large_red-light

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

مِن تحت عمودِ الإنارة الذي يتوسط طبقة الإسفلت الرهيفة متآكلة الجوانب يقفزُ بهمةٍ ونشاط عاليين، يشقُ طريقهُ حافياً بين السيارات المتوقفةِ بسرعةٍ يسابقُ بها ثواني الشارة الحمراء التسعون. من بين السيارات المتوقفةِ يختار سيارة حمراء لامعةٍ تقودها جميلةٌ فاتنةٌ ترتدي بلوزةِ حمراء لامعةٌ كما سيارتها وخمار مخملي ينسدلُ برفقٍ على جانبي كتفيها العاليتين المزينتين بخصلات من شعرٍ بسواد ليل إستوائي خريفي هالك الظلمة تتدلى عليهما.

من غير اعتباط يختارها هي من دون باقي السيارات المزدحمة أمام شارة المرور، ربما لسر في المهنةِ ، فمن خلال خبرته العملية التي بلغت الآن أربعة سنينٌ كاملاتٌ من طفولةٍ مهدرةٌ بين تقاطعات الطرق ونقاط شارات المرور استطاع أن يلحظُ وجود ارتباطٍ وثيق بين الجميلات ورقة المشاعر بين الفاتنات وطيبة القلب، بسرعةٍ يفرد قطعتهُ القماشيةِ المهترئة ثم يمسح على المرآةِ ويغتنم الثواني ليسترق بعض النظر إليها من اقرب ما يكون منها، فقط على بعد مسافة زجاجةُ سيارة، يزيل ذرات الغبار الناعمةِ العالقةِ بسطح المرآة بدرجةٍ يستطيع أن يرى فيها وبوضوح قسمات وجهه الصارمةِ وحبات العرق المختلطة ببعض ذرات الغبار على جبهتهِ التي تكبره تجعداً، يتحرك بخطواتِ سريعة ليأخذ موقعاً أمام السيارة الحمراء دون أن يرفعُ قطعته من على السيارةِ، يمسحُ بمهارة على مقدمة السيارة وزجاجها الأمامي مع نظرة خاطفة أخرى من الأمام تعطى صورة أشمل لها بالأحرى هي صورة أجمل منها، يبين على وجهها بعضُ الضيقٌ، ضيق لا يليق بوجهها الفاتن، ربما قد وقف بينها وشارة المرور، ينظرُ للخلف ناحيةِ الشارة ثم يتنحى جانباً بسرعةِ ليسابقُ الثواني العشرين المتبقيةِ على انتهاء زمن الشارة الحمراء وباطناً ليزيل الضيق الغريب المرسوم على وجهها كعبثِ طفلٌ صغير بألوان خشبيةٍ على لوحةٍ قديمة قيّمة، يمسح على الزجاج الجانبي بسرعةٍ ليختم بالمرآة عشق الجميلات.

 رغم أن الموقف مرً بها في أكثر من تقاطع خلال اليوم دون أن تعرُ الأمر اهتماماً، إلا أن شيء في قلبها جعلها تشفقُ على هذا الطفل دون غيرهِ من الأطفال الذين تمتلئ بهم التقاطعات ومداخل الأسواق والمحطات والكباري، تجذب إليها بسرعة شنطتها الجلدية الموضوعةِ على الكرسي المجاور ليمناها، تبعثرُ في داخله بحثاً عن باقي عملاتٍ صغيرة إعتادت وضعها هناك، تعيق أدوات التجميل وهاتفها ذو الشاشة الكبيرة سرعة بحثها، تهم بإخراج المحفظةِ الموضوعةِ في جيبٌ جانبي للشنطة ولكن الزمنُ يسبق، والزمن كالسيف، تتحول الشارة إلى خضراء وتتعالى معها أصوات أبواق السيارات خلفها، تلعن في سرها السائقين الرجال المزعجين دائماً، ثم تعيد وضع يدها على مقود السيارة وتميل بنظرة ناحية الطفل الذي وقف خلف الزجاجة الجانبية مترقباً عطاءها وكل قساوة الحياة ترتسم على وجهه البريء، تلعن الثواني والحياة وإشارة المرور، تضغط على البنزين برفق دون أن تملك إلا أن تبتسم له، ابتسامهٌ حقيقيةٌ بجمال ابتسامة الموناليزا الخيالية ترتسم معها غمازتان جميلتان على خديها الأملسين، يبتسم ملوحاً لها وهي تتحرك مبتعدة بالعربة إلى أن تختفي، ثم يعود إلى تحت عمود الإنارة الذي يتوسط طبقة الإسفلت الرهيفة متآكلة الجوانب منتظراً أن تتحول الشارة إلى حمراء.

تعليقات الفيسبوك

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …