الموتى المجهولين ومقبرتهم في مخرج ١٠٧ بمدينة الرّياض. وقبل أن نقوم بذلك التحول الغُرابي العظيم يجب علينا أن ننسى تلك الفظاظة اللزجة لعربة جثة أم (ميرسول) وهي تصب جام حنقها على جمع المشيعين العجزة، إضافة إلى ذلك سنتجاوز تفاهة إطارات عربة فضل الله من أجل الوصول للبؤس الأكبر في العربة الضخمة ؛ تلك التي تحوي ملايين من الأموات الجائلين؛ المدينة/ الدولة/الأرض.

ففي عربة أموات الصويم تتسع العربة لتشمل المدينة القديمة بأزقتها الضيقة وبيوتها الصفيح؛ المدينة المنسية في فقرها المدقع.مثلما يكبر غرابها -ذي السلسلة-؛ يفرّخ في متتالية لا نهائية تحتوي كل تلك الأصوات الناعقة في مواقعها الدعوية وحساباتها التويترية التحريضية المتشككة المتواطئة الكئيبة، ملايين من الأغربة الملتحية “المتعقلة” في غترات بيضاء بليدة، تخطف ضحاياها لتحلق بهم عاليا ثم ترميهم ليموتوا وحيدين مثلما تفعل الحداة بالقنافذ.

في (عربة الأموات) يتجاوز الموتى محنة الموت قبل أن يولدوا حتى؛ قبل أن يقرروا تخطي الحدود ؛ قبل أن يُدفنوا في حفر الغربة ولججها الهائجة؛ -تجاوز بعض أموات عربة فضل الله ذات الغراب المتكلم محنة موتهم قبل آلاف السنين عندما حكمت عليهم أجراس النخاسين بالارتهان الأبدي للقيود، لذلك ظل وسم العبودية المباشر ملازماً لهم حتى بعد أن طور الأسياد من حلقات قيودهم وأطالوا سلاسل الرّق عبر وصلات ( الكفالة).

أولئك الذين يتسلى فضل بنقلهم إلى المدافن لم يكونوا يتفوقون عليه في الموت سوى بالتنازل عن الأوكسجين.

فالارتهان إلى سلطة الاستبداد المُركب بأيدلوجيا القداسة السماوية يعتبر أكثر جرماً من الموت الفيزيائي الهادئ؛ ذلك الذي لا يعدو عن كونه عتبة صغيرة للبيت الأخر، لذلك لم يركز ألبير في ألم الموت وإنما على عذاب عربته وتسارعها القاتل؛ مثلما تفانى بركات في بيان عزلة الموت وإستجداده متجاوزاً بؤس الموت الذي تتشارك فيه شوارع حي الإثيوبيين أسفل مدينة الرياض، لم يقف أي منهما على ذلك العبور الخاطف لكن منصور وقف. وبينما يعود بِنَا الصويم إلى نقطة انطلاق الموت بل إلى ظلمات عربته الصحراوية العظمى وأغربتها الملتحية لا ينسى أن يخبرنا بقصة اختطاف ( أبو البراء السوداني ) والغلام (متوكل) اللذان تقطعّا على المخالب قبل أن يصلا إلى المجهول. مخالب الأغربة المتبخترة زيفاً؛ السادرة في وهم التفوق ودوّامات العظمة الكذوبة خطفتهما – والملايين- إلى عربة ما وراء البحر ثم نهشتهما هانئة بنعيق وهفهفة مقيتة. ذات المخالب عادت لتقذف بالجميلة (آن صموئيل) إلى عربة موت أخرى تُدعى (مانيلا) .

فكرة الموت وعربته ذات دلالة فضفاضة في فضاء الرواية، لذلك نجدها متجاوزة لمعناها الاعتيادي إلى معاني كثيرة وغريبة؛ بل فريدة وخارقة في بعض الأحيان وذلك عند النّهاية؛ عندما أصبحت تعني البعث البهيج بعد الموت الأول وقبل عتبة ذلك الآخر الطويل.

                                                

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

عبقرية امرؤ القيس الشعرية

الحادي والعشرون من أذار كيوم منذور للشعر أبداً؛ في خليقة ما بعد الحداثة، يمر علينا ولمّا ن…