arabic

لم تكُن يومًا اللغة وسيلةً للتواصل فحسب ، بل هي ركيزةٌ من ركائز الدعم الجوّاني .. إذ يتطلب من إصلاح النفس مثلاً وجود اللغة ، والتفكير لا يقوم إلا بها ، والفهم أساس كل شيء للعالم والوجود والكون كله ، كله يكون باللغة .

بالنسبة للكاتب في لحظة الكتابة المقدسة ، تكون اللغة هي الفعل الثاني ذا الأولوية بعد عمليتَي الشهيق والزفير … وبالنسبة لي فقد اتّقدتُ باللغة من سنواتي العشر الأولى ، وأول ما كتبتُ ، كتبتُ القصيدة في العاشرة من عمري ، بإستراتيجية بسيطة مثل اختيار الكلمات المتشابهات ، ثم إدخالهن في جمل ذات أوزان متشابهة … ولم تزل في كل الأحوال استراتيجتي مشابهة لَها ، حتى مللتُها وارتميتُ في كنف النثر الحبيب .

حين تُسأل من أي نبعٍ استهللتَ المشوار ، أيّ مِشوارٍ كان .. ستكون الإجابة في منتهى البساطة والبديهة ، فإن عُدت بالتسلسل للوراء لتصل أي فعل مُكتسب ، لن تعصر ذاكرتك طويلاً ، أو تستغرق في التفكير قبل أن تذكر اسم والِديك أو أحدهما .. وهنا أمي كانت النقطة الجوهرية خلف تلقيني معاني المصطلحات العربية الفصيحة ، سواءً من القرآن أو المصادر المقروءة أو المسموعة . لم تكن تملْ من أن تُعيد على مسمعي كلمة كانت ذكَرَتها لي في الصباح . حيثُ صدق أعزَّ من قال : (أنِ اشكر لي ولوالديك) .

بعمر الثامنة تقريبًا ، توقفتُ في مُقدمة الفصل ، وخلفي معلِمين أحدهما يتباهى بي أمام الآخر والتلاميذ ، ذلك المتباهي كان أستاذي الكريم في اللغة العربية آنذاك سعد الخثلان . مدّ لي الآخر مقالةٌ جلبها معه وطالبني بالقراءة ، كي يختبر السبب في مقدرتي على القراءة قبل التلاميذ ؛ إن كان يعود السبب لتدرُّبي على نصوص الكتاب مسبقًا . وعندما -وفقني الله- فرغتُ من قراءة النص ، كانت إشراقةٌ متهللة بانت على وجه أستاذي الموقر .. أُريدُ أن أقول لمن يحمل لافتة (اللغة موهبة) ، يصعُب القول بأن ثمّ فرقٌ حقاً بين الموهبة الفريدة ، والعمل الدؤوب .. إن الفِعل المُكتسب الذي يأتي بالمزاولة أسمى بمراتٍ من الطاقة اللاإعتيادية التي يُولَد بها الإنسان … أهم الأعمال هي المُكتسبة ، لأن باكتسابنا لها مع تكويننا للخبرات المتراكمة ، يُصبح من الصعب الجزم بأنها ليست موهبة فطرية .

ثم تطوف بي الأيام ، ويكبر الطفل الذي في صدري ، لأدخل مغارة الأدَب ، لا بلِ الذهَب … كنتُ محظوظًا حينما قرأتُ لكل كاتب وكأنه يقصدني بكتابه ، وأخاطبَه ، وأشعر بالحزن والحنين حين أُفارق وطنه الأبيض ، وطنُ الثلج والرَّماد .

أغلبُ الظنَّ بأن المرء لو قرأ مثل عمرِه مرتين ؛ فهو في كل مرة سيصيبه ذهول المرة الأولى ، إن المسافات والأمتار غير مُستشعرة في رفقة الأدب ، إنه مثل طفل يولَد كل يوم من جديد ، لا يشيب ، لا يشيخ ، ولا يُصيبهُ السُّقم .

وهكذا طفِقتُ أقتات على الصفحات الصغيرة -الإلكترونية تحديدًا- دون أن أشعُر بالشَّبَع منهن ، دون الشعور بالسأم ، ذلك لأن الاستعارات والأساليب والأفكار دومًا متجددة ، مثل نهرٍ جليل ، طويل يمتد من الجنوب نحو الشمال بشموخٍ ليس له مثيل .

شيئاً فشيئاً تطبع فينا اللغة قبلاتها على جبين كُلٍ مِنا مما يقرؤه ، الطنطاوي يقول ” مِثل الطعام لا يذهب سُدى في جسدك ، لا تذهب أطنان الكلمات التي تقرؤها هباءً ” .

 

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

  1. I purchased the actual Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com designed for a 15 year old daughter. She enjoys them all. I attempt to use them on to determine if We want some, they are challenging for an older individual to bring about when they have an advanced arched ft .. The various other pair I got pertaining to our 14 year-old daughter whom prefers them also for convenience, fashionth, and many others.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

كن في الدنيا كأنك غريب .

( كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل ): الرسول صلى الله عليه وسلم . لعلها نصيحة بارعة، أ…