f9353455b2cbf1cf5234f70051ad35df

**

عذراً زاويتي اليوم ليست مقالاً وإنما واقع حال.. هي خاطرة وإن طالت فأمهلوها..مررت مؤخراً على عدد من الأحداث التي استدعت إلى ذاكرتي الكثير مما سمعت وشهدت.. سأقفز على بعضها خطفاً سريعاً لعلي أنقل بعضا من اختلاج المشاعر الذي أصابني..

***

تقدم خطوات واثقة نحو أخته ومن ثم سألها باقتضاب “وين انت من الصباح ودا لبس شنو”قالت لا مبالية ومتخطية إياه “في الجامعة حأكون وين يعنى؟!”

 شدها من خلفها حتى اختل توازنها وكادت أن تسقط “جامعة شنو لى نص الليل” فنظرت إلى الشمس التي لم تكد تغرب بعد ثم نظرت إليه “انت بتتلكك ولاشنو؟!”

فما كان منه إلا أن صفعها بكل قوة “بتلكك يا قليلة الأدب”..

لمن تصرخ.. ومن تنادى.. وقد قرر أخاها أن مغيب الشمس انتصاف لليل..ووالدها شيخ كبير يجد في تصرف ابنه إسرافاً في العنف إلا أنه  يرى فيه شيئاً من النخوة والحمية فدائماً ما يقول “الولد دا زول عرض”..أما الأم فكانت تصدق في المثل القائل “البت يفجخوها بصله قبل تبقى أصل” و-الفجخ- مصطلح يعنى التحجيم..

***

في إحدى دعوات الغداء كان هنالك صحن “الكمونية” ولمن لا يعرفها فهي طبخه تقوم في أساسها على أحشاء الخروف.. تلك الأحشاء التي تحتاج إلى جهد جهيد للتنظيف والتوضيب.. في جلسة الغداء بدأ الجمع يمدحون الطبق.. كم هو شهى ويشكرون يد الصانع التي تبادر للحضور بديهياً  أنها من صنع الزوجة إلا أنها قالت  ضاحكة “لا والله ماعملتا أنا عملها أحمد” والناظر إلى وجه أحمد ساعتها يعني تماماً انه غضب أشد الغضب إذ انه لم يكن يحب أن يعرف الحضور أنه الذي قام بإعداد الكمونية.. لتأتى أحاديث التلفونات المسائية “أحمد دا بى فلهمتو دى بعمل الكمونية”..

***

في احتفالية المولد السابق بميدان الخليفة.. دخلت وصديقتي على فوضى المكان تجولنا ووقفنا عند إحدى الحلقات.. كان بعض الدراويش يمرون في حلقات كنا جمع من النساء والرجال.. فتقدم احد منظمي الحلقة في حركة اندفاعية قائلاً “النسوان ورا الرجال قدام” ولما تباطأنا في تلبية غريب ندائه.. رفع صوته سائلاً “النسوان.. ورا.. فى مره بتقيف ليها قدام راجل؟!” لم يكن أعجب من سؤالي بالنسبة لي إلا رد النساء الواقفات بفرح العارف إجابته “لا.. لا”.. نفى مؤكد لا مكان لنا ولنزعتنا النسوية فيه.. رغم أنى وجدت في نفسي بعض الرغبة في التصحيح إلا أنه لا صوت يعلو فوق صوت الأغلبية في تلك الساحة.. فانسحبت وصديقتي.. إلى خيمة أخرى بعيداً عن تلك الحلقة قريباً من فوضى مجتمعنا..

***

مجتمع ترى بعض النساء فيه أن مساعدة الرجل في المطبخ منقصة.. كما قالت إحداهن لي مرة “يقولوا شنو الناس لو جوا لقوا راجلى واقف بغسل فى العدة”.. فقلت “يقولوا اللى يقولوا”.. لم تقبل ذلك إجابة بل أصرت على أن الشأن شأنها ومن المعيب عليها أن ترمي بواجباتها على زوجها.. وإن كان في المجتمع من لا يرى ضيراً من مساعدة المرأة في أعمال المنزل.. وإن رأوا في ذلك فضل من الرجل عليها.. ولما كانت محدثتي ربة أسرة وعاملة.. رأيت في حديثها تحامل على نفسها ربما فيه شيء من خشية المجتمع ألا يقال عليها فرطت في منزلها.. وقدر من تربية نمطية دارجة.. نحن هكذا وننشئ الناشئة على تلكم القواعد فتزداد ثباتاً فينا..

***

حضرت مؤخراً حديثاً مطولاً للإعلامية الأمريكية أوبرا عن تعزيز المرأة وتشجيعها.. لم يكن فقط حديثاً نسوياً كان حديثاً روحانياً.. نادتنا نحن النساء إلى أن نكتسب المعنى لحياتنا أن ندافع عن كياننا.. ألا نعطى من كؤوسنا حد الفراغ.. تحدثت عن تحدى الطموح والأحلام والتسليم في السعي وغيرها من الأمور.. إلا أنها كانت في كل مرمى حديثها تحث النساء على أن ينفخن الروح في أنفسهن فيعين أنهن خلقن لأجلهن..

***

ما أخذني لهذا الحديث إلا بعض الحوادث التي سمعت عنها أو قرأتها مؤخراً.. تحكي العنف الأسري.. الحق أقول لم تفاجئني تلك الحوادث فمثلها الكثير تحت عنوان “البيوت أسرار” ومثلها كثير تحت مسمى “عز المرة وليان”.. ربما تقدمنا ربما نالت المرأة منّا الكثير من الحقوق ولكنّا مازلنا ذلك المجتمع الذي عندما تنتصر إحداهن لنفسها يقال عنها “إمرأة ولا عشرة رجال”.. وعندما يتخاذل رجل ما ترى أصدقاءه يدعونه إلى ارتداء “الطرحة” لتغطية رأسه تشبهاً بالنساء.. مجتمعاتنا بطبيعة حالها وعلى اختلاف درجات الحال تحمل الطابع الذكوري.. قد يكون ذلك الحمل سافراً بفخر وقد يكون خجولاً على فكر.. إلا أنه لا تخلو بيوتنا منه.

***

تطول تعقيدات الأمثلة التي تدور في رأسي.. وكلما أتذكرها يحضرني كم النساء العاملات.. الحاملات لهموم أسرهن.. يحضرني قدر المبادرات الثائرات على قواعد المجتمع المجحفة.. نحتاج لمسيرة صبر.. إلا انه مادامت شعلة الإدراك متقدة.. فلابد أنها واصلة.. وتبقى الثورة عمل مستمر..

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

دخان

يا عين يا عنية يا كافرة يا نصرانية.. عين الفتاة تقد الوطا.. عين الصبي سيفاً مضي.. العين مس…