14808824_1587819017910335_761067435_o

• تأليف : لويجي بيراندللو
• ترجمة : خليفة التليسي

قبل أن تموت المركيزة (يورجي) بأيام، أرادت أن ترضي ضميرها، فاستدعت الدكتور (فالشي) كي تعرض عليه ابنها (سلفيو) الذي أصيب بالعمى، منذ عام تقريباً. لقد عرضته على أعظم وأبرع أطباء العيون في إيطاليا، وخارجها، فأجمعوا كلهم على أنه قد أصيب بمرض في عينيه، لا يرجى منه شفاء.

وكان الدكتور (فالشي) قد فاز منذ مدة قليلة بمنصب مدير عيادة لطب العيون. ولكنه لم يكن موفقاً في أن يحظى بعطف أو بثقة أحد من الناس. ربما كان مبعث ذلك، مظهر الإعياء والذهول الذي يحيط به، وربما كان مبعثه شكله المنفر، أو طريقة مشيته المسترخية التي تكاد تصيب مفاصله بالتقطع. وكان هو يعرف مكانته في النفوس، ويبدو أنه يستمتع بهذه المكانة.
كان يوجه إلى طلبته، وإلى زبائنه، أسئلة غريبة، نفاذة، محيرة، تبعث على الشك والبلبلة. وكان يفهم الآخرين، بكل وضوح الفكرة التي كونها عن الحياة. ويكشف هذه الفكرة في كل عريها، مجردة من الرياء والأوهام الخداعة التي يخلقها كل منا، دون قصد، ولا إرادة، استجابة لحاجة طبيعية، أو خضوعاً للوقار الاجتماعي.. وبمضي الزمن أصبحت صحبة الدكتور مملة ولا تطاق.

وعندما استدعته المركيزة، فحص بدقة تامة، وانتباه كامل، عيني الشاب، دون أن يصغي ـ كما يبدو على الأقل ـ إلى ما كانت المركيزة تقولـه، حول الداء وأحكام الأطباء الآخرين عليه، وعن المعالجات الطبية العديدة التي حاولتها.. وما كاد ينتهي من الفحص، حتى تأكد لديه، أن الأعراض المميزة للمرض الذي وصفه الأطباء، غير موجودة، وهي الألوان الزرقاء والخضراء الدالة على العمى.. وتبين لـه أن المرض لا يعدو أن يكون نوعاً نادراً من أمراض العيون، غير أنه لم يرغب في إعلان شكه في صحة تشخيص الأطباء، وآثر أن يسكت في البداية حتى لا يبعث في نفس الأم أملاً ضعيفاً. وأخفى الاهتمام القوي الذي ألقاه في نفسه ذلك المرض، واكتفى بإبداء رغبته في أن يعود إلى الكشف عن المريض بعد شهر.
وعاد إليها.. ولكنه وجد في ذلك الشارع الجديد المهجور الذي تقوم فيه فيلا المركيزة حركة غير عادية وجماعة من الفضوليين متزاحمين أمام المدخل.. لقد ماتت المركيزة فجأة في الليلة السابقة.

ماذا يفعل؟ هل يعود؟ وفكر في أنه لو أظهر شكه في طبيعة المرض كما شخصه الأطباء لكان من الممكن ألا تموت تلك الأم المسكينة، وفي نفسها يأس من شفاء ابنها الذي تتركه إلى العمى الذي لا علاج لـه . وعلى كل فهو إذا لم يستطع أن يدخل العزاء بهذا الأمل على قلب الأم ألا يجب عليه ـ على الأقل ـ أن يدخل الأمن والطمأنينة على قلب ذلك البائس المسكين الذي نزلت به هذه الكارثة الجديدة؟
ودخل إلى الفيلا.

وبعد انتظار طويل، في ذلك الجو المضطرب، الذي يهيمن على البيت، تقدمت إليه فتاة شقراء مرتدية السواد، وفي مظهرها شيء من الحزم والقوة، وقدمت نفسها على أنها وصيفة المرحومة، فأوضح لـها الدكتور سبب زيارته. ووجدت الفتاة نفسها تسأله في استغراب ينم عن شكها في كلامه.
ـ وهل يصاب الشباب بمثل هذا المرض الذي تتحدث عنه؟ فنظر إليها الدكتور نظرة فاحصة، مسلطة على عينيها. ثم أجاب في ابتسامة ساخرة تبدو على عينيه أكثر مما تبدو على شفتيه.

ـ ولماذا لا يتعرضون؟ معنوياً دائماً، يا آنستي، وخاصة عندما يحبون.. وحتى عضوياً.
فزاد هذا الكلام من حنق الفتاة التي قطعت الحديث قائلة بأن الحالة التي يوجد فيها المركيز في تلك اللحظة، لا تسمح لـه ، بأن يتحدث في أي موضوع، وأنه سوف يدعوه بنفسه، حين يزول عنه الحزن، وتخبره بهذه الزيارة…
وانقضى أكثر من ثلاثة أشهر دون أن يدعى الدكتور.

وفي الحقيقة كان الدكتور قد ترك انطباعاً سيئاً في نفس المركيزة عند زيارته الأولى. والآنسة (ليديا) التي بقيت خادمة وقارئة للمركيز، مازالت تذكر ذلك. وقد أنستها نقمتها على الطبيب الثقيل أن انطباعات المركيزة عنه، كان من الممكن أن تتغير لو أبدى رأيه في احتمال شفاء ابنها. وقد رأته عند زيارته الثانية إنساناً محتالاً لئيماً يختار اليوم الذي ماتت فيه المركيزة، ليعلن شكه في آراء الأطباء ويبعث أملاً في الشفاء بعد أن استسلم المركيز إلى مصيبته.
لقد أحس بالظلام يتكاثف حوله بعد موت أمه. إن الظلام الذي يحاصر نفسه من الداخل لـهو أشد هولاً وأقسى من العمى. ظلام يقف الناس حياله عمياناً. إن الذي يملك عينين سليمتين يمكنه أن يتعزى برؤية الأشياء التي حولـه، أما هو فليس لـه مهرب من هذا الظلام. إنه أعمى أمام الحياة، وأعمى أمام الموت، وقد اختفت أمه في هدوء، وتركته وحده، في فراغ فظيع، وإلى ظلام بارد كثيف.

وفجأة سرى إليه في ظلامه الحالك، صوت ناعم رقيق، مثلما يسري شعاع عذب من النور. ولم يستطع أن يعرف في البداية، صاحبة ذلك الصوت الناعم الذي تعلقت به نفسه، في ذلك الفراغ المفزع. إنه صوت الآنسة ليديا التي ظلت في الأشهر الأخيرة أقرب الناس إلى أمه، وإنه ليذكر أن أمه قد حدثته عنها، وذكرت لـه ، أنها فتاة طيبة ونبيهة، وحركاتها لطيفة وهي مثقفة وذكية. صفات أصبح يلمسها الآن في رعايتها لـه ، وعطفها عليه، وفي الأنس الذي تدخله على نفسه.
لقد داخلها الشك منذ الأيام الأولى لاستخدام المركيزة لـها بأنها لا ترى ضرراً، بل تتسامح في أن يتسلى معها ابنها، وكانت في ذلك مدفوعة بأنانية الأمومة. وقد أحست (ليديا) إهانة جارحة، وأخذت نفسها بالشدة، وأحاطتها بالتحفظ الحازم، مستجيبة إلى ترفعها الطبيعي… إلا أنها بعد وفاة أمه، وجدت نفسها، تخلص لـه ، مدفوعة بعاطفة التجاوب والرعاية، دون أن يتسرب إلى نفسها شك، بعد أن أخذ يدها وأراح على خدها وجهه الشاحب الجميل، وهو يبكي قائلاً: (لا تتركيني. لا تتركيني..)

كان يعذبها بفضول العميان.. يريد أن يراها في ظلامه، يريد أن تتحول صورتها إلى صورة في أعماقه، كانت أسئلته الأولى قصيرة وغامضة، كان يريد أن يرسم لـها صورة في نفسه، تتفق مع هذا الصوت الذي يسمعه، حين تقرأ لـه ، أو تتحدث إليه.
ـ شقراء.. أليس كذلك..؟
ـ نعم
كانت شقراء، ولكن شعرها الخشن القليل، لا يتلاءم مع لون بشرتها المائل إلى الشحوب.. هل تقول لـه ذلك؟ ولماذا تقول ذلك؟
ـ وعيناك.. زرقاوان..؟
ـ نعم..
عيناها زرقاوان ولكنهما كئيبتان متألمتان غارقتان تحت جبهتها الحزينة، هل تصفها لـه ؟ لم تكن جميلة الوجه، ولكنها كانت رشيقة القوام، وأجمل ما فيها يداها؛ وصوتها بصفة خاصة، يتميز بعذوبة بريئة ناعمة، تختلف عن الطابع الحزين العميق المرتسم على محياها. وكانت تعرف أنه يراها من خلال هذا السحر الذي يغلف صوتها الناعم الرقيق، ومن خلال أجوبتها المحتشمة على أسئلته الملحة. كان يراها من خلال هذا الصوت وكانت هي تحاول جاهدة أمام المرآة أن تكون شبيهة بتلك الصورة التي صنعها خياله لـها، كانت تحاول أن ترى نفسها كما يراها هو في ظلامه الدامس. إن صوتها لم يعد يخرج من شفتيها، ولكنه يخرج من شفتي (تلك).. تلك التي يتصورها. وعندما تضحك، تشعر في الحال أنها لم تكن هي التي تضحك، وإنما تقلد ضحكة تلك الصورة الأخرى.. صورتها التي تعيش في نفسه. كل ذلك كان يسبب لـها عذاباً جارحاً يصيبها بالاضطراب. كانت ترى أنها لم تعد هي نفسها وأنها أصبحت تختفي شيئاً فشيئاً عن نفسها.. كل ذلك من أجل هذه الشفقة التي تحسها نحو هذا الشاب.. أهي الشفقة فقط؟.. لا.. إنه الحب. إنه الحب فلم تعد تقدر على أن تنزع يدها من يده، أو يبعد وجهه عن وجهها. وإذا جذبها إليه كانت تكتفي بالاحتجاج الرقيق (لا.. هكذا لا.. أرجوك).

وكان حتماً عليهما أن يصلا إلى قرار، كلف الآنسة ليديا صراعاً عنيفاً مع نفسها. لم يكن للمركيز أقارب، فهو سيد نفسه، يفعل ما يبدو لـه وما يريد. ولكن ألا يقول الناس، أنها قد استغلت مصيبته، لكي تتزوجه، وتصبح مركيزة وغنية؟ أجل.. إنهم سيقولون ذلك وأكثر، ولكن كيف تستطيع البقاء في هذا البيت من غير هذا الشرط؟ ألا يمكن أن يعتبر قسوة كبيرة محاولة التخلي عن ذلك الأعمى وحرمانه من رعايتها وحنانها، خوفاً من أقوال الناس؟ إنه بلا شك حظ عظيم بالنسبة إليها، ولكنها كانت تشعر في أعماقها بأنها تستحق هذا الحظ، لأنها تحبه بل إن أعظم حظوظها أن تحبه في صراحة، أن يقول أنها لي، خالصة مخلصة إلى الأبد، لـه وحده جسداً وروحاً.

إنه لا يبصر ولا يرى في أعماقه إلا تعاسته. ولكنه جميل.. جميل جداً ورقيق كأنه فتاة وديعة. وكانت تنظر إليه وتتأمل جماله دون أن يفطن إلى ذلك وتفكر في نفسها (إنك لي لأنك لا ترى ولا تدري. ولأن روحك أسيرة لتلك العاهة وأنت في حاجة إلي لكي ترى وتدري وتحس).
ولكن ألا يجب عليها أن تعترف لـه قبل أن تنزل عند رغبته، بأنها لم تكن كما يتصورها؟ أجل.. إنها خديعة، ولكنه أعمى.. يكفيه قلب.. قلب كقلبها في إخلاصه والتهابه ما يكفيه، وهم الجمال.. وهي ليست قبيحة على كل حال.. ثم إن فتاة جميلة.. من يدري.. ربما تخدعه، بأية طريقة، مستغلة عاهته.. إنه محتاج إلى القلب العاشق الودود أكثر من حاجته إلى الوجه الوسيم الذي لن يراه أبداً.

وبعد أيام من الحيرة المؤلمة حدد يوم الزفاف. وتقرر أن يتم الزفاف دون أبهة، وفي أقرب وقت، وبعد الشهر السادس لوفاة الأم مباشرة. كان أمامها شهر ونصف لإعداد اللوازم على أحسن ما يرام، وكانت سعادة تلك الأيام عظيمة. كانت الساعات تطير وتمضي وهي تستعجل إعداد عشها السعيد. كانت الساعات تمضي دون أن تشعر بها في غمرة تلك الملاطفات والمداعبات التي كان يغمرها بها والتي كانت تتحرر منها وفي قلبها نشوة. كانت تتحرر منه ومن مداعباته في عنف محبب، حتى تستطيع أن تصون من عبث الحرية، بهجة ما.. بل أبهج الأشياء ليوم الزفاف. لم يبق على يوم الزفاف سوى أسبوع عندما أخطرت ليديا فجأة بزيارة الدكتور (فالشي)، وكادت تخضع لانفعالها الأول فتجيب (غير موجودة)، ولكن الأعمى الذي كان يسمع حديثها الخافت تساءل (من؟) فأجابه الخادم (الدكتور فالشي) وأضافت هي (أتعرفه؟ إنه الطبيب الذي استدعته أمك قبل أيام حلول الكارثة).

فقال في استغراب وهو يسترجع ذكرياته:
ـ آه.. لقد فحصني طويلاً.. طويلاً.. إني أذكر جيداً.. وقال إنه سيعود.
فقاطعته ليديا، وهي مضطربة:
ـ انتظر سأذهب إليه.
كان الدكتور واقفاً في حجرة الاستقبال، وكان رأسه الأصلع الضخم مرتفعاً إلى الخلف وعيناه مغمضتين، وهو يسرح بيده لحيته الكثيفة.
ودخلت دون أن ينتبه إليها، ثم قالت:
ـ تفضل يا دكتور.. استرح.
فانتفض الدكتور من دخولها المفاجئ، ثم انحنى قائلاً:
ـ معذرة إذا..
ولكنها كانت قلقة مضطربة فأرادت أن تستعجله:
ـ أنت لم تدع أبداً حتى الآن.
فأجابها في ابتسامة هادئة على شفتيه:
ـ حتى زيارتي هذه كانت غير مناسبة، ولكن معذرة يا آنسة.
فتضرج وجهها وقالت:
ـ لا.
فأجابها:
ـ أنت لا تدركين الأهمية التي يعلقها الرجل البائس المشتغل بالعلوم على مثل هذه الأمراض، ولكني أريد أن أكون صريحاً يا آنسة.. قد نسيت هذه الحالة على الرغم من أنها في رأيي نادرة وعجيبة.. ولكن أمس فقط حين كنت أتحدث في الزائد والناقص مع بعض الأصدقاء علمت بزفافك المنتظر إلى المركيز.. أليس هذا صحيحاً يا آنسة؟
فشحب وجهها وأكدت لـه كلامه بهزة من رأسها.

ثم أضاف قائلاً:
ـ اسمحي لي أن أقدم تهاني.. ولكنك ترين أنني تذكرت هذه الحالة، فجأة، وتذكرت تشخيص المرض من قبل أشهر الأطباء إذا لم أخدع.. إذا لم تخني الذاكرة.. كان من الصعب تشخيص هذا المرض في البداية، ولكنني واثق من أن المرحومة المركيزة لو عرضت ابنها على هؤلاء الزملاء في الوقت الذي عرضته علي لأجمعوا أن تشخيصهم السابق كان خطأ، وأن الداء في أعراضه السابقة غير موجود. وتذكرت أيضاً زيارتي الثانية الملعونة، وفكرت في أنك لابد أن تكوني قد نسيتِ دعوتي في غمرة الارتباك الذي نشأ عن وفاة المركيزة، ثم في غمرة هذا الحادث السعيد.. صحيح؟ لقد نسيت..
فأنكرت في قسوة عندما جاء الحديث إلى هذه النقطة، وتمردت على ذلك العذاب الذي أصابها به هذا الحديث الطويل الذي سممه الدكتور.. وتضايقت..
ـ تقولين.. لا.

فردت في حزم وإصرار ـ لا، لقد تذكرت أكثر الثقة الضعيفة ـ ولا أقول انعدام الثقة ـ التي كانت المركيزة قد كونتها عنك وعن شفاء ابنها بعد زيارتك.
فرد الدكتور على الفور:
ـ ولكني لم أصرح بوجهة نظري في مرض ابنها.
فقاطعته من جديد قائلة:
ـ صحيح.. لقد قلت لي ذلك.. ولكنني كالمركيزة.
فقاطعها بدوره:
ـ ثقة قليلة؟ بل ثقة معدومة؟ أليس كذلك؟ ولكنك لم تخبري السيد بزيارتي وأسبابها.
ـ في ذلك الوقت لم أخبره.
ـ وبعد ذلك؟
ـ لم أخبره أيضاً.
ورفع يده قائلاً:
ـ أفهم.. لقد ولد الحب.. ولكن معذرة يا آنسة… يقولون.. إن الحب أعمى، هذا حق.. هل تريدينه أعمى إلى هذه الدرجة، حب المركيز؟ أعمى حتى عضوياً.

فشعرت ليديا، أنه لن يفيدها، أمام بروده الثابت القاتل، أن تتسلح بالتحفظ المترفع الذي كانت تلوذ به دفاعاً عن عزتها ضد هذا الشك الحاقد الكريه. وجهدت في أن تصمد وسألته في هدوء واضح:
ـ أنت تصر على أن المركيز سوف يستعيد بصره بمساعدتك؟
ـ مهلاً يا آنسة ـ ورفع يده ـ لست إلهاً قادراً، لقد فحصت مرة واحدة عيني المركيز، وتبين لي أنه يجب استبعاد إصابة المركيز بالمرض الذي حدده الأطباء، أما البقية، فيحيط بها الشك، كما يحيط بها الأمل. وهذا يكفيك إذا كنت تحبين خطيبك كما أعتقد.
فأسرعت ترد عليه في مظهر المتحدي:
ـ وإذا ما تقوض الشك، بعد فحصك، وظل الأمل خداعاً ضائعاً؟ ألا يعني ذلك أنك قد أقلقت، عبثاً، وفي قسوة، روحاً قد أسلمت أمرها إلى القدر؟
فأجاب في هدوء حازم قاسٍ:
ـ لا يا آنسة.. لقد رأيت من واجبي كطبيب أن أزوره دون دعوة لأنني أجد نفسي لا أمام حالة مرضية فحسب، ولكنني أمام حالة ضميرية أشد وأقسى على النفس.
وحاولت أن تقاطعه قائلة:
ـ أنت تشك..
ولكنه لم يمهلها حتى تتم كلامها فقال:
ـ لقد ذكرت أنت نفسك أنك قد أخفيت خبر زيارتي عن المركيز.. وتعللت بعذر لا أستطيع أن أقبله، لا لأني اعتبره إهانة، ولكن الثقة أو عدم الثقة في قدرتي ومهارتي، شيء لا يخصك أنت، وإنما يخص المركيز.. تأملي يا آنسة ربما كانت هذه قسوة مني، لا أستطيع أن أنكرها. وأزيدك أنني لن أتقاضى شيئاً من المركيز إذا زارني في عيادتي حيث يجد كل عناية وكل مساعدة يستطيع أن يقدمها إليه العلم بلا مقابل. بعد هذا التصريح أيشق عليك حين أطلب منك أن تخبري المركيز بزيارتي هذه؟ فنهضت ليديا ـ ثم نهض الدكتور مستعيداً مظهره المعتاد قائلاً:

ـ انتظري.. لن أخبر المركيز بزيارتي السابقة بل أقول لـه ، إذا رغبتِ، بأنك دعوتني بصفة مستعجلة قبل الزفاف.
ولكن ليديا نظرت إليه في اعتزاز وتحدّ.
ـ قل الحقيقة بل سوف أقولها أنا.
ـ الحقيقة في أنك لم تثقي فيَّ؟
ـ تماماً؟
فهز الدكتور كتفيه وابتسم قائلاً:
ـ سوف يؤلمك ذلك.. أنا لم أرد إيذاءك.. إذا كنت راغبة في تأجيل الزيارة بعد الزفاف فإنني مستعد للعودة؟
وصرخت فيه: “لا”، مصحوبة بحركة من يدها دالة على الرفض أكثر من الكلمة المنطلقة من شفتيها. وكانت تشعر بالضيق. وتضرج وجهها حنقاً على النقيصة التي يثيرها في نفسها هذا الكرم الزائف من الدكتور. وأشارت إليه بيدها أن يتبعها.
كان المركيز الشاب ينتظر في الحجرة، في قلق زائد، ودخلت عليه، وهي ترتجف، ثم قدمت إليه الدكتور قائلة:
ـ هذا هو الدكتور (فالشي)، لقد أوضحنا هناك إشكالاً خاصاً. ألا تذكر أن الدكتور قد وعد في زيارته الأولى بالعودة.. أليس كذلك؟
فأجاب المركيز:
ـ أذكر ذلك جيداً.. يا دكتور.
فواصلت ليديا كلامها قائلة:
ـ ولكنك لا تعرف أنه في نفس اليوم الذي ماتت فيه أمك.. تحدث معي، وأكد لي أن عاهتك تختلف كل الاختلاف عن تشخيص الأطباء. ومعنى ذلك في رأيه احتمال شفائك.. ولكنني لم أخبرك بشيء من ذلك.
فأسرع الدكتور يضيف إلى كلامها.
ـ تأمل.. كان ذلك لأن الآنسة استغلت شكي الذي شرحته في تلك اللحظة، وتوهمت أني أريد أن أدخل الاطمئنان على نفسك فقط.. ولذلك لم تهتم بالموضوع.

فأجابت في اعتزاز واستعداد:
ـ هذا ما قلته أنا.. ولكنه ليس ما تفكر فيه أنت يا دكتور.. اسمع يا سلفيو: إن الدكتور، شك فيما أصبح بعد ذلك حقيقة ثابتة.. وهي أني لم أخبرك بزيارته السابقة، وأنه جاء وحده، مدفوعاً برغبته الخاصة ليقدم إليك خدماته قبل الزفاف دون مقابل.. فهل تستطيع أن توافقه في اعتقاده، بأني أردت أن أتركك أعمى، لكي أتزوج منك؟
فصرخ الأعمى:
ـ ليديا.. ماذا تقولين؟
فتابعت ليديا كلامها في ضحك عصبي غريب وهي تقول:
ـ أجل.. ربما كان ذلك صحيحاً. وفي الحق أنني بهذا الشرط فقط أستطيع أن أكون لك.
فعاد الأعمى إلى مقاطعتها:
ـ ماذا تقولين؟
ـ سوف تفهم ذلك يا سلفيو إذا استطاع الدكتور أن يرد إليك بصرك.. إني خارجة الآن.
وهتف بها:
ـ ليديا.. ليديا..
ولكنها خرجت وجذبت الباب في عنف، وألقت نفسها على الفراش في غرفتها، وهي تعض الوسائد في حنق، وانفجرت في بكاء لا ينقطع. وما كادت تخمد رغبتها في البكاء حتى أصابها ذهول وأحست أنها تواجه ضميرها، فزعة مرتاعة. وبدا لـها أن كل ما قاله الطبيب، ببروده القاتل، قد قالته هي إلى نفسها، منذ زمن بعيد، أو على الأصح، قد قاله شخص آخر في نفسها، وتظاهرت هي بأنها لم تسمعه.. أجل لقد تذكرت دائماً الدكتور فالشي.. كانت صورته تبدو لـها دائماً كأنها شبح من عذاب الضمير، وكانت تدفعها دائماً عنها بإهانة.. “محتال” لأنها.. وهل تستطيع أن تنكر؟ لأنها تريد.. تريد أن يبقى خطيبها سلفيو أعمى.. إن عماه هو الشرط الأساسي لحبها.. إنها إذا استعاد بصره غداً فلن يتزوجها.. وهو الشاب الغني صاحب السيادة؟ أيتزوجها اعترافاً بفضلها؟ أم يتزوجها رحمة بها؟.. لا؟؟ لا يمكنها أن تقبل منه ذلك، وهي التي أحبته، ولم ترغب في شيء آخر غير حبه… لقد كانت ترى في عاهته تبريراً لحبها، وعذراً تجابه به ثرثرة الناس، هل يمكن أن تتسامح وتتساهل مع ضميرها الذي يوشك على اقتراف جريمة دون أن تشعر، لكي تقيم سعادتها على شقاء، ومصيبة إنسان آخر؟ إنها في الحقيقة لم تكن تصدق أن عدوها الطبيب قادر على أن يصنع المعجزة، فيرد البصر إلى سلفيو، لم تصدقه، ولم تؤمن به حتى الآن. ولكنها لماذا سكتت؟ هل فعلت ذلك لأنها لم تكن تثق في الطبيب؟ أم لأن الظن الذي عبر عنه الطبيب سوف يفتح باباً للأمل في نفس سلفيو ويكون في ذلك موتها، موت حبها، خاصة إذا تأكد النجاح في العملية..

كانت تعتقد، حتى ذلك الوقت، أن حبها كاف لأن يعوض على خطيبها بصره الضائع، وهي تعتقد أنه إذا استعاد بصره بمعجزة، فلن تستطيع هذه النعمة السابغة، ولا كل الملذات التي يحققها بثروته، ولا حبه لأية امرأة أخرى، لا تستطيع، كل هذه، أن تعوضه عن فقدانه لحبها. ولكن هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أفكارها وتبريراتها، وليس لـه شيء فيها. لو ذهبت إليه قائلة: “سلفيو.. يجب أن تختار بين حبي ونعمة البصر”، فلا يستبعد أن يجيبها: “ولماذا ترغبين في أن أظل أعمى؟”، إنها ترغب في ذلك لأن سعادتها لا يمكن أن تتحقق بهذا الشرط.
ونهضت فجأة كأنما كانت تستجيب لنداء عاجل. ألم تنته الزيارة؟ ترى ماذا يقول الطبيب؟ وماذا يفكر؟ واستبدت بها رغبة في أن تمشي على رؤوس أصابعها لكي تتجسس عليهما خلف الباب الذي أغلقته بيديها إلى الأبد.. ولكن، هل كانت قادرة على أن ترضى بلذعات الطبيب المسمومة التي واجهها بها في قسوة؟ لقد عرض عليها أن يؤجل الزيارة إلى ما بعد الزفاف.. ليتها قبلت.. وانكمشت على نفسها هاتفة.. لا.. لا.. وهي تعاني تقززاً واشمئزازاً.. ما أحقرها صفقة؟ إنها أحقر أنواع الخداع.. ونتيجتها؟ كراهية.. ولا مكان للحب.
وأحست بانفتاح الباب فارتجفت ولكنها هرعت إلى الممشى الذي سيمر منه الدكتور.
فقال لـها في برود:
ـ لقد فكرت كثيراً في صراحتك فازددت إصراراً على تحليلاتي.. سيزورني المركيز غداً في عيادتي.. اذهبي إليه فهو في انتظارك.. إلى اللقاء.
ورافقته إلى نهاية الممشى عند عتبة الباب وكان الفراغ يحيط بها، والشعور بالإعدام يملأ نفسها. ثم سمعت صوت سلفيو يناديها من الحجرة، فأصابها دوار، وكادت تسقط، ولكنها تجلدت، ووضعت يدها على وجهها، لكي تمسك الدمع، وتوجهت إليه.
كان جالساً ينتظرها بذراعين مفتوحتين، وضمها إليه ضمات، عنيفة قوية، هاتفاً بسعادته، وفرحته باستعادة بصره، الذي يمكنه من رؤية تلك المخلوقات العزيزة عليه.. زوجته الحلوة الجميلة.
ـ أتبكين؟ لماذا؟ إنني أبكي أنا أيضاً.. انظري.. يا لـها من سعادة.. سوف أراك.. أراك.. سوف أُبصر.

كانت كل كلمة بالنسبة إليها موتاً محققاً، وقد فطن هو رغم سعادته الغامرة، وفرحته العظيمة، إلى أن بكاءها يختلف عن بكائه، حتى كاد يصدق أقوال الطبيب، ولكنه لم يكن مستعداً لأن يؤمن بهذه الأقوال، في ذلك اليوم السعيد، وطرد عن نفسه تلك الفكرة، ولم يعد يفكر في شيء، سوى أن هذا اليوم عيد.. فلتطرد جميع المنغصات.. ولتذهب جميع الأفكار.. إلا فكرة واحدة هي أن سعادته ستكون كاملة لأنه سيرى زوجته. ستكون لـها مهلة أطول. سيكون لـها زمن أوفر لإعداد عش الزوجية الذي يجب أن يكون فاخراً وجميلاً. هذا العش الذي كان حلماً سوف يراه قبل كل شيء آخر. وقطع على نفسه عهداً في أن يخرج من العيادة معصوب العينين ولا يفتح العصابة أول ما يفتحها إلا على منظر هذا العش السعيد.
ـ كلميني.. حدثيني.. لا تدعيني أتكلم وحدي.
ـ هل أنت متعب؟
ـ لا لم أعرف التعب.. ولكن اسأليني مرة ثانية.. هل تشعر بالتعب؟ اسأليني بصوتك هذا العذب الناعم، دعيني أقبلك، هنا، على شفتيك.. مصدر صوتك العذب..
ـ حسناً.
ـ تحدثي وأخبريني كيف تعدين العش؟
ـ كيف؟
ـ أنا لم أسألك شيئاً من قبل، ومع ذلك فلست أريد أن أعرف شيئاً حتى الآن. افعلي ما تشائين.. سيكون كل ما تفعلينه مفاجأة مذهلة عجيبة.. ولكنني لن أرى شيئاً قبل أن أراك.
وخنقت في حزن نحيبها اليائس وكست وجهها مسحة من الانشراح والبهجة، وكانت تجلس على الأرض، وهو ينحني عليها ويعانقها.
وبدأت تحدثه عن حبها، بصوتها الذي سرت فيه عذوبة، ونعومة لم تسر فيه من قبل. وأخذته نشوة هذا الصوت فضمها إليه، مقسماً أنه لن يتركها أبداً. ولكنها في تلك اللحظة بالذات تحررت من ذراعيه، ونهضت في كبرياء واعتزاز كأنما انتصرت على نفسها في معركة. هاهي قد شدته إليها بوثاق لا يمكن أن ينفصم.. إنها تحبه.

وانتهى ذلك اليوم في ساعة متأخرة ظلت خلالها تسكر أعصابه، وتذهلها بصوتها العذب وهي على يقين أنه الآن خالص لـها في ظلامه الدامس الذي يلمع خلاله بريق من الأمل.. إنها جميلة جمال الصورة التي صنعها خياله.
وفي اليوم التالي رافقته في العربة إلى العيادة. وأخبرته أنها ستنصرف في خفة الحسون للعمل على إعداد لوازم الزفاف.
وانتظرت في قلق زائد يومين كاملين نتيجة العملية، وعندما علمت بنجاحها انتظرته قليلاً في ذلك البيت الفارغ الذي أعدته في شوق ولهفة.. وأرسلت تطلب إليه أن يتريث أياماً أخرى، فليس هناك ما يدعوه للاستعجال والقلق.. ولكن الطبيب لم يسمح لـه بالبقاء.
وفي اليوم السابق على خروجه من العيادة جمعت ملابسها، وسافرت إلى جهة مجهولة.. تريد أن تظل ذكرى صوت، سوف يلاحقه بعد أن خرج من ظلامه، ويبحث عنه عند كثير من الشفاه.. ولكن دون جدوى!

شاعر وقاص ومسرحى وباحث إيطالى

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

  1. I received a dark pair there isn’t anything enjoy these people! Might go together with all kinds of things. They could be compact, bright and thus delicate and comfortable in just. They did use great much like the extra beautiful modest brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU. I just went by these classification that says go in keeping with level together with the sizing 6 and it’s really just a bit of great. Lucky The oprah show generated they to pieces for the lady’s treasured circumstances demonstrate to.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…