لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

ظل الاعتقاد بانتحار «ڤان جوخ» راسخًا لعقود باعتباره الفصل الأخير من أسطورته دون منازع. وفي عام ٢٠١١ قدم «ستيڤن نيفي» و«جريجوري وايت سميث»، كاتبا السيرة الحائزان على جائزة البولتزر، سيناريو وجيهًا يضعهما وجهًا لوجه أمام مرمى النيران..

ماذا لو كان «ڤان جوخ» قد قُتل؟!

وحيدًا يمشي بخطوات وئيدة متثاقلة صوب حقل قمح ذهبي. يتأبط لوحة قماشية وحاملًا خشبيًا. يحمل صندوق طلائه ووجها متجهمًا ينضح بالأسى. ينصب حامله، ويشرع بالرسم في همة ونشاط متعجلًا نقل الطبيعة الماثلة أمامه، فعيدان القمح تتمايل كما لو أن عاصفة على وشك أن تهب. تهاجمه غربان متوحشة، فيدفعها بعيدًا عنه. وبَيْنَما تجلد الريح عيدان القمح بلا هوادة، تجتاح لوحته سحبًا ثقيلة تنذر بالويل وسربًا من الغربان ينوي شرا. يتلفت حوله في اضطراب، وتجحظ عيناه في جنون، ثم يركن إلى غصن شجرة عجفاء ويكتب في عجالة: “أنا يائس ولا يوجد أمل”. يكز أسنانه من الحسرة، ويمد يده إلى جيبه… تنتقل الكاميرا من الحقل المتراقص مع الريح إلى سائق عربة مار بالطريق ويستوقفه دوي طلقة نارية. تصدح الموسيقى. “النهاية” تمهر فسيفساء أشهر اللوحات بخاتمها، ويقرع الصنج معلنًا وصول الأحداث إلى ذروتها.

مقطع رائع يُسَطْرُ موت أكثر الرسامين شعبية في العالم، الرسام الهولندي «ڤينسينت ڤان جوخ».

في عام ١٩٣٤، كتب الروائي «إرڤنج ستون» روايته “شهوة الحياة”.وأخرجها للسينما في عام ١٩٥٦ المخرج العالمي «ڤينسينت مينيللي»، وقام بدور البطولة الممثل المحبوب«كيرك دوجلاس».رواية عظيمة، وعمل سنيمائي أعظم. لكن ثمة مشكلة واحدة،أن هذا كله محض هراء. صحيحٌ لاقى الفيلم قبولًا واسعًا ممن وقعوا في غرام بضع لوحات لا تنسى، وسحرتهم فكرة الرسام الذي جدع أذنه، غير أن الصورة التي صورها «ستون» عن انتحار «ڤان جوخ» ليس لها أي أساسات تاريخية، أو نفسية، أو جنائية تدعمها.

في ٢٠٠١ حين وطأت أقدامنا أرشيف «مؤسسة ڤان جوخ» للمرة الأولى بأمستردام، لم يجل بخاطرنا وجود مفأجاة ستمكننا بعد عقد تام من البحث من كتابة السيرة الحقيقية «لڤان جوخ» بالدقة والأمانة اللتان أملناهما منذ البداية. وكان رجاءنا الوحيد آنذاك: “إلهنا، نرجوك ألا يكون مثليًا.”

جلب علينا كتابنا “چاكسون بولاك: ملحمة أمريكية” حربًا شعواء؛ إذ ذكرنا في خاتمته أن الرسام أظهر ميولًا جنسية شاذة في مناسبات متفرقة. وكان الدليل دامغًا، فكيف لا ننوه عنه؟ فثارت ثائرة الثائرين، وشجب بعض النقاد ما أحصوه “اتهامًا” واصفين إياه بالفرية الشائنة. وعللواهجومهم بأننا أفشينا سر “الجانب الناعم” من شخصية «بولاك» لأننا مثليان، استغليناه بعد وفاته في محاولة منا لكسب ʼمعجبين جدد‘. لذا لم نرغب في خوض ذلك التحدي مجددًا عند كتابتنا لسيرة «ڤان جوخ» الذاتية. والمفاجأة المفسدة لنشوة الاحتجاج والتبرم: قطعًا، لم يكن «ڤان جوخ» مثليًا.

يقع الأرشيف بمنزل قديم مجاور لمتحف «ڤان جوخ». وينظر أمناؤه، كسائر الهولنديين،إلى «ڤان جوخ» نظرتهم إلى بطل قومي. ولذلك حذرنا بعض الأصدقاء قبل ذهابنا من استقبال لا تشوبه حرارة الترحيب. وأمام تحذير كهذا تلاشت هويتنا وجائزة البولتزر، خاصة ونحن لا نتحدث الهولندية لنقدم أنفسنا إليهم كما ينبغي. وعلى خلاف المتوقع استقبلنا «ڤيك بابست» و«مونيك هيجمان» استقبالًا حافلًا. ولم يمض وقت طويل حتى جاءا يحملان معهما أكوامًا هائلة من الملفات. يضعانها أمامنا ويبتسمان ابتسامة مشجعة قائلين: “لربما تجدان فيها شيئًا مهمًا.” مرت الأسابيع ونحن ننسخ ملفات لا تحصى ضم الكثير منها وثائق مكتوبة باللغة الهولندية حرصنا على ترجمتها لاحقًا. استغرقنا خمس سنوات كاملة نعمل بدأب لا يكل إلى أن دعتنا إدارة المتحف في زيارة استثنائية ونادرة إلى غور المتحف.. إلى “الخزنة”.

رافقنا رئيس أمناء المتحف «إيزغار ڤان هوڤتن» إلى غرفة واسعة بلا نوافذ، جدرانها إسمنتية وذات ضوء شحيح. تصطف عند جوانبها صناديق معدنية عالية التقنية يستخدمها المتحف في نقل مقتنياته إلى المعارض التي تقام حول العالم. فتح «ڤان هوڤتن» باب الخزنة وسحب منها صندوق سولاندر. فتحه وإذ به يعج بباكورة رسومات «ڤان جوخ» والنسخ الأصلية من رسائله. وبالغرفة، وُضِعت الزهرية النحاسية التي ازدانت بها لوحاته عن الطبيعة الصامتة فوق خزانة للملفات. وفيها، وقف جذع ڤينوس العاري الذي صوره بالعديد من رسوماته ولوحاته.وفجأة، أدركنا بأننا لسنا محاطين بثمرات خياله الفذ وحسب، بل بأغراضه الشخصية أيضًا. وشعرنا بهالة قدسية تظلله وكأنه نبي أو قديس، مهد النبش في تاريخه إلى حلحلة ركن ركين من أركان الإيمان به: حقيقة انتحار«ڤان جوخ».

في الواقع، لم يكتب «ڤان جوخ» كلمة واحدة عن أيامه الأخيرة، ولاكتب رسالة انتحار كما صور الفيلم. وذلك غريب على رجل وصل في كتابته للرسائل حدود الإسراف. أما رسالة الانتحار المزعومة والتي وجدوها معه عقب وفاته، فليست إلا مسودة من رسالته الأخيرة لأخيه «ثيو»أرسلها إليه في ٢٧ يوليو ١٨٩٠؛ أي يوم وقوع الحادث. فسر البعض محتوى ولغة الرسالة بأنه بدا فيها متفائلًا بالمستقبل، وبتعبير أدق مقبلًا على الحياة.فقبل إصابته بأيام قليلة، أرسل «ڤان جوخ»في طلب كمية كبيرة من الطلاء لم يتسن له استلامها لأنه كان على موعد مع عذاب دام ٢٩ ساعة بعد أن أخطأت رصاصة هوجاء أعضاءه الحيوية وشاءت أن تستقر في بطنه؟!

من صَدَّر رواية الانتحار إذن؟!

«إميل برنارد»، صديق «ڤان جوخ»،وأول من روج لشائعة إقدام «ڤينسنت»على الانتحار. وهو مؤلف أول نص كُتب عن “الاستشهاد في سبيل الفن” بخطاب بعث به إلى ناقد كان يتملقه لينال الحظوة عنده. وقد سبق وحاك «برنارد» أول أكاذيبه قبل رحيل«ڤان جوخ» بعامين عندما قام الأخير بقطع شحمة أذنه.فتشبعت عاطفته بخديعته، وهرع إليه، وقال له متأثرًا: “صديقي العزيز، عزيزي ڤينسنت مجنون.. أكاد أجن مذ عرفت بذلك.” يُذكر أن «برنارد» لم يكن في «أوڤر» وقت وقوع الحادث، لكنه حضر الجنازة.

كل الروايات التي تلت الحادث أجمعت على قول واحد: ” لقد جرح ڤان جوخ نفسه.” ففي «أوڤر»، لاذ القرويون بصمت عتيد شاركهم فيه رسامو باريس الذين قضى بينهم«ڤان جوخ» شهوره الأخيرة. وتدفعنا بضع قرائن للارتياب في مصداقية رواية الانتحار؛ منها عدم رؤية أحد من سكان «أوڤر» أو زائريها «لڤينسنت» أثناء نزهته المميتة رغم ازدحام الشوارع بالناس في فصل الصيف. ولم يعرف أحد من أين حصل «ڤان جوخ» على المسدس الذي اختفى بلا أثر مع أدواته التي كانت معه حينها. حتى الطبيبان اللذان عاينا جرحه- طبيب ولادة و«بول غاشيه» المختص في الطب البديل- لم يستطيعا إعطاء تفسير معقول عنه. لكننا سنسلم جدلًا بأن «ڤان جوخ»انتحر، فأي شخص مهما بلغ اضطرابه يقتل نفسه بإطلاق الرصاص في بطنه دون قلبه أو رأسه كما هو شائع؟ والأدهى، أنه لا يروم خلاصه بطلقة ثانية، بل يقطع كيلومتر ونصف عائدًا إلى غرفته بأقدام مترنحة وبطن يكاد يتمزق من ألم الطلقة.

ليس بدعًا أن يغدو موت «ڤان جوخ» مرتعًا خصبًا تنمو فيه الأقاويل والروايات والشائعات. ومعظم الروايات التي انتشرت عن تفاصيل انتحاره قامت جميعها على شهادة «أدلين راڤو»، إبنة مالك النزل الذي ثوى ومات فيه «ڤينسينت». كانت «أدلين» في الثالثة عشر من عمرها حينئذ، وجل أقاويلها التي أماطت عنها اللثام في ١٩٥٣نقلتها عن والدها الذي أخبرها بها قبل خمسين عامًا مضت.

لو أمكننا الركون إلى روايات متأخرة عن حادث حققت فيه الشرطة المحلية تحقيقًا موجزًا ولم تصلنا عنه أي تقارير.. وغالبًا لا يمكن. فمن بين الروايات التي اتخذت من شهادة «أدلين» مطية لها أن الشرطي الذي استجوب «ڤينسينت» وهو على فراش الموت استنطقه بسؤال تنفتح إجابته على مجهول حين سأله:” هل تعمدت قتل نفسك؟” ليجيبه «ڤينسينت»:”أعتقد ذلك.”انتهجت قصة «أدلين»مسارًا أعوج، واعتراها تبدل تصاعدت وتيرته الدرامية مع تكرار سردها لها. وفي العام نفسه ظهرعلى الساحة شاهد جديد، «بول غاشيه الأصغر». كان «بول» في السابعة عشر لما وقع الحادث، وقد نذر قسطًا عظيمًا من حياته وهو يزايد على صلابة الآصرة التي جمعته وأبوه بالرسام ويضخم فيها. ولا غرو أن ارتفعت قيمة اللوحات التي اختلساها سويًا من مرسم «ڤان جوخ» ودمه لم يزل ساخنًا. أما بدعة قتل«ڤان جوخ» لنفسه داخل حقل القمح عند ضواحي «أوڤر» فكانت من إختلاقه. رفض«ڤينسينت» إبن «ثيو» ومؤسس متحف ڤان جوخ مزاعم «بول» جملة وتفصيلًا، ووصفها بأنها ادعاءات لا يعتد بها.

وبحلول الوقت الذي أعيد فيه بعث خرافة انتحار «ڤان جوخ» للحياة، كان «إرڤنج ستون» قد سبق وزرع سيناريو الانتحار الذي ابتكره «إميل برنارد» بين دفاف السيرة الذاتية «لڤان جوخ» عبر روايته المستوحاه من خياله الأدبي. وفي نهاية المطاف، ظفرت الخرافة بمستقرها الآمن في الأذهان.

لعب التوقيت الذي مات فيه «ڤان جوخ» دورًا حاسمًا في نجاة خرافة انتحاره رغم ضعف الأدلة التي تؤيدها. فقبل رحيله ببضعة أشهر كاد الحظ يبتسم له؛ إذ نشرت إحدى المجلات الفنية الرائدة في باريس مقالًا أشادت فيه بأعماله وبعبقريته الفنية الناشئة. لكن لا حيلة بعد أن غادر ذاك المارد قمقمه! ذاع صيت «ڤان جوخ»، وسرت شهرته سريان النار في الهشيم، تبقيها قصة استشهاده مضطرمة. واستكمل “شهوة الحياة” المسيرة. نال الفيلم استحسان جارف، وترشح لأربع جوائز أوسكار ذهبت إحداها للفنان «أنتوني كوين» عن دوره«لبول غوغان»، الصديق الرزين، الذي عاضد«ڤان جوخ» ونبذ حقيقة جنونه.

وأخيرًا، تجرأنا على مصارحة أصدقائنا في المتحف بشكوكنا حيال قصة الانتحار. ودُهِشْنا حين أبدوا اهتمامهم بها، لكنهم لم يحيدوا عن تحفظهم قيد أنملة. وأيدنا أحد كبار الباحثين تأييدًا بريئًا من المداهنة والمجاملة، وقال لنا:”إن دعواكما لتستند إلى حجج متينة على عكس رواية الانتحار التي تنطوي على الكثير من الألغاز.” ونما إلى مسامعنا وجود باحث آخر راودته شكوك مماثلة كشفها لأحد كبار المسئولين بالمتحف في ٢٠٠٦، والذي نصحه بأن يصرف النظر عنها لأنها مسألة شائكة وخلافية.

لو لم ينتحر «ڤان جوخ»، فمن قتله؟

«رينيه سكريتان»، فتى في السادسة عشر من عمره، إبن لصيدلاني، يعيش في باريس، ويقضي صيفه «بأوڤر». وفي باريس، هيأ التعليم«لرينيه» السبيل للذوبان داخل نسيج المجتمع البرجوازي. أما في «أوڤر» فأعطاه الحق ليطلق شيطانه على بسطاء الناس دون وازع أو رادع. أثرت أفلام الغرب الأمريكي المتوحش على شخصية«رينيه» تأثيرًا عظيمًا. وكان يحاكي في سلوكه بطلها الشهير آنذاك«وايلد بيل كوري». وقد دفعه تأثره بنوعية تلك الأفلام إلى شراء الزي التقليدي لراعي البقر كتذكار استكمله بمسدس قديم وصغير، يسدد ولا يصيب.

وفي حين تحصن«رينيه» خلف اسم أبيه ذو الصولة وسط المجتمع القروي، كان«ڤينسينت» وحيدًا بلا أصدقاء. وعندما وصل«رينيه» إلى«أوڤر» لقضاء إجازته كالمعتاد، كان«ڤان جوخ» مستهدفًا بالشائعات، ولغرابة أطواره بات محلًا لتهكم أبناء البلدة. غريب هولندي يتسكع في أنحاء القرية بأذنه المبتورة، يحمل معه حمولة خرقاء يحطها مع هيكله فوق أي أرض يشاء كي يرسم. غريب هولندي يعاقر الخمر، سريع الغضب، تتعثر مفرداته في أبجدية هجينة وغير مفهومة تخلط الهولندية بالفرنسية. وجد«سكريتيان» في الهولندي الغريب المدعو«ڤينسينت» صيدًا سهل المنال.واستطاع في دهاء خبيث أن يدس نفسه بين أخيه«غاستون» المحب للرسم و«ڤينسينت». وبأحد المقاهي، شاركهما العديد من النقاشات التي دارت بينهما حول الفن. بدأ«رينيه» يتودد«لڤينسينت»؛ فدعاه للشراب في أحد اللقاءات مع أخيه، ولم يمانع صحبته عندما أحضر مع أصدقائه فتيات ليل من باريس إلى«أوڤر»، ووقف له ليرسمه في عدة أوضاع مختلفة. لكن في طوايا نفسه، لم يكن الهولندي الغريب الذي أسماه “توتو” سوى أضحوكة ينصب لها الفخاخ بالتواطؤ مع بضعة صبية فاسدين يجتمعون كل صيف في«أوڤر». كان «رينيه» ورفاقه يرقبون في حماسٍ متوثب لحظة لعقه لفرشاة ألوانه المغموسة في الفلفل الحار، ولحظة إزدرائه لشايه المملح، ولحظة فزعه من الثعبان الذي أخفوه في صندوق طلائه.

تطابقت الوقائع التي حكاها«رينيه سكريتان» قبل وفاته بسنوات مع روايات شهود العيان في«أوڤر». والحقيقة، أنه لم يأت بجديد لأن «ڤان جوخ» تعرض لشتى أنواع المضايقات بكل بقعة صماء إليها التجأ. لكن الجديد فجرته سيدة ذات نسب عريق في«أوڤر» لم يلق أحد لشهادتها بالًا. قالت السيدة بعد خرقها لقانون الصمت المتفق عليه بين أهالي«أوڤر» بأن«ڤان جوخ» كان بعيدًا عن حقل القمح وقت إصابته بالطلق الناري. وحسب أقوالها، أنه أصيب وهو على الطريق المؤدية لمنزل«سكريتان» الصيفي.

أنهى«رينيه سكريتان» تعليمه، وعمل كمصرفي، وختم مسيرته المهنية كأي فرنسي شريف ونزيه. ولم تمر على “راعي البقر الفرنسي” مناسبة إلا وتفاخر فيها ببراعته في القنص والرماية. وبعد عرض الفيلم، أثارأداء «دوجلاس» لشخصية “توتو” حفيظته وقض مضجعه؛ إذ صوره كبطل لا نظير له في هندامه وأفعاله. فقرر«رينيه» اغتنام فرصته الأخيرة، وأخذ على عاتقه تصحيح تلك الصورة “المبتذلة” على حد وصفه. إن قضية كقضية «ڤان جوخ» والتي يعوزها الدليل لإثبات أي شيء كان كفيلًا لأن ينكر«رينيه» أي صلة له بواقعة إطلاق النار سوى أنه أعطى «لڤان جوخ» سلاحًا قال عنه مازحًا “لقد كان يعمل وقتما يريد، وأنها مشيئة الله هي التي جعلته ينطلق يوم استعمله ڤان جوخ لقتل نفسه.” وأكد «رينيه» على مغادرته «لأوڤر» قبل وقوع الحادث دونما سبب يفسر قطعه لإجازته على نحو متعجل وغير مألوف.

في ثلاثينيات القرن العشرين، سافر «چون ريولد»، أحد أبرز مؤرخي الفنون في العالم، إلى «أوڤر». وهناك، التقى «ريولد» بعدد من المحليين الذين عاصروا وفاة «ڤان جوخ» ولم تزل حادثة موته عالقة في ذاكرتهم. وفي وقت لاحق، ذكر «ريولد»بأنه سمع في «أوڤر» شائعة قالت بأن “بضعة فتية” قتلوا «ڤان جوخ» عن طريق الخطأ، وأنهم لم يعترفوا بجريمتهم خشية إتهامهم بالقتل،وأن «ڤينسينت» اختار حمايتهم كفضيلة أخيرة تضاف إلى استشهاده.

 

وكإجراء إحترازي ذيلنا كتابنا بنظريتنا التي ترجح القتل وتستبعد الانتحار. ووضعناها في صورة أقرب إلى الملخص القانوني تحت وسم “علل ظرفية عارضة”.وسقنا من الحجج ما يبين كيف وأنها تتفق مع حفنة من المعلومات المؤكدة، وشهادات لمصادر معتبرة ولها وزنها أكثر مما تتفق مع نظرية الانتحار السائدة. واكتفينا بهذا الإجراء على سبيل الاحتراس ظنًا منا بأنه سيكفل لنا السلامة. جذب الكتاب اهتمام الصحافة، وحظي بتقييمات رفعته إلى سماء أفضل كتب السيرة التي تناولت حياة «ڤان جوخ». ولأمد قصير، تربع على قائمة النيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعًا. ووقعنا عقودًا لطباعة عشرات النسخ في بضع لغات أجنبية. مجمل القول، حمل أصحاب العقول الراجحة كتابنا على محمل الجد.

وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن. فضيق أفق بعض المحررين، وتقيدهم بموعد محدد للنشر جعلهم يتخطون تسعمائة صفحة من الكتاب، ويطفرون رأسًا إلى التذييل. وخرجت العناوين الرئيسية للصحف وخاصة البريطانية تتسابق في وصلة صياح صاخبة، تستنكر فيها الملحق استنكارًا فاضحًا: ((ڤان جوخ قُتل!))- ((مراهقون يقتلون ڤان جوخ)).

كره محبو «ڤان جوخ» ترك الخرافة تموت. وهرولوا إلى مختلف المواقع الإلكترونية يسجلون تظلمهم وشكايتهم. فأنكر أحدهم أعوامًا من البحث، وكتب: “ليس هذا ڤينسيت الذي أحببته.. ليس هذا ڤينسينت الذي عرفته من لوحته (ليل ترصعه النجوم)”

أما الدارسون، ومؤرخو الفنون، وأمناء المتاحف، والباحثون المهتمون «بڤان جوخ»، فلم يكونوا أكثر رضى وأقل حنقا. فأبحاثهم التي سلخت من أعمارهم سنينًا طُبِعت وهي تضرب على نغمة قديمة أبانت نظريتنا عن نشازها. وهؤلاء هم “نافخو الكير”. وفي لندن التقينا بواحد منهم، له مُؤَلَّف يؤرخ لسنين «ڤان جوخ» الثلاث في إنجلترا. وبمقهي كولريدچ حيث جلسنا، قال لنا وهو يقلب مشروبه في عُجْبٍ وخيلاء: “لقد جانبكما الصواب.” وجمعتنا بآخر ندوة أعقبت افتتاح معرض «ڤان جوخ»«بدنڤر»، وقد بلغت به نقمته إلى حد رفضه مناقشة الموضوع رفضًا متعنتًا حين طرحه أحد الحاضرين.

وفي غمار ذلك، تمسكت إدارة المتحف بموقفها المحايد. ونشر المتحف على موقعه الرسمي استدراكًا مهذبًا يليق بمكانته الأدبية الرفيعة. نشر المتحف الآتي:

“بالنظر إلى جميع الأراء بعين الاعتبار، سيكون من السابق لأوانه استبعاد الانتحار كسببًا لوفاة الرسام العالمي ڤينسينت ڤان جوخ.”

وبعد عامين على نشر الكتاب، شن علينا “نافخو الكير”غارة جديدة. في ٢٠١٣ نشر باحثان تابعان للمتحف مقالًا ناقدًا بدورية بريطانية للفنون دافعا فيها عن نظرية الانتحار دفاعًا مستميتًا. واستندا في دفاعهما إلى قراءة جديدة كليًا لدليل جنائي هزيل. أما المصدر الذي استقا منه مادتهما فكان كتيبًا لمؤرخ من «أوڤر»، نشره على نفقته الخاصة بعد أشهر على انتقال عدوى الصياح والاستنكار إلى وسائل الإعلام الفرنسية. وفي كتيبه، زعم المؤرخ عثوره على السلاح الذي انتحر به «ڤينسينت» بعد اختفائه لمائة عام ويزيد. والأغرب، تجاهله لوصف عيني لإصابة «ڤان جوخ» أعلنه طبيبه المعالج «بول غاشيه» في لقاء أجري معه حول الموضوع بعشرينيات القرن الماضي، وتبنيه لشهادة مطعون في صحتها «لبول غاشيه الأصغر»أعلنها في أواخر الخمسينيات، علمًا بأن«بول» لم ير الجرح مطلقًا.

ووفقا لما ورد في الكتيب الذي ارتكز عليه المقال، ذكر «بول»أن جرح «ڤينسينت»أحاطته حلقتان: الأولى أرجوانية اللون والثانية بنية. واستنتج الباحثان أن الحلقة الأرجوانية تدل على قصر المسافة بين نقطة انطلاق القذيفة والهدف، وأنها تكونت جراء اصطدامها العنيف بالجسم. بينما كان احتراق الجلد من نثار البارود سببًا في تكون الحلقة البنية، وبها استدلا على دنو فوهة المسدس من الصدر.ومادام البارود خلف أثرًا، فهذا يعني أن منطقة الصدر كانت مكشوفة.وافترضا بأن «ڤان جوخ» تجاسر على تعرية نفسه، ثم تساءلا ساخرين: “أم طلب إليه شخص أخر رفع قميصه ليقتله؟!”

ولم نجد من بد سوى طرق أبواب الأطباء والعلماء الجنائيين ليفتونا في أمرنا. وتواصلنا بالفعل مع الدكتور «ڤينسينت ديمايو»، له باع طويل في العلوم الجنائية، ويشار إليه بالبنان في مجال تخصصه. وبناءً على طلبنا، وافق «ديمايو» على مقارنة الأدلة الجنائية كما عرضناها في التذييل بتلك الواردة في المقال. ورد علينا بتقريرمفصل فند فيه مواطن اختلافه مع ما ذكره الباحثان، وكتب:

“إن وجود الحلقة الأرجوانية وعدمه سواء، ولا صلة لها بتحديد المسافة بين نقطة الانطلاق والهدف. إنما هي رضة نراها عادة في مصابين الطلقات النارية الذين لم يلاقوا حتفهم على الفور.أما الحلقة البنية فهي علامة على فتحة دخول الرصاصة إلى الجسم، وأن ما يعرف”بالطوق السحجي” هو ظاهرة طبيعية تُلاحظ بوضوح عند مداخل جروح الأسلحة النارية.”

فإذا قبلنا بصحة الفرضية القائلة بأن «ڤان جوخ»عرى الجانب الأيسر من جذعه لقتل نفسه، فدعونا نتخيل الصورة كما شرحها «ديمايو»:

“عسيرٌ أن يطلق المرء الرصاص على نفسه في ذلك الموضع من جسمه بيده اليسرى. ولفعل ذلك بسهولة يتعين عليه وضع إبهامه على الزناد، ولف أصابعه حول المقبض. ويمكنه تثبيت المسدس بيمناه. أما إمكانية إطلاق الرصاص باليد اليمنى فإنه لا يقل عبثية عن إطلاقه باليسرى. وفي هذه الحالة سيحوط الشخص صدره بذراعه الأيمن، ممسكًا المقبض بالأصابع، واضعًا إبهامه على الزناد، ويمكنه تثبيته بيده اليسرى.”و«ڤان جوخ» كان أيمن.

ويعطي الدكتور «ديمايو» لحروق البارود دورًا أكثر أهمية، معيدًا رسم المشهد في صورة أقل درامية. ذكر «ديمايو» أنه في العام ١٨٩٠ كانت خراطيش الأسلحة اليدوية تُعبأ بالبارود الأسود، وأن البارود غير الداخن لم يكن متاحًا إلا للاستخدام العسكري وفي عدد محدود من البنادق. وأضاف:

 “إن البارود الأسود قذر للغاية، وعند احتراقه فإنه يخلف ٥٦٪؜ من كتلته على هيئة رواسب صلبة. وسواء استعمل مطلق الرصاص يمناه أو يسراه، فحتمًا سيترك البارود فوضاه القذرة فوق الكف.”

فإذا ضربنا بالحقائق التي أقرتها زاوية الإصابة ومكانها عرض الحائط، وقلنا بأن «ڤان جوخ» رفع قميصه وانتحر، فلا بد وأن فوهة المسدس كانت قريبة منه، أو كما رجح «ديمايو» بأنها كانت في تماس مع الجسم. وفي هذه الحالة سيخلف السخام، وصباغ البارود، والجلد المحترق رواسبهم عند مدخل الرصاصة. ورغم هذا الدليل البائن، لم يرد أي ذكر على وجود”رواسب” في التقارير الجنائية، ولم يثبتها عشرات الأشخاص الذين رأوا «ڤان جوخ» منذ إصابته وحتى وفاته. ويستتبع هذا احتمال وحيد:أن فوهة المسدس كانت بعيدة عنه من ٣٠ إلى ٧٠ سنتيمتر تقريبًا، والمرجح أنها ٧٠ سنتيمتر. ويختم« ديمايو» تقريره قائلًا:

 “بالنظر إلى كل الاحتمالات العلمية، وفي رأيي الشخصي، إن إصابة «ڤان جوخ» لم تحدث بفعل ذاتي؛ أي لم يقتل ڤان جوخ نفسه.”

ويلح علينا السؤال الذي سبق وسألناه:

لو لم ينتحر «ڤان جوخ» فمن قتله؟

فمن جهة لدينا شاب في السادسة عشر، متغطرس، له مع الرسام الهولندي الغريب تاريخ عامر بوقائع تنمره به، اتخذ من سلاح قاتل لعبته، واستعمرت رأسه رؤى عن حياة رعاة البقر بما يسودها من كر وفر ودماء. ولدينا شهادة مهملة لامرأة رأت «ڤان جوخ» يوم الحادث وهو على الطريق المؤدية إلى منزل «سكريتان». زد عليهما رواية المؤرخ «چون ريولد»عن شائعة «أوڤر» التي نفت انتحار «ڤان جوخ»، واتهمت بضعة مراهقون بقتله. لكن استشراء فيلم “شهوة الحياة” كالوباء طمس معه كل تلك الحقائق في غمضة عين.

وعلى الجهة المقابلة لدينا شهادة ملفقة «لإميل برنارد»، الصديق الحقود، النرجسي، الذي مات مؤمنًا بأن «ڤان جوخ» سرق منه الأضواء. ولدينا إدعاءات «بول غاشيه الأصغر» الذي أثرى نفسه من شهرة «ڤان جوخ» عبر ترديده لمزاعم أوحت بحميمية علاقته به، وعبر تبرعه لمتحف اللوڤر ببضع لوحات له. ولدينا خيالات «أدلين راڤو»المشوشة، والتي في طفولتها جلست وجلة إلى رجل غريب ليرسمها، وعقب نصف قرن وجدت نفسها شريكة هوليوود في صناعتها لتخليد خرافة انتحاره.

لسنين خلت، وعندما بدأت تلك الحقائق تتجلى لنا من خلال البحث، تنبأ أحد أمناء المتحف بالمصير الذي ستؤول إليه مثل هذه الهرطقة ضد إنجيل «ڤان جوخ». وفي بريد إلكتروني قال:

أعتقد أن حماية أولئك الفتية كان أمراً متوقعًا على رجل كڤينسينت، وأنه ربما حمل موته على أيديهم كخلاص غير منتظر من وزر العَيْش. وأعتقد كذلك أن العائق الوحيد الذي قد يعترض سبيلكما عقب الإعلان عن نظريتكما هو أن فكرة الانتحار ترسخت في عقول الأجيال الماضية والحاضرة كحقيقة بديهية لا تتزعزع. إن انتحار«ڤان جوخ»أضحى بمثابة الخاتمة الكبرى لقصة شهيد الفن، تاج الشوك الذي كلل به جميع آلامه.”

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

’بونج چون هوʽ يضرب أحلام الطفيلي في مقتل

الكاتب: أليكس يونج ترجمة: إنجي علي للنهايات أحوال ومرام. ونهايات أفلام المخرج الكوري ̵…