226310_198896936820323_191341284242555_530594_6780897_n

محي الدين هارون :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

سيناريو (٣):

اعتيادية المشهد تعني ركود العاطفة تحت خط الصفر اتجاه الكوارث الفادحة ..قد تتداعى بعض الاشياء امام فظاعة العواصف الهوجاء لتستعيد وضعها السابق برحيلها وتمتهن التداعي في المواسم الكارثيه لتعتاد القيام حد البديهيات تلك طبيعة الأشياء الناضجة كيفما كانت..

الطفلة التي تبكي في طرف الحي لم تكن تبكي ضياع دميتها الصغيرة، الطفلة التي كانت تبكي في طرف الحي كانت تتقرفص متكئةً على جدار هزيل، تدفن رأسها تحت ساعديها بانكسار ،تبدو عليها آثار التمرغ بتراب الارض و لاتدرك ماذا تصنع سوى النحيب من الألم والذي كان فوق حدود الاحتمال.

ذات يوم ارتدى حلته النهارية متأنقاً بلهيب الشمس الحارق بينما يقف عمود الإنارة اليتيم بناصية الشارع خارج مواعيد الخدمة، حيث تنوء عنه خطى العابرين للأوقات المعتمة .. رنين الأجراس في ذلك الوقت تحديداً يعني إعلان نهاية اليوم الدراسي برفقة الضجيج الذي يند عن صراخ الأطفال ولهفتهم للعودة  لمنازلهم الممتلئة بالحب كما ينبغي أن تكون..

صامتآ يترقب في انتظار لحظته الفالتة بشهوة  شيطانية من على مسافة تسمح باقتناص ضحيته التالية والتي ظل يتابع مساراتها لعدة أيام حتى أحكم خطته المريضة اتجاه طفلة تسير فرحة” بين رفيقاتها في ربيعها السادس..كانت تحلم بان تصبح طبيبة تخفف عن المرضى أوجاعهم، والتي في اعتقادها أنها لا تتجاوز آلام ضرس حادة أصابه السوس بفعل الحلوى.،وقد كان أقصى اعتقادها أنها أوجدت في الحياة بمحض القبلة التي يهبها الزوج لزوجته بعيداً عن أعين العابثين… ولم تكن تلقى بالًا لأعين الكائن الذي على هيئة بشر وهو يتتبع خطواتها بنظرات فاحصة ..

وعندما انعزلت عن رفيقاتها صوب زقاق ضيق يتصل بالطريق الذي يؤدي إلى المنزل وخطت أولى خطواتها فيه أطلقت السماء صرخة مكتومة ،واختفت بؤرة الشمس في ظلمة حالكة، فقد كان المشهد يتخبط بابشع صور التداعي الذي اهتزت له كل الجدران التي شهدت ابشع واقعة تجردت من كل قيمة إنسانية ممكنة..

الطفلة التي كانت تبكي في طرف الحي بمظهرها البائس، كانت تبكي فجيعتها وأشياء فوق حدود إدراكها البريء..فهل يجف لها دمع برحيل العاصفة؟

وفي عاقبة الجريمة تنتعش أسواق الجرائد الإخبارية، تعلن الظلال عن سخطها،تنام المدين كالمعتاد ليسير صامتاً بين الظلال بهيئة„أخرى بينما تند عن وجهه ابتسامة الشيطان.

سيناريو (٤)

مدخل:

الفراشة التي كانت تقف بسكون مطبقة جناحيها دون حراك فوق زهرة من أصص الزهر المتراصة على النافذة،لم تكن قد ملت التحليق بعد، بل كانت تنتظر أن يتحقق حلمها الأخير بفارغ التعب.

الفراشة التي هجرت الحقول البعيدة في ضاحية المدينة ،هربت من جفاف اغرق الخضرة في لجة القحط واحلام السراب، ولم تمت كمداً كبقية الرفيقات بل جاهدت في البحث عن بقعة خضراء في سبيل حلم نبيل،كن أربع فراشات  في رحم الغيب يحلمن بالنور بين جوانحها الزاخرة، بذكريات الوردة التي ماتت تحت جحيم العطش.

النص

بمقدار حزن  مكبوت وازدحام مفرط بمراجعة تقارير الحالات اليومية، كانت تتوكأ على سطح مكتبها الصغير الذي يطل على باحة المشفى عبر نافذة متهالكة زينتها ببضع أصص من الزهور اعتادت سقيها في الصباحات المضرجة  بغناء العصافير الذي يسبق ضجيج المدن ،لتستمد منها قدراً من التفاؤل المتاح قبل الشروع في عملها المعتاد.

صامتة هي، لا تعرف للصمت طريقاً  بمعطفها الأبيض وهي تتنقل بين شتات المرضى الوافدين من كل صوب واتجاه .. تؤلمها أوجاعهم بأشكالها..تحرص عند محاورتهم أن توزع فيما بينهم ابتسامتها البشوشة وعباراتها الحانية علها تمنحهم بعض القوه للتمسك بالحياة ولو بربع أمل ..

الدواء شحيح وضآلة المعدات البالية لا تبشر بشفاء مقبل، فملاك الرحمة التي كانت تحلم بأن تهب إكسير الحياة للمتعبين بأمراضها ممتلئين بحكايا الانتصار والفشل وجدت نفسها على غرار الحلم تمتهن التسكع بماخور كبير يضج برائحة الموت الكريه..ولا تبدو عليه أن حياة” قد تبدأ من هناك، حيث تتربع فوق بوابته القديمة تلك اليافطة الصدئة والتي كتب عليها بخط ثلث جميل (مشفى المدينة الكبير..) تتبعها إشارة (التعليمي) ككلمة قد تشرح سر هذا التهالك الذي لحق بالمشفى ..والذي يعد معلماً اثرياً انشأ في عهد الإنسان الأول ، الإنسان الذي كان أكثر تحضراً عندما عاش فيها قبل أربعة عصور شكلت عبثية الترتيب لإنسانها الحاضر..

صامتة هي لا تعرف للصمت طريقاً كلما باغتتها صرخات المرضى المعذبين بأوجاعهم فتارة تنجح في إسكان آلامهم التي تنخر أجسادهم الهزيلة وتارة أخرى لا تدرك ماذا تصنع .. وعندما يفوق الأنين حدود احتمالها تنطلق صوب مكتبها الصغير في أقصى الممر لتنوء بحزنها بعيدآ عن أعين الجميع منفردةً بلحظات ضعفها غارقة بين دموع المأساة وعدمية الحيلة ولأن دواخلها المرهفة أوهن من خيط عنكبوت ..كان عزائها الوحيد في تأمل أصص الزهر التي أهداها لها من كان في خاطر الأيام يبني معها قلاعاً من الأحلام البسيطة يوم تسلمت وظيفتها بالمشفى ، فتنسى عالمها المزري لتحلق بين أحلام اليقظة في سموات عشقها السرمدي..لتعود لاحقاً لأرض الحقيقة أكثر عزيمة متحلية بالقوة والأمل تجاه رسالتها النبيلة.

في أحد المساءات المزدحمة بأنين المرضى الوافدين ، جيء بطفل يعاني من نزيف حاد إثر حادث سير عرضي و مظهره يشي بحالته المأسوية فقد كانت ملابسه مهترئه وبالية ولاتليق بانسان، هالها منظر الطفل وهو فاقد” للوعي تماماً وما من رفيق، أخذت لوهلة تبحث في ذاكرتها الضاجة بالوجوه والأسماء عن ملامح الطفل الذي اعتادت ان تراه في احد التقاطعات القريبة من المشفى وهو يمسح زجاج المركبات مستجدياً أصحابها بضعاً من القطع النقدية ليهبهم ابتسامة شكر كاملة الجزاء  وما ان قارنت بين تلك الصورة ووجه الطفل الذي أمامها ،حتى تقطب جبينها بفزع وانتفض قلبها من بين أضلعها كزلزال صادم، فهرعت لنجدته كأي أم تهب لإنقاذ طفلها الوحيد من بين مخالب الموت، وبذلت قصار جهدها لتعيده إلى وعيه ولكن عروق الطفل بجسده الصغير قد نضبت من كل قطرة دم ممكنة ..ألطفل الذي كان يتخبط في دروب الحياة باحثاً عن قطعة خبز يابسة قد مات مفسحاً المجال لطفل آخر،ولن تفتقده المدينة وكما الحال عندما تغلبها الحيلة، وتشعر بقصر ذات اليد اتجهت بعيداً عن الأعين صوب مكتبها الصغير وما إن أغلقت الباب خلفها حتى انفجر ماء دمعها  بمرارة المشهد وأخذت في النحيب حتى جثت على ركبتيها من هول ما قاست من فجائع ، بكت للحد الذي خيل إليها فيه أنها تبكي ابنها الوحيد ولا تبك  نفسها ، و لو أن قرار الرحيل بدا لأرحم الخيارات، تحاملت على نفسها بما تبقى لها من طاقة، لترمي بجسدها المنهك على كرسي مكتبها القديم وراحت تدور حول رأسها صور لكل الذين شهدت لحظاتهم الأخيرة وعلامات الفزع تعتلي ملامحهم وهي تنوح بصمتها دون حراك ،وقد أثقل رأسها السؤال الذي امتهن إحاطتها منذ يومها الأول ترى ما هو الخطأ الذي ارتكبته، لتعاقب بتلك القسوة؟؟ وأمالت رأسها لبرهة على الطاولة مغمضة عينيها في محاولة لطرد تلك الأفكار المزعجة علها تجد بعض السلام المفقود، وعندما فتحت عينيها مشيحةً بهما ناحية الشباك، أشرق وجهها ببريق ابتسامة  بحجم الشمس، رأت أربع فراشات يتنقلن بين أصص الزهر في مشهد باعث للسرور..لقد كانت هناك حياة.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

تأملات في اللغة وأشياء أخرى

-١-       يذكر كيف أنه كان صبياً مشاغباً رغم قصر قامته – الأقصر بين أقرانه – و…