ىلاء

آلاء جمال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

يساورني بعض القلق عما سمعته اليوم أمام دكان ( عم ابراهيم ) ، يكاد يشق عقلي نصفين ، لم أدري ما الذي حدث لي عندما سمعت الخبر ، فقط وجدت نفسي هنا

– أخبرني ( الجيلي ) عما حدث لك ، أخبرني أنك سقطت بلا مقدمات عندما كانو يتحدثون عن المنزل المجاور لمحل ( بيليا الحبشي )

– نعم سامي ، ربما هبط السكر لدي ، لم أتناول شيئاً منذ الأمس ، كنت منشغل بإعداد ميزانية المركز السنوية

– ( عبد الله ) لاتعجبني اليوم ، إذا كنت تعاني من شئ أو مازلت تشعر برهق لنذهب الى المستشفى ونطمئن

– -لاشئ ، اليوم عملت كثيرا ، فالورق في الطاولة كان لايحصى ، لهذا فقد السيطرة على نفسي  ، لم أدر ما الذي حدث لي عندما سمعت الخبر ، فقط وجدت نفسي هنا

اعتدل ( عبد الله ) في جلسته كأنه ينوي المكوث طويلاً ، لايريد الإستلقاء ، يفكر فقط في ما قاله الجماعة بعد صلاة المغرب اليوم عن المنزل المجاور ( للمكوجي بيليا الحبشي) ، أذن الفجر وهو مازال مقعدا في تلك البقعة من ( الحوش) لم يبارح مكانه منذ أن تحدث مع أخيه ( سامي ) بالأمس

– عبدالله ، هل جننت ، لماذا تجلس هنا حتى الآن ،

– مر الوقت ولم أشعر به ، هيا لنصلي الفجر

بعد الصلاة بدا كأنه لايريد الخروج من المسجد يبدو أنه يشعر بالإطمئنان هنا ، بالفعل كادت الشمس تقف عمودية على الأرض ومازال هنالك سارحا متأملاً وبدأ يتذكر تلك الليلة الفاحشة الغرابة والجمال …

( اليوم  7 ديسمبر والبرد يتمادى في هتك قدرة البشر على التحمل ، كنت عائداً من المركز الصحي في السابعة مساءا ، التقيتها بعينين نحاسيتين وبشرة برونزية ، تسير على مضض من ثقل ماتحمله من أكياس ، يتلبسها وهن طفيف ، لكنها إبتسمت لي عندما حييتها وطلبت منها حمل الأشياء الى منزلها ، رفضت في بادئ الأمر لكني توشحت الإصرار وحملت حاجياتها وأعطيتها معطفي الأسود العتيق الذي لم أغيره منذ ثلاث سنوات ، كانت تسير وكنت أسير معها أو خلفها قليلا فقط لأتبعها لمنزلهم ، في الطريق لم نتحدث في بادئ الأمر ، كان الإرتباك سيد الموقف ، لكني كسرت حدة ذلك السكون وبصراحة لن أنكر إعجابي بها ، فكانت كالبدر يسطع في الليلة الظلماء ويتوسط صدر الفضاء

– ما إسمك ؟

ترددت قليلاً ونظرت الي كالغاضب من هذا التطفل ، تلعثمت حتى أنني قررت الإعتذار

– أنا..

قاطعتني بحدة

– إسمي صابرين ..

وساد الصمت بيننا حتى أنني لم أعرفها بإسمي ، ربما شدني إسمها بقوة ، عينيها شئ من قدير ، كل شئ فيها يدعو للثمالة والجنون خاصة عندما عرفت إسمها .

  وقفنا أمام منزلهم وأعطيتها جميع الأشياء وسلمت علي لكن لم تمد يدها أبدا ولم تصافحني ، فكرت أنها متحفظة جدا ، شكرتني بصوت غائب وبعيد ، ودعتها ، وأنا أمني نفسي بقدر يصاحب رغبتي يجثو مرة واحدة تحت أمنياتي ويعيد هذه الكرة ، حلمت بها تلك الليلة ، فكرت في كل شئ ، حاز اسمها على أكبر وقت في التفكير ، (صابرين ) رددته كثيراً صابرين ، صابرين ، شفتاي الآن تتذوق الشهد وتمضغ الحب حين ذكر إسمها .

في اليوم التالي تعمدت الخروج باكراً لرصد تحركاتها ومعرفة أوقات خروجها ودخولها ، فعلاً السابعة و7 دقائق خرجت من منزلهم وأفتعلت عدم رؤيتها لتناديني أو تحييني لكنها خيبت انتظاري ولم تفعل ، ولم أفعل أنا ، لا أدري لماذا لكنني كنت أتعرق والجو بارد ، بارد جداً

لكني عزمت على التحدث إليها عند العودة ، في ذلك اليوم كنت أعتمد إلى الروتين في إجراءات حسابات المركز ، لم أكن بكامل عقلي ، حتى أنني لا أذكر أكنت حقا في المركز أم خارجه ، ظنوني تقول أنني كنت في اللامكان ، عدت باكراً كي أنتظرها عند دكان (عم إبراهيم ) لأنه العمود الفقري للحي ، به كل الأخبار وكل شئ ، وأنا كنت جديد هنالك ، إنتقلنا أنا وأخي بعد وفاة والدي بثلاثة أشهر بعد بيع البيت خاصتنا ودفع الديون التي تراكمت جراء مرض أبي المزمن الذي طال ، رحمك الله يا أبي ، لو تعلم ماحل بي ، في ذلك اليوم جاءت في نفس الوقت لكنها كانت بسحنة مختلفة قليلاً ، لا أدري مالشئ الذي كان مختلفاً لكن الإختلاف يبدو جلياً ، ركضت نحوها :

– صابرين ، سلام ، كيف حالك ، أنا ..

– أذكرك

– اسمي

قاطعتني بنفس الصرامة السابقة

– لاتقل اسمك

– حاضر

– ماذا تريد ؟

لم أكن أدرك ماذا أقول فأنا لا أدري ماذا أريد بالتحديد

– أريدك

– ماذا ؟ أجننت ؟

– لا ، لكني لم أنم البارحة بسببك ، كأنك جنية تلبستني

أحسست بأنها تضايقت ، لكنها أخذت نفساً وأغمضت عينيها وقالت بعد برهة :

–  لاتجرب فعل أي شئ كي تتقرب إلي ، أقول هذا من أجلك

– ماذا تقصدين ؟

– لايهم ، المهم فقط إبتعد

– لم أتعود أن استسلم بهذه السرعة ، سأعلن عليك الحب وأعلن الحرب على الظروف

اذكر أنها ذهبت فقط كنت أتمنى أن تسلم علي ، تمنحني شرف أن ألمس شئ منها لعدة ثوان فقط ، عدت للمنزل لكنني إنتظرتها حتى دخلت ، نظر الي عم إبراهيم نظرة لم أدرك معناها ، لكن أظنني فهمتها الآن .

في اليوم التالي استيقظت بعد أن نمت بلا وعي غير أنني كنت أردد ( صابرين ) في كل رأس ثانية ، فقد قررت أن أسمها سيكون ملاذي بعد اليوم …

مرت الأيام ، باتت أكثر مرونة معي أصبحت تبتسم عندما تراني ، تواعدنا خارج الحي ، إعتدت مناداتها صابرين القمر ، لكنها لم تكن ترضى بأن تصافحني ، استهجنت رفضها ، ثرت كثيراً ، لكنها كانت تقول أشياء غريبة ، أخاف إن لمستنى تحترق أو أختفي للأبد وترفقها بضحكة مربكة ، أعرف أنها كانت تمزح

– صابرين ، تشبيهين القمر

– أعلم

– صابرين أحبك

– أعرف

– صابرين تزوجيني

تصمت وتغيب عني وتعود بعد سبع دقائق لتقول لي :

– أنا جسد بلا روح

– لماذا لاتريدين معرفة إسمي

– لأنني أعرفه

مرت سبعة أشهر ونحن على ذلك الحال ، قررت أن أباغتها وأسلم عليها غصباً عنها ، وجدتها تنتظرني كما كل يوم وقت الغروب ، لمست يدها بدون أن تعلم نيتي مسبقاً ، لم تعقب أطرقت رأسها أرضاً وصمتت ، تجرأت وقمت بإحتضانها ، لكنها كانت ساكنة كلوح الخشب ، لم نبق كثيراً ذلك اليوم ولم نتحدث ، كنت أشعر أنني ملكت الحياة وأرتويت منها ، كانت ساكنة وعند وصولنا ، إلتفتت الي وقالت

– لماذا فعلت ذلك

– لأنني أحبك

– وداعا ، في حياتك السابعة سنلتقي

– ماقصدك

ذهبت ، انتظرتها صباحاً ، لم تأت ، وعند المساء ، انتظرتها قرب ( دكان عم ابراهيم ) وعندما لم تأت أيضا جلست معهم ، بدأوا في التجمع كعادتهم هنالك ، سليمان النجار ، وعم ابراهيم ، و الجيلي الموظف في وزارة المالية ، بدأوا عن الحديث عن بيت صابرين ..

– إنت يا سليمان باقي لي بيت ناس حاج عطا دا حيفضل مقفول كدا طول العمر

إستغربت جدا سألته ؟

– كيف ياعمي ؟

– إنت ماجديد لسه ماعارف شئ ، البيت دا قبل سبعة سنوات كانو ساكنين فيهو ناس ، بتهم صغيره والله جاء حرامي لمن صرخو البت قامت تبكي أمها من الخلعة وقعتها وماتت ، كان إسمها منو يا الجيلي

– إتخيلي صابرين وماتت عمرها سبعة  شهور ، ومن الوقت داك رحلو وتاني ماسكنو زول ، غير استاذ كدا وجاتو حالة نفسية قالو مسكون ، بيليا الحبشي زاتو قفل دكانه وسافر الحبشة .

لم أدر بنفسي إلا عندما وجدت نفسي داخل المنزل ليلاً ، فهمتها الآن ، أحببت جنية ، لماذا أنا ، أنا خائف جداً ، جداً

وبعد لحظات قليلة من غيبته الطويلة في المسجد تلك ، سمع صوت صراخ ، قام من مكانه مهرولاً ، نعم انه بيتهم ، تأكله النار ، رأى ( سامي ) في حالة هلع ، ينقل الماء ، ومعه كل رجال الحي ، وقف كالأهطل مكانه رأى صابرين في وسط الحشد ، قالت له ألم اقل لك أنك لو لمستني لأختفيت أنا وأحترقت أنت ، أحمد الله أنك كنت في المسجد ، أراك في السماء السابعة

إختفت قبل أن يسألها :

 لماذا أنا بالذات ؟

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

نهاية

 اللون الازرق يجثو قرب السماء ليبتلع الشمس فقط رغم أنها تكبره بألف شعاع  / الحياة تغالي في…