10583871_589828484459421_6218459364924586189_n

هاشم صالح :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

ﺗﺘﻜﺎﻟﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺧﻴﻮﻁ ﺍﻟﺸﻤﺲ ، فنحتمي ﺗﺤﺖ عريشتنا “الراكوبة” ، نماﺭس رش ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻋﻠﻲ الأرض ، نرطب الطقس ﻭنزيح السموﻡ ﺍﻟﻼفحة ﻟﻠﻮﺟﻮﻩ.. فمدﻳﻨﺘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻴﻒ ﺗﺠﻒ ﻓﻴﻬﺎ شرايين ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭ تتخللها أزمات ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻤﻌﺘﺎﺩﺓ . ﻭﺍلجو المتأﺭﺟﺢ ﺑﻴﻦ جفاف ﻭرﻃﻮبة.. يخنق ﺍﻟﻄﺮﻗﺎﺕ.

أﻣﻲ أﺭاﻫﺎ ﻗﻠﻘــﺔ ﻋﻠﻲ ﺟﺪﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﺄﺗﻲ ﻛﻌﺎﺩﺗﻪ للإﻓﻄﺎﺭ . تهم ﺑﺎﻟﺨﺮﻭﺝ بين الفينة والفينة ، تلفح ﺛﻮﺑﻬﺎ  وتقف عند ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺒﺎﺏ .. ﻋﻴﻨﺎﻫﺎ تشرد للأزقة ﺍﻟﺨﺎﻟﻴﺔ.. وحين يطول وقوفها تنبهها ﺷﻘﻴﻘﺘﻲ ﺑﺼﻮﺕ ﻋﺎلٍ ونبرة صارمة:

( يُما السحايي البقتل شايل فأسه وحايم ، أﺣﺴﻦ ﺗﻨﺘﻈﺮﻱ ﺟﺪﻱ ﻓﻲ ﺿﻠﻚ)

فتنهرها أﻣﻲ ﺑﺎﻧﻔﻌﺎﻝ ﻭﻗﻠﻖ ﻣﺴﻴﻄﺮ :

(ﺿﻞ ﺟﺪﻙ ﻭﻻ ﺿﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ)

حسناً ، ﺍﺧﺘﺮﻗﺖ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ كرصاصة ﺟﺪﺍﺭ ﻃﻔﻮﻟﺘﻲ ﻭالفهم ﺍﻟﺒﺮيء.. شرعت أن ﺃﺳﺎﻝ أختي ﻟﻜﻨﻬﺎ تزمرت.. فاتكأتُ مستخدماً كل ﻣﺴﺎﺣﺎﺕ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ التي يمكن أن يجود بها عقل طفل ، ونسجتُ ﺻﻮﺭﺓ ﺟﺪﻱ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍلأسود ﺍﻟﻔﺎﺭﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻨﺤﻨﻲ ﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺰﻣﻦ..

فرددت بإعجاب : (ﻣﻌﻘﻮﻝ ﺟﺪﻱ ﺿﻠﻪ ﺯﻱ ﺿﻞ ﺑﻴﺘﻨﺎ ﺩﻩ) ،

ونظرت لفناء الراكوبة الواسع ، ولأرضيتها المطمورة ، ولتمدد الظل..

حين ﻃﺮﻕ ﺟﺪﻱ ﺍﻟﺒﺎﺏ لاحقته أﺻﻮاﺕ أﻣﻲ معاتبة ، وحين أخبرها ﺑﺄﻧﻪ تناول إفطاره عند رفيق قديم شرعت ﺗﺘﺮﺟﺎﻩ مهددة :

( ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﺎ ﻋﺎﻳﺰﻳﻦ ﺗﻤﺎﻣﺎﺕ ﻭﻟﻒ ، ﺍﻟﺤﺮ ﺩﺧﻞ العضم ، وبعدين ﺍﻟﺴﺤﺎيي ﻳﺎ أﺑﻮﻱ) ..

(ﺍﻗﻌﺪ ﻓﻲ ﺿﻠﻚ ﻋﺸﺎﻥ ﺻﺤﺘﻚ) .

وﻛﺎنت تقصد جولات جدي الصباحية ﻭﺗﻮﻗﻔﻪ لدى أﺭﺑﻌﻴﻦ أﺳﺮﺓ فقط لإلقاء ﺗﺤﻴﺔ الصباح.

في ما بعد ﺫﻛﺮﺕ ﻟﻲ ﺃﻣﻲ أنه ظل ﺣﺮيصاً ﻋﻠﻲ تفقد أحوال الجيران.

أربعون جاراً ﻛﻠﻬﻢ ينتظرون طلته التي تضاهي شروق الشمس …

أتى جدي وحملني بين ذراعيه ، وكعادته ردد لي (من فتي)*

وانا اكرر(عبعبوا)*

كان يرتدي يومها ﺟﻠﺒﺎباً قصير مع ﺳﺮﻭل يصل أسفل ﺭﻛﺒﺘﻴﻪ.. ﻭيضع عليه ﺍﻟﺴﺪﻳﺮﻱ ﺍلاﻏﺒﺶ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻔﺎﺭﻗﻪ.. مازلت ﺃﺫﻛﺮ ﻭﺟﻬﻪ المجعد تتقاطر منه حبيبات العرق ، وأﺭﺟﻠﻪ السامقة التي ﺗﺤﻤﻞ ﺁﺛﺎﺭ أربعين بيتاً ﺟﻌﻠﻬﺎ ﺍﻟﻌﺮﻕ ﺍﻟﻤﺘﺼﺒﺐ تتخضب بطين ﻣﻦ ﻳﺮﺍﻩ ﻳﻈﻦ أﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺘﺴﻜﻊ ﻓﻲ ﻭﺣﻞ..إتكأ ﺟﺪﻱ ، وﺟﻠﺴﺖ أمي بقربه .. تجهز أﺩﻭﺍﺗﻬﺎ لعمل ﺍﻟﻘﻬﻮﺓ -أهم ما نملك. ﻃﻘﻮﺳﻬﺎ ﺍﻟﻬﺪﻭﺀ ﻭﺣﻔﻨﺔ ﺑﻠﺢ ﻣﺴﺎﻭﻣﺔ ﻟﺼﻤﺘﻨﺎ.. ﻛﺎﻥ ﺟﺪﻱ ﻳﺘﻤﺘﻢ ﺑﺼﻮﺕ ﻣﻨﺨﻔﺾ ﻭتارة ﻣﺮﺗﻔﻊ ، ﻣﺎدحاً ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻲ ﺑﺎﺧﺘﻼﻁ ﻟﻐﺘﻨﺎ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ بالعربية :

“ﺻﻠﻮ ﻋﻠﻲ ﺻﻠﻮ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻲ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻲ* ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ”

ﻭﻻﻳﺒﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ ﺗﻠﻚ ﺍلعلبة المخبأة ﻣﻦ أﺑــﻲ ، ليحشر منها كرة ﺻﻌﻮﻃ تحت شفته ، ثم يواصل ﺗﺮﺍﻧﻴﻤﻪ ﺍﻟﺼﻮﻓﻴﺔ…

أيامها كانت ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺨﺘﻤﻴﺔ ﺗﺠﺮﻱ ﻓﻲ ﺩﻡ ﺍﻫﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﺷﺮﻕ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ.. أمر ﺃﺷﺒﻪ بالتقدﻳﺲ ؛ فإﺫﺍ حدث وﺍﻗﺘﺮﺑﺖ ﻣﻦ ﺟﺪﻱ أثناء نومه واصطدمت بالإبريق .. ﻛﺎﻥ ﻳﻨﺘﻔﺾ مستيقظاً ﻣﻦ ﺳﺒﺎﺗﻪ ناطقاً ﺍﺳﻢ شيخ ﻣﻦ أﺳﻴﺎﺩ ﺍﻟﻤﺮﺍﻏﻨﺔ وملوحاً بيده ﺿﺮﺑﺔ ﺗﻠﻘﺎﺋﻴﺔ ، ﻟﺬﻟﻚ داومت أﻣﻲ على الحذر في غفواته..

ذات مرة سألت أبي ﻋﺴﺎﻩ ﻳﻔﻚ ﻃﻼﺳﻢ ﺍﻟﻠﻐﺰ ، لكنه بدلاً عن ذلك ﺍﺳﺘﻄﺮﺩ ﺑﺤﺪﻳﺚ غامض ﺷﻌﺮﺕ معه بتعاطف ﻣﺎ مع ﺟﺪﻱ..

ﻗﺎﻝ لي :

من المؤسف أن يكون جدي أباً لبنات فقط ، وأن لا يحظ بذكر ﻳﺄﺧﺬ ﻣﻼﻣﺤﻪ القوية وﻳﺮﻓﻊ اسمه ﻛﻤﺎ تهيء ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﻋﻨﺪ ﺍﻫﻠﻨﺎ…

في كل مساء ، بعد أن تتوارى الشمس خلف التلال ، ويعانقنا الظلام.. ﻛﻨﺖ أﺣﻤﻞ إﺑﺮﻳﻖ اﻟﻘﻬﻮﺓ ﻭأﺧﻄﻮ ﺑﺎﺗﺠﺎﻩ ﺑﻴﺖ ﺟﺪﻱ ﺍﻟﺨﺸﺒﻲ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ.. لان جدي لا يأتي بيتنا مساءأ احتراما لنسيبه(اي ابي) كما تملي عليه التقاليد وكنت اتزمجر من المرسال ليلآ اليه.

لكني هذه المرة ساقني فضولي  ﺩﺧﻠﺖ مسرعاً فوﺟﺪته ﻣﺘﻜﻮﻣﺎ ﻓﻮﻕ ﺳﺠﺎﺩﺗﻪ ﻭﺳﺒﺤﺘﻪ ﺗﺘﺮﺍﻗﺺ ﺑﻴﻦ أصابعه.. ﻳﺘﻠﻮ ﻭﻳﺤﻤﺪ ﺭﺑﻪ ﻭيمدح ﻧﺒﻴﻪ العربي ﻭﺑﻌﺾ ﺍﺳﻤﺎﺀ ﻣﺸﺎﻳﺦ ﺗﺮبى ﻋﻠﻲ أﻳﺪﻳﻬﻢ..

ﺟﻠﺴﺖ أرضاً ﻭﻋﻴﻨﺎﻱ ﺗﻌﺎﻧﻘﺎﻥ ﻣﻼﻣﺤﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻠﻤﺔ ، أﺧﺮﺝ ﺟﺪﻱ ﻣﻦ ﺟﻴﺒﻪ ﻋﻮﺩ ﺛﻘﺎﺏ ﻭﻓﻨجانه الملازم له ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻞ ﻭﺍﻟﺘﺮﺣﺎﻝ.. أﺿﺎﺀ ﻟﻤﺒﺔ معبئة ﺑﺎﻟﺠﺎﺯ ﻭموصول ﺑﻬﺎ ﺧﻴﻂ ﻗﻄﻨﻲ كذنب فأر مشتعل… وفور ﺻﺒﺒﺖ ﻟﻪ ﻓﻨﺠﺎناً ﺧﺎﻟﻴﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻜﺮ كما يفضل..

انتبهت لظل جدي الذي صنعته الإضاءة على الحائط ، بدا لي ضخماً وغير منطقي .

وما إن طلب مني جدي أن أعود للبيت حتى ركضت لأخبر شقيقتي بأن ظل جدي يسع الجميع ويستحيل أن يدنسه السحائي .

 

ـــــــــــــــــــــ

من فتي*

ــ تحب من ـ

عبعبوا*

ــ جدي ــ

اللوحة لــ مني الشوربجي

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لا يموت الشاعر

الشاعر: عمار شرف الدين يفضل غفوة كتابةٍ أبدية يعالج فيها نصاً أرّق حياته  تصلح غفوته الطوي…