images_x3ds

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لم أكن يوماً من أولئك الناس، المخابيل، الذين يصدقون الخرافات على أنواعها، و يمنحون أنفسهم فرائس سهلة لكل المحتالين، من عرافات و سحرة و غيرهم. كنت رجل علم، حقائق، لا أعترف إلا بما يمكن إدراكه و تحقيقه بالعلم.

و ها أنا ذا وسط ثلاثة أشخاص يدعون أنهم شاهدوا أو سمعوا قصصاً يشيب لها الولدان عن بعض السحرة و أفعالهم و عن ما يمكن لبعض العرافات معرفته من خبايا المستقبل، متناسين مثلاً مغربياً صرفاً ” كون كان الخوخ يداوي كون داوا راسه” و طبعاً الخوخ لم يستطع أن يداوي نفسه و لا أن يفعل شيء غير كونه فاكهة. لكن رفقة السفر هذه المرة زادت الجرعة من ذلك التخريف و الكلام الذي لا يقبله عاقل، مثقف ، كحالي. حتى جاءت النقطة التي أفاضت كأسي حين وجه لي سؤال مباشر عن رأيي في الموضوع.

– أظن أنه من السخف أن نعتقد بما تتكلمون عنه، فكل الحوادث التي داولتموها، قد تكون لها آلاف الأسباب غير السحر، لكن من السهل على الناس أن تتبنى طرحاً جاهزاً، يعفيها من البحث و السؤال.

انتفض أحدهم من مكانه و كأنه لدغ لتوه من حية أفكاري..

– لكنك هكذا تنكر ما جاء في القرآن عن السحر، هل أنت..

– لا لست كذلك، أنا لا أنكر ذلك السحر، أنا أنكر هذا السحر، و ما أدراني بما كان عليه ذلك السحر، ما ماهيته، مما هو مركب.. و الأمر و ما فيه يا سادة هو أن الكثيرين يتعرضون لعمليات نصب منظمة من طرف من تنعتوهم بالسحرة و هم يتخذون الشعوذة طريقاً نحو الإغتناء السهل و السريع.

سكت الجميع، فظننت أنني بشرحي المقتضب، قد انتهيت من هذا الجدل العقيم الذي لازال يسود مجتمعنا، الذي يعاني الكثيرون منه الأمية بأنواعها، حتى جاءني سؤالها على بغتة.

-و ماذا عن الأشباح؟ هل هي حقيقية؟

-الأشباح؟ طبعاً، لكن هل لي أن أسألك يا آنسة ما الشبح؟

– هي ما يتبقى من الإنسان بعد موته، البعض يقول بأنه طاقة و البعض يقول أنه جزء من الروح و البعض يقول كذا و كذا.. ليس هنالك أمر محدد، لكن..

– لكن ليس هنالك أي إثبات علمي على وجودها.

– و بعد؟

– و بعد، فإن ما لا يمكن إثباته لا يمكن الإقرار بوجوده.

– حقاً ؟ و ماذا عن الرياضيات هي مثبتة، لكنها غير موجودة، لا يمكنك لمسها على سبيل المثال.

– هذا صحيح، و لكن..

– يمكن عكس القاعدة، و هناك، هناك بالتحديد، تجد الأشباح و غيرها من الأشياء التي عجز العلم عن تفسيرها.

تسللت الغبطة إلى وجوه البقية، وكأن ما بدا انتصاراً للآنسة في جدلنا هو نصر لهم أيضاً أو ربما هو تعويض لما أقدمت عليه قبل قليل من تهشيم لمعتقداتهم الغريبة.

لم تتبق لي أي رغبة في الخوض في موضوع الماورائيات، فليصدقوا ما يريدون ماداموا بعيدين عني بمسافة آمنة، فعلياً و فكرياً.

مر الوقت رتيباً، حتى وصلت لمحطتي، كان الجميع قد غطوا في نوم عميق، و بالكاد أيقظني هاتفي من وسن خفيف برناته المزعجة، و لولاها لما نزلت في تلك المحطة الملعونة.

قبل الفجر بقليل، كانت السماء تمطر بغزارة و بين الفينة و الأخرى تبرز عروقها السماوية البيضاء على هيئة البرق، و بعد هنيهة تصرخ على الأرض بغضب يصم الأذان.. هي ليلة ليلاء.

كنت عائدًا للتو إلى بلدتي، محطة القطار تبدو خاوية، لم ينزل فيها غيري و حتى أصحاب التذاكر غير موجودين، الجو صاخب بوقع المطر و الرعد و ومضات البرق التي تخطف الأبصار. خرجت من المحطة باتجاه الشارع الكبير، و الذي يفصل بينهما شارع ضيق، مظلم، و طويل نوعاً ما، فتحت المظلة، حضنت حقيبتي، و مشيت بشبه هرولة، كنت قد قطعت نصف الطريق حين هبت ريح عاتية طيرت مظلتي بعيدًا.. كنت أحاول التماسك بينما تعصف بي الأمطار و الرياح و صوت الرعد لا يتوقف.. عندما تنبهت وجدت ظلاً أسوداً، يتجه نحوي يحمل مظلتي، و بحركة رشيقة كنا معًا تحت المظلة، أنا و هي.

لم أستطع تبين ملامحها، هل هي فتاة صغيرة؟ أم امرأة قصيرة؟ كان من الصعب تحديد ذلك حتى دبت الحياة، فجأةً، في مصباح معلق بعمود إنارة مائل و الذي كنا نقف تحته مباشرة.

كانت ملامحها كملامح وليد، بدون خدش، مرسومة بيد ساحر، ممشوقة القوام، بدون تكلف، كل شيء متناغم حتى التقت العين بالعين. كانت سهامها القوية تنتظر بحدقتيها حتى وصلت في اللحظة المناسبة إلى لبي و سرقته بلمح البصر. واقف كالصنم لا أدري ما بي، بينما تسبح ابتسامة رقيقة على وجهها الصافي، طوقت عنقي بذراعيها فالتصق جسدها بجسدي، مالت المظلة فكانت حبات المطر تنسكب على وجهها كما ينسكب العسل على الشهد الأبيض.. بينما أنا واقف كالصنم.

لم تكن لي رغبة في أي شيء و لم أكن أحاول أن أقاوم أو أحتج أو حتى أن أساير حركاتها التي أراقت في جسدي نيراناً حسبتها رمادًا منذ أمد، اقتربت أكثر و أكثر، و غرقت فيها أكثر و أكثر، ينسكب ماء المطر على وجنتيها، و على شفاهها المنفرجة ببطء شديد، أغمضت عيني في استسلام فريسة لا بدّ لها من مفترسها، فوضعت على وجنتي اليسرى قبلة طفيفة، كالطابع البريدي، ثم انسحبت خطوة، كنت كالبناية المهجورة تنتظر عودة ساكنها، فابتعدت خطوة أخرى و أخرى، تبتعد ببطء و يبتعد معها في كل خطوة حلمٌ ليلي جميل..

دوت صافرة سيارة مزعجة مارة بسرعة على الطريق، بينما تملكني ما يشبه اللهاث، تابعت العربة حتى اختفت، و عندما عدت إلى فتاتي، كانت قد تبخرت في الظلمة التي عادت بانطفاء المصباح العليل، بحثت عنها على طول الشارع الضيق، و على قارعة الشارع الرئيسي.. بلا جدوى.

هل كانت حقا هناك؟ هل كنت حقا هناك؟ بينما الحيرة تتلاعب بي مع رياح العاصفة و شتائها ارتفع أذان الفجر عالياً في سماء ملبدة، عصبية، تبرز عروقها الفضية بين الحين و الحين.

لم أكن أعلم من تلك الفتاة و لم فعلت ما فعلته، لم تكن لي أدنى فكرة و لم أكن أعلم. تملكني شعور بالغضب، بالهزيمة، تلاعبت بي فتاة في عمر بناتي للتو بينما أنا كالأحمق، نعم أنا مجرد أحمق، سحقاً لذلك السحر الأنثوي.

وقفت أمام باب بيت أختي، مبللاً بالمطر، و الخيبة، في ساعات الصباح الأولى، أطرق بابها بعصبية لم أتمكن من إخفائها، و على كل حال، لم أخف يوماً أي شيء عن أختي الوحيدة.

بعد دقيقة، خرجت مسرعة نحوي، بعد أن تأكدت من أن لا أحد غيري يطرق بابها، أدارت حولي منشفة، و دفعتني نحو المنزل بسرعة ثم إلى غرفة أتخذها بين الحين و الأخر. لاحقا، كانت الحيرة بادية على وجهها، فأنا أحمل مظلتي لكنني مبلل تمام و كأنني أمشي بدونها طوال الطريق، فلم يكن لي أي خيار غير أن أحكي لها ما حصل. بعد أن أتممت كلامي كان وجهها متشنجاً، و ملامحها تتمايل بين القلق و الخوف.

– أخي، أعلم أنك لا تؤمن بما تسميها الخرافات، لكن.. دعني أحكي لك حكاية و لك أن تصدقها أو تكذبها.

في يوم من الأيام القديمة، كانت هنالك فتاة لعوب إسمها ياسمين، كانت تعيش في مدينتنا الصغيرة، كانت متعددة العلاقات. في العادة يشتهر الرجال برغبتهم في التعدد، لكنها فاقت الجميع في ذلك، لم تكن تظل مع رجل ما إلا أسبوع أو أكثر بقليل، ثم تغري رجلاً أخر، و تقضي معه ما تشاء من أيام ثم تتركه، و هكذا..

في إحدى المرات، أوقعت رجلاً في فراشها، كان غنياً، و له تاريخ عائلي مشرف، لكنه لم يستطع مقاومة طبيعتها المغرية، فأخذته في حِضنها لمدة قصيرة، كما كانت تفعل دائماً، لكنه على خلافها، وقع في حبها كما لم يفعل أبداً، و لم يتقبل مطلقا أن تتركه لأجل رجل أخر، و جن جنونه حين فعلت، كانت حالته تزداد سوءاً كل ما رآها مع رجل جديد، كان يحترق بنار الغيرة و الألم، أهمل شؤونه و صاحب الخمر و غير ذلك من المسكرات، المنسيات للهم زعما، لكنه لم يكن ليتحمل أن يعاني لوحده من ألم ذلك الحب العظيم، الأسطوري، فقد يتغاضى عن ماضيها و حتى حاضرها إن قبلت بأن تكون له وحده..

في النهاية، قرر أن ينتقم منها. في يوم ممطر كانت تتجول بجانب المحطة، دهسها بسيارته، و فر هارباً، لكن فقط إلى الجرف الصخري ليلقي بنفسه و عربته من علي، و يلقى حتفه في الحال. الأسطورة تقول أنه منذ ذلك اليوم، و في كل يوم ماطر، تتجول روحها باحثةً عن عاشقها الولهان لتقبله قبلة اعتذار، لأنه يسود اعتقاد بأنها أحبته أيضاً لكنها لم تكن لتتخلى عن متعها الجسدية مقابل رجل واحد، وإن أحبته.

-كما قلتي تماماً، مجرد أسطورة.

– طيب، أنت حر، ما على الرسول إلا البلاغ.

بعد أن تركتني أختي الطيبة، كان بداخلي شيء غريب يتحرك، شيء هجرته أو هجرني، إحساس غريب، كنت أعلم ما هو لكنني لم أجرؤ على الاعتراف به.

ربما، أحببت شبح حبات المطر.

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

  1. I fulfilled Uk DJ Tony Thomas waiting inside the queue with the rest room. I requested him what he was working on here and we fell right into a exceptionally authentic, highly satisfying dialogue about his lifespan and his spiritual path. I asked him what his purpose for creating new music was and he replied that it was entirely to create other individuals content. Tony explained to me that he has around two hundred releases of his music helps make him undoubtedly one of the foremost prolific artists I have ever fulfilled. When requested in regards to the ideal second in his lifestyle, he explained to me that it had been a time when he served somebody else. “I have this buddy in Croatia who I assisted obtain a record deal. I bear in mind he identified as me in the cellular phone and was crying he was so thrilled. He informed me how I’d altered his daily life. Which was the ideal second for me.”

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

إنبعاث

غرفة ضيقة رطبة، لها نافذة واحدة تطل على جبل بعيد، جدران قضمتها الرطوبة و عبثت بطلائها الأب…