book29

هل الروح تزداد وتنقص ، هل الجمال يزداد وينقص ،هل جمال روح النص يزداد وينقص ، كما هو الإيمان ؟ هل الجمال إيمان ؟ أسئلة تطرح نفسها بعد سبعة أيام من قراءة أسد في الحافلة والعودة إليها ثانية .

تبدو المفارقة في الأدب السوداني ” منذ الألفينيات ” ، فقد شرع الروائيون في تصوير واقع دكتاتوري بأسلوب دكتاتوري حتى حاملات الغرابين التي صدرت بأواخر 2016 تختلف الزاوية عند عبد الغني كرم الله فب”أسد في الحافلة ” التي صدرت بذات العام نجد روح البراءة لوثت الدكتاتورية وعطرت الفساد كما استنشقته هبة متأرجحة في ” رحلة بين طيات السحاب “

أسد في الحافلة ، يتبدى للوهلة الأولى أن الكاتب لم يتوفق في اختيار العنوان ، لكن مع شكل الغلاف يتراجع المتلقي ويبرر وضوح العنوان بأن ” النص للأطفال ” .

بالنظر إلى العناوين الخمسة عشر وحسب معادلة بوزيمان فإن نسبة الأفعال إلى الصفات تكاد تكون معدومة باستثناء “فستان يزهر بين الغصون ” “ألم الأسنان يعرف جسمي كله ” ” التجاني يوسف بشير لا يحبني ” تبدو بقية العناوين جامة أو لا انفعالية لكنها في حقيقتها تمور : ” الأعمى البصير ” ” قفة الأحلام …. مرآة المحيط ” من الأعمى البصير ! من قال إنها لا انفعالية !

بكل نقاء وبراءة استخدم كرم الله ، هبة الله تلك … العقل ” صاحب الصندوق الذهبي … الجاسوس … علامة الاستفهام ” ، متأملًا حوله ، ممسكًا بتلابيب “هبات ” قرائه بعمق ، متحكمًا في الدفتر الذهبي ” اللاواعي ” يقذف فكره بمهارة في الباطن ويدع الواعي للفلسفة .

كتب النص بحب يبين ارتباط كرم الله العميق بالكلمة ، الحروف تطاوعه ، تشاوره أي الكلمات أنسب وأنصف لها لتصطف ، لتبدو جميلة ، ولو غير ترتيبها أو حذفت بالمرة لاختل الجمال .

مع هبة عبد الغني لن يملك القارئ نفسه أن ينجرف مع شلال الحب ، شلال الخيال ” تمنت أن ترى نهر الزمن يجري دون أن يتعثر ، في النهار والليل ، وكل شيء ينمو ويكبر ويشيخ بجريانه الخفي ، الماكر ، الذكي ” ويسبح بخياله عله يرى . ” تسلقت في يوم ما شجرة مانجو كي ترى كيف تمشي الملائكة في السماء” ” وجدتهم كلهم يرقصون فوق السحب حتى في نومهم أو تسكعهم أو لعبهم كرة القدم “

نافذًا من براءة الهبة ، يتساءل الكاتب : كيف تمشي الملائكة ؟ كان يشعل الفتيل ويترك الحريق ودخانه للقارئ الذي يعترك حتى يغدو رمادي اللون وغموض لذيذ يكتنفه .

تتساءل علامة الاستفهام ” هبة” لا يهمها أن تصل إلى حل بقدر ما يهمها أن ترسم نفسها نهاية كل جملة ” تزاول عملها”

نرى علامة الاستفهام عند الراوي العليم+ صفر ” عاطلة “فيظهر بالنص مهتمًا باستفهامات الشخصية : ” تمنت أن تحضر زواج جدها آدم من جدتها حواء ، وترى الحضور وملابسهم، المأذون ، ولكنها تذكرت بأنهم لوحدهما ، من عقد لهم ؟ ومن علمهم اللغة ، والعادات ومن ضرب آدم كي لا يلعب بالطين ، والنار ؟ ومن أرضعه ؟

” لم نشم كل ما حولنا ؟ ونسمع كل ما حولنا ؟ هل حاسة البصر فقيرة ؟ أهناك من يرى كل حوله ” كان رسول الله يرى المصلين خلفه “تمنت قدرات مثل تلك .

” كان رسول الله يرى المصلين خلفه ” ” كذلك ” لن تدخلوا الجنة حتى تعودوا أطفالًا ” لم يتساءل الراوي ” كيف يرى النبي خلفه ” كيف تحتكر الجنة للأطفال ” كان يتدخل مناصرًا علامة الاستفهام دون أن يستفهم هو الآخر حتى ليتبدى كأن ” كم وكم …” تلك التي تلي استفهامات هبة أسقطت من جانبه هو .

ب”طقوس دن الجدار” نجد هبة أشبه ما تكون ب” سعاد ” بطلة ” وقالت اللوحة/أتسيدي الموت وقوفا” : فقد جاء الرسام يريد هدم جدار المدرسة الذي يحبس فضول الأطفال وبعد أن هدمه بريشته ازداد فضول الأطفال لفقه اللوحة .

كانت هبة تدخل اللوحة بسهولة ، تدوس على الأعشاب الخضراء وتلعب مع قطيع الأبقار كما كانت سعاد تعمل بجد وتساعد المرضى .

يحلق النص حول عالم الدخول للوحة ، كيف تعرف الشخصيات باللوحة ؟ كيف عرف الرسام أن اسمها هبة ؟ كيف عرفت اللوحة عندما تحدثت ب” وقالت اللوحة” أن الفتاة اسمها سعاد ؟ هل أسر لها الرسام بذلك ؟ أم اخترعته بنفسها ؟ أم كما عرفت المرأة التي تجاور المسيح بلوحة العشاء الأخير بشيفرة دافنشي ؟

وعالم الدخول للوحة يوازي عالم الدخول للقصيدة بالنص الذي سبقه ” التجاني يوسف بشير لا يحبني ” فقد استعصى على ليلى حفظ قصيدة “الصوفي المعذب” كما اصطدم الأطفال بالجدار حين حاولوا دخول اللوحة مع هبة فجرحت جباههم ونزفت أنوفهم .

إذا كان سر الدخول إلى اللوحة هو وجه الرسام العجوز ، وإلى القصيدة هو حسن الإصغاء فالدخول إلى قلب أسد في الحافلة سره : حسن الإصغاء إلى حرف الرسام ، أو فليضف إلى ” العميان الأربعة ” نصًا خامسًا.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

نضاﻻت أغفلها التاريخ

موهبة مدهشة تلك الصياغة ، أي براعة وصف بها فترة السجن التي قضاها المحامي “اللاعبR…