طلال

في الأرض؛ الأرض التي لا تتكلم أي لغة، ولا تهتم بأي ثقافة، الأرض التي تنبت ذرة وبطاطس وقمح وإن كان من يزرعها هو ستالين الرهيب نفسه.

في الساعة الثانية عشرة رأى أهل الأرض مخلوقات تشبه السحاب تهبط من السماء، كانت مخلوقات لها يدين وقدمين ورأس أيضاً، لكن بلا ملامح وجه، كانت أجسامهم تشبه السحاب الذي تضيئه شمس الظهيرة، ذلك السحاب اللامع الذي يشبه رغوة الصابون.

هبطوا من السماء بالمئات وفي بعض المدن بالآلاف، وكان هبوطهم حلواً ورائعاً، أعني هبطوا برشاقة كأنهم في مسابقة غوص، الناس عندما رأوا طريقة هبوطهم علموا أنهم ينظرون لمخلوقات غريبة خيرة، وذلك فقط من روعة طريقة هبوطهم.

رجل في باريس يشبه بيتهوفن، وكان يستمع للسيمفونية السابعة وهو يرى هبوط هذه المخلوقات الرائعة من السماء، امتزاج الموسيقى مع مشهد الهبوط الرائع جعله يتأثر ويبكي، دموع بيضاء سالت على خديه المتوردين.

في الخرطوم فتى في العشرين من عمره، يعشق الموسيقى وكرة القدم، هذه الايام كان يكتشف أغاني مصطفى سيد أحمد، كان يمشي في جسر توتي، وهو ينتشي مع صوت مصطفى “ندمان أنا ” رأى المخلوقات الرائعة تهبط؛ شعر أن الله نفسه يقول: ندمان أنا. والأن يريد تغير العالم. بالطبع طرد هذا الشعور الذي خدش نقاء عقيدته المنزهة لله عن الندم.

عندما وصلت هذه المخلوقات إلى الأرض بدأت تركض، تجري بسرعة في كل اتجاه، كأن كل واحد منهم يعلم ماذا يفعل وماذا يريد؟

رأى الناس في أحد الشوارع أحد هذه المخلوقات يقف أمام شحاذ أعمى، ثم يمد يده لعينيه ويمسحها بها، فجأة أصبح الرجل بلا عينين، إختفتا من وجهه، أصبح وجهه مسطحاً فيه فم وحاجبين كثيفين وأنف كبيرة متسخة لكن بلا عينين.

صرخ الناس وهربوا إلى كل ناحية، وبينما ركض المخلوق إلى مكان أخر، وفي يده التي كانت بيضاء يلطخهما الدم عينان آدميتان.

انتقل هذا المشهد المخيف مثل النار في الهشيم على الانترنت. وأيضاً انتشرت مقاطع لطيفة مثل دخول هذه المخلوقات المستشفيات ومعالجتهم لكل المرضى، لدرجة أن المرضى يخرجون بشكل جماعي من باب المستشفى وهم يركضون ويضجون بالفرح.

تاركين المستشفى فارغاً إلا من العاملين فيه.

وأيضاً جاءت صور عن اخضرار الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة العربية التي عادت مروجاً وأنهاراً، انتشرت في هذه المناطق أشجار النخيل والتفاح والزيتون والبرتقال والعنب والمانجو، وازدهرت الحياة البرية بشكل سريع، قرود وغزلان وفهود وفيلة واسود وتماسيح.

وأيضا انتشر مقطع الفيديو الذي حاولت فيه الشرطة التصدي لهذه المخلوقات، لكن الأسلحة لا تؤثر فيهم، الطلقات تمر عبرهم كأنهم نسيج من الضباب، النار تجعل ألوانهم حمراء فحسب، ولا تقتلهم، والأقفاص لا تحتجزهم، بل يمرون عبر الجدران مثل الأشباح لو أرادوا.

وكانوا صامتين وقساة لو أرادوا، كانت لهم قدرة رهيبة على القتل، خلال ثوان، أو في رمشة عين ينزعون الرأس من الجسد.

بعد مرور الأيام والشهور علم الناس أن هذه المخلوقات تعالج المرضى، وبل حتى تعالج الطبيعة، أوقفوا الجليد عن الذوبان، يصلحون حتى الأعطال الكهربائية البسيطة في المدن.

لكن لا زالت الحكومات تحاول وتبتكر وسيلة لقتلهم، لكن من غير فائدة.

سمت بعض الجماعات الدينية هذه المخلوقات بالملائكة، ودعت لتركهم وشأنهم، تراجعت الجريمة بشكل كبير، وبدأ أن مصير الفاسدين من الساسة وأرباب الشركات الكبرى الموت.

بعد أشهر بدأ على هذه المخلوقات التوتر، فتر حماسها لمعالجة الأشياء، لم تعد تعالج المرضى، لم تعد تهتم بالطبيعة.

حجبت هذه السفن الشمس عن قارات بأسرها، ثم نزلت من هذه السفن طائرات صغيرة من غير طيار رأى الناس المخلوقات السحابية تركب هذه الطائرات وتعود بها إلى السفن.

استغرقت عملية الاخلاء عدة أيام، خلالها شعر البشر بالخوف والقلق، فلا أحد من هذه المخلوقات التي تبدو عاقلة وذكية تطوع للتكلم.

تم استدعاء “أجعص” علماء اللغويات وفك الرموز لمخاطبة هذه المخلوقات من غير فائدة أيضاً.

بعض الناس إنتبه أن هذه المخلوقات متكبرة ومتعجرفة ولا تحترم البشر، أو أن هذه المخلوقات ليست كائنات حية أصلاً، بل نوع من الروبوتات المتقدمة.

وأن مالكوهم الحقيقيون موجودين في السفن.

وبعد انتهاء عملية الإخلاء، أطلقت السفن شباك إلكترونية كثيرة هبطت مثل المطر من السماء، كانت الشبكة تنطلق من السفينة على هيئة مسمار، ومن هذا المسمار تنبثق خيوط معدنية أخطبوطية لا ترى بالعين المجردة تلتف حول الضحية وتقيده بقوة.

لم يكن هناك مجال للهرب، لو اختبأت تحت الارض بإمكانها التسلل إليك وتقيدك.

حتى الجنود الذين كانوا بداخل الغواصات وصلت إليهم هذه المسامير التي تتحول إلى شباك قاتلة.

ثم تهبط سفن متوسطة الحجم وتخرج منها المخلوقات الفضائية يحملون البشر المقيدين إلى سفنهم الضخمة.

ثم تطير هذه السفن إلى الصحراء الكبرى سابقاً وشبه الجزيرة العربية، هناك أقام هؤلاء الفضائيون مستعمرات كبيرة، حول الأدغال والأشجار التي زرعوها ونموها بسرعة في تلك الأماكن والتي كانت صحراء حارة مثل مقلاة فوق النار.

في هذه المستعمرات مصانع ضخمة لتصنيع اللحم البشري.

يكب البشر كأنهم حبات بطاطس فوق أحواض ضخمة فيها مادة تذيب الشعر والملابس والاحذية، ثم ترفعهم ألات عنكبوتية بقوائم حادة مثل السكين لمكان أخر، حيث يمرون بآلة تشق معداتهم، وتخرج أجهزتهم الهضمية، وآلات ترش الماء على الجثث لتنظفها من البراز.

بعض الجثث تفرم ويصنع منها سجق بشري، وبعض الجثث تقطع لتصبح لحماً يناسب حفلات الشواء.

في المرحلة الأخيرة تطير سفن فضائية متوسطة الحجم إلى سفنها الأم المتحلقة حول الكوكب، ويبدو أن فيها الكثير من الجوعى الذين ينتظرون تناول اللحم البشري بفارغ الصبر.

سيظلون حول الكوكب متحلقين حتى يأكلوا أكثر من ثلاثة مليار بشري.

لن يتركوا أحداً، لا طفلاً ولا كهلاً ولا مريضاً إذ بعد علاجه سيأكلونه.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رواية “بارادايس” ثيمة الرعب والموت

في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت …