amber_osterhout_painting

محي الدين هارون:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

-1-

  هب أنك تعبر جدل الصمت والنطق على شفير الهاوية بجسد نضبت أوصاله من السموم , وعقل يحن لنشوة تصحب خدرها اللذيذ حيث تدور فيه الأشياء حول نقطة واحدة تجتاح فراغك العريض , بمقدار التقاطه وطول ذراع , تتوجس خيفة من ارتعاش الرغبة المخبوءة بين إقبال وإدبار , شد وجذب بين خواء الروح وازدراء العقل بعيداً عن المنطق في انتظار لحظة حاسمة تغتال صهوة التفكير .

 ثلاثون يوماً قضيتها في قاع مصحة , تحمل غسق المجانين , خطرفاتهم وأنينهم الغائص في الوهم المركب , ثلاثون يوماً تجرعت فيها عذاب الانسحاب المجدول لآثار السموم العالقة بشرايينك من وريد لوريد في عزلة كاملة بين أربعة جدران تشهد نومك و صحوك , تعكس طيف رغباتك المكبوتة وضيم وحدتك المتنامية , يتخللها للحظات ظل رجل بمعطف أبيض يبعث فيك هواجس المرض لا بوادر الشفاء , وما ينفك يبتدر حديثه المعتاد غير آبه باعتيادية الأسئلة .   

  – كيف حالك اليوم؟      

– بماذا تشعر؟

وقبل آن تبادر بإجابة وافية , يلقمك بالعقار البديل , ثم يرحل تاركاً إياك مثل فأر تجارب تتخبط في حقل الإجابة ولا تدرك بما تشعر , مخلفاً بعض عبارات تتكور على مسمعك ولا تصدر ضجيجاً سوى غصة في الحلق وبعض عبرات لزقة يتبعها صمت طويل , يثير الحك بجسدك ورأسك ، يتنملُ الجلد أسفل المسام , فتحكه الأظافر ليزداد إحمراراً دون أن تدري إن كان هذا من أثر العقار أم من شعور لزج بالتعاسة .

ثلاثون يوماً انقضت , تقرر بعدها أنك قد عدت إنساناً بكامل وعيه , وبجسد يضج حيوية .

وبلا شك تغمرك لذة  الإحساس بالعودة العظيمة .

باتراً سنوات الإدمان ..

لتنبعث من قديم .

-2-

هبت فيك رياح التغيير , خرجت إلى منتصف الشارع إلى العالم حيث آخرين , عازماً على نفض غبار الماضي كمن انبعث من جديد , بعروق تضج بالدم الصافي , ولا واع ملؤه التوق متعطشاً لغمار المخدر, ينازع النفس ووساوس الشيطان , لتصفعك حفاوة الإستقبال نحو الهامش

ما هذا!!

الطرقات مازالت تحتفظ بقذارتها ،الوجوه ذات الابتسامات المقتضبة صارت أكثر تكلفاً

شيئاً ما كان عصياً على الفهم.. شيئاً ما كان غامضاً يختلج شكل الحياة:نوم” ويقظة أوهبت لك وصمة فاسق في الجبين , ترسمها أعين الخلق حين ترى عباراتهم الساكنة تعتلي حدقات أعينهم , يزعجك همزهم ولمزهم ككائن تافه ليس مرغوب فيه أصابه الجنون , والقليل من شفقة حاسرة بها عمدت مجنوناً تحمل كنيتان حشاش ومخبول .

-أتراك تستوعب ما حدث؟

الآن أختلس منك السؤال لأسال نفسي, أيهما كان سر عذابي؟,عندما نفيت خارج دائرة الجميع , أصدقاء طفولة ,رفقاء دراسة , تبسمت لهم الحياة بكامل شبقها , كلما أقبلت لاكوا أعذارهم  الواهية والمقتضبة , يلقونها بوجهي في حرج , يولون الدبر , أمتعض , أغضب , يهزمني الحزن .تتملكني رغبة للصياح عالياً :

 يا قوم أليس بينكم رجل بلا خطيئة

*************

النهار في مكانه ولم تراوح للمكان

لم تقل لي إنتظر..

تعب بهذه الأرض أنتظر المصير

يا سيد الليل آتنا متاعاً

ففداحة الخوف الذي قد قام فينا

صار فينا..

 باب .. ونافذة..ومدخنة..

وصوت شيء من بعيد..

هيهات لا أقوى عليك…

ولا على هذا الهدوء…

سأقول في سري وحنقي سوف يجتاز المدى..

وكل أشكال التجمل والتودد والوسامة

سأبيعهم فرحي بسعر جيد..

وتكفيني إبتسامة

(حسين الركابي)

  -3-

نبتت في موقف الحال , حورية يسكن موج البحر تحت جموح عينيها الآسرة ومن مقلتيها تنساب الحكايا الشهرزادية مسدلة طوق نجاتي ، محض ابتسامة شاردة لاحت على مرمى الفؤاد , أورقت زهر الربيع وكان الفصل خريفاً من الحزن البائس اللا منتهي , ولان الأشياء لا تأتي من العدم ,كنت قد عقدت العزم أن لابد من المضي قدماً .

-من يقبل بالذهاب برفقتي؟                          

-لا أحد

-4-

تضيق الأرض باتساعها في دائرة الخوف والانعزال القسري , ويغدو اللامكان متأصلاً في فضاء النشوة الكبرى , خلاصك من سطوة الشعور المقيت والمذعن لرغبات المحيط ,الذي ما ينفك يتناسى هفواتك القديمة حتى يستعيدها مع أول خطوة تنشدها للصلاح , ليطبق فيك أكثر الأحكام تطرفاً .. الرفض ثم الرفض ولاشيء سوى الرفض , كأن العالم برمته إتفق على نفيك خارج حدود الحياة.                     

_ ليس لدينا فتيات للزواج

عبارة لاذعة , لامناص من إبتلاعها , مع مرارة المذاق ويباس الجوف ولا تقل لماذا؟

هذا الباب موصد بإحكام , ويل لك أن طرقته سهواً , شريط ممتد ومعاد وكامل الإخراج لمشاهد خطوتها في حياة سابقة فتمتع بالعرض.                                                                     

-5-

ها أنا ذا أفترش فراغاً , لا يمكنني من رتق رئتي وكل هذه الثقوب المزعجة ,أحتاج إلى النفخ والنفث ,ولآن النوايا القاتمة أضحت تجتاح هذا الصدر الضيق , أشعلتها مجدداً علي أن أحترق بين سحب دخان كثيف يقودني للذة مرجوة ,اللعنة على هذا العالم ,فمحض لفافة ممقوتة تجعله يتقمص لحجم ذبابة ,أرمقه كفقاعة صابون حلقت بعيداً ,لتنفجر كقشرة لزجة لا تفارق هذا الوجود.

ثم إنني رأيت الناس يتهاتفون نحو أعلى قمة ولا يدركون لماذا.

ثم إنني رأيت الحياة منصفة جداً ولكن إبن آدم يمتهن التعقيد ثم يعلن امتعاضه منها ، ثم رأيتني أسقط  في غيابة الجب العميقة وعندما هممت بالخروج امتدت الأيدي  لكن لتدفع بي عميقاً في وحل الإدمان.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

تأملات في اللغة وأشياء أخرى

-١-       يذكر كيف أنه كان صبياً مشاغباً رغم قصر قامته – الأقصر بين أقرانه – و…