51748-vvEsCyChnwnwphGh

تناول الكتاب والأدباء شهر رمضان العظيم فأمعنوا فيه النظر واستخلصوا منه الدروس والعبر و وعاشوا بقلوبهم وعقولهم و وجدانياتهم أيامه ولياليه ثم كتبوا خلاصة ما أنتجوه على الورق ليتأمل فيه المتأمل وينهل منه المشتاق ويعتبر بما فيه المعتبر , وقد جرت العادة على الترحاب برمضان شعرا , لذا فاض الشعر بأبيات الإجلال والترحيب بهذا الشهر الكريم , وفي ذلك قال الشاعر الجزائري محمد الأخضر مخاطبا شهر رمضان الفضيل :

ذكر الناس عهودا    هي من خير العهود

يوم كان الصوم معنى    للتسامي والصعود

ينشر الرحمة في الأرض    على هذا الوجود

ومنها قول ابن حمديس الصقلي:

قلت والناس يرقبون هلالا   يشبه الصب من نحافة جسمه

من يكن صائما فذا رمضان   خط بالنور للورى أول اسمه                                                                                                   

 أما الشاعر محمود حسن اسماعيل الذي كتب أغنية الجندول فقد توجه بخطابه الى شهر رمضان المعظم متسائلا

أضيف أنت حل على الأنام    وأقسم أن يحيا بالصيام

قطعت الدهرجوابا وفيا        يعود مزاره كل عام

تخيم لا يحد حماك ركن        فكل الأرض مهد للخيام

نسخت شعائر الضيفان لما    قنعت من الضيافة بالمقام

 أما ما كتب نثرا فهو كثير فهذا هو  احمد شوقي أمير الشعراء الذي شغل الناس بشعره الجميل وقصائده المتميزة , يتحدث عن الصيام وفوائده في كتابه النثري الوحيد  ( أسواق الذهب ) فيقول مبينا معناه وحكمته وآثاره(( الصوم حرمان مشروع . وتأديب بالجوع .وخشوع لله وخضوع . .لكل فريضة حكمة وهذا الحكم ظاهره العذاب , وباطنه الرحمة  , يستثير الشفقة , ويحض على الصدقة , ويكسر الكبر , ويعلم الصبر , ويسن خلال البر , حتى أذا جاع من ألف الشبع , وحرم المترف أسباب المتع , عرف الحرمان كيف يقع , والجوع كيف ألمه اذا لذع))

أما ابو  حامد الغزالي فقد كتب في كتابه أحياء علوم الدين عن الصوم موضحا بأنه ليس مجرد امتناع عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الى غروب الشمس وانما يتعدى ذلك الى جملة من الاحاسيس والمعاني الرفيعة والمشاعر النبيلة التي تنأى بعقل الانسان وقلبه وجوارحه عن فعل الشرور وارتكاب الآثام بل وعن مجرد التفكير في الايذاء وتدبير المكائد والمؤامرات بحق الغير ولذلك فقد قسم الغزالي الصوم الى ثلاث مراتب فقال (( ان الصوم ثلاث درجات : صوم العموم , وصوم الخصوص , وصوم خصوص الخصوص . أما صوم العموم فهو كف البطن  والفرج عن قضاء ا( ان الصوم ثلاث درجات : صوم العموم , وصوم الخصوص , وصوم خصوصان الصوم ثلاث درجات : صوم العموم , وصوم الخصوص , وصوم خلشهوة . وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد وسائر الجوارح عن الآثام . وأما صوم خصوص الخصوص : فهو صوم القلب عن الهمم الدنية والافكار الدنيوية , وكفه عما سوى الله – عز وجل – بالكلية , ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله –عز وجل – واليوم الآخر , حتى قال أرباب القلوب : من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة , فان ذلك من قلة الوثوق بفضل الله – عز وجل – وقلة اليقين برزقه الموعود ))

ولا شك أن لهذه  التقسيمات معاني ودلالات تهدف الى الارتقاء بالانسان المسلم ليصل الى اعلى مراتب الرقي الروحي حتى يكون عبدا خالصا لله بالكلي’ , والناظر الى مانحن فيه اليوم ربما يرى في بعضها قدرا من المبالغة لان الانسان في نهاية المطاف جسم وروح , ولا بد لكل منهما أن ينال نصيبه من الاهتمام والاشباع .

 وقد كتب الامام محمد عبده عن الصوم فاعتبره سرا وعلاقة خاصة ومباشرة بين العبد وربه , فالصائم يدرك أن الله مطلع عليه ومراقبه أنى ذهب وارتحل , وأنى يمم واتجه , , وهو ما يجعله صبورا ومقاوما لاهواء نفسه , يقول محمد عبده (( ان أمر الصيام موكول الى نفس الصائم لارقيب عليه فيه الا الله – تعالى – وهو سر بين العبد وربه , ولا يشرف عليه أحد  غيره – سبحانه وتعالى – فاذا ترك الانسان شهواته ولذاته  التي تعرض له في عامة الاوقات لمجرد الامتثال لامر ربه , والخضوع لارشاد دينه مدة شهر كامل في السنة , ملاحظا عند عروض كل رغبة له من رغائب النفس أنه لولا اطلاع الله-تعالى- عليه ومراقبته لما صبر عن تناولها وهو في أشد الشوق اليها , لاجرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله – تعالى – والحياء منه – سبحانه وتعالى – أن يراه حيث نهاه , وفي هذه المراقبة من كمال  الايمان بالله – تعالى – والاستغراق في تعظيمه  وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس , ونزاهتها في الدنيا , ولسعادتها في الآخرة ))

وفي رمضان نرى كثيرا من الصائمين يقضون فترة المساء في تناول مختلف الأطعمة،ويحشون أمعاءهم  بألوان مختلفة من الطعام،وقد يأكلون في شهر الصيام أضعاف ما يأكلون في غيره،وأمثال هؤلاء لا يستفيدون من الصوم الفائدة المرجوة.

وفي ذلك يقول الشاعر معروف الرصافي  وهو يصف بعض الصائمين الذين يتهافتون على الطعام غير مبالين بالعواقب:

وأغبى العالمين فتى أكول** لفطنته ببطنته  انهزام

ولو أني استطعت صيام دهري** لصمت فكان ديدني الصيام

ولكن لا أصوم صيام قوم** تكاثر في فطورهم الطعام

أما الاستاذ مصطفى صادق الرافعي فقد كتب عن معاني ودلالات الصيام وما ينبغي أن يرتبه من آثار على الفرد والجماعة فقال : (( الصوم فقر اجباري تفرضه الشريعة على الناس فرضا ليتساوى الجميع في بواطنهم , سواء منهم من ملك المليون من الدنانير , ومن ملك القرش الواحد , ومن لم يملك شيئا , كما يتساوى الناس جميعا في ذهاب كبريائهم الانسانية بالصلاة التي يفرضها الاسلام على كل مسلم , وفي ذهاب تفاوتهم الاجنماعي بالحج الذي يفرضه على من استطاع . فقر اجباري يراد به اشعار النفس الانسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح , أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها , وأنها انما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لاحين يختلفون , وحين يتعاطفون باحساس الالم الواحد لا حين يتنازعون باحساس الاهواء المتعددة )) ويستطرد فيقول (( ان الناس لا يختلفون في الانسانية بعقولهم , ولا بانسابهم , ولا بمراتبهم , ولابما ملكوا , وانما يختلفون ببطونهم واحكام هذه البطون على العقل والعاطفة , فمن البطن نكبة الانسانية )) 

وهكذا يرى الاستاذ الرافعي في الصوم تأديب وزجر وتهذيب وضبط لشهوة البطن بالخصوص وقد اعتبرها نكبة الانسانية وخاصة حين يسير الناس أمورهم ببطونهم لا بعقولهم , أي حين تصبح المادة هدفا أخيرا ونهائيا للسلوك البشري , وتنبهنا كلمات الرافعي الى مافي أركان الاسلام الخمس من معاني العدل والمساواة بين البشر , فحين نصلي ونصوم ونحج فاننا نحقق أو ينبغي ان نحقق كل معاني العدل والمساواة والاخوة مهما كانت أوضاعنا الاجتماعية ومواقعنا في الحياة .

 ويرى الاستاذ احمد الزيات في الصوم توحيدا للامة الاسلامية في مشارق الارض ومغاربها فيقول (( أليس هذا الشهر المبارك مظهر الاشتراك الروحي بين المسلمين في جميع أقطار الارض ؟ يصومون في وقت واحد , ويفطرون في وقت واحد , ويكادون يتفقون على طعام واحد . ثم ينصرفون عن اللذات الحسية والنفسية , ليتجهوا بالتأمل والتعبد والخشوع الى الله , فيغضوا أبصارهم عن المنكر , ويكفوا ألسنتهم عن الفحش , ويصموا آذانهم عن اللغو , ويغلو ايدهم عن الاذى , ويصدوا أهواءهم عن السوء , ثم يسمتون جميعا صائمون ومفطرون سمت الصالحين فيتقون الشبهة , ويصنعون المعروف ويتقلدون تقاليد رمضان , ثم  يشاركون المساكين في طعامهم تكافلا ورحمة , ويؤتون الفقراء من أموالهم تعاطفا وصدقة , ويولمون الولائم لاخوانهم تواصلا ومودة , ويشعرون أن اجسادهم المتفرقة المختلفة يسري فيها روح واحد يصدر عنه هذا الوجود المتحد , وهذا الشعور ا لمشترك ))

وقد نظم الشعراء في ليلة القدر وفي فضلها القصائد العصماء الجميلة ومن هؤلاء الشعراء الشاعر علال الفاسي الذي نظم هذه القصيدة في ذكرى مرور اربعة عشر قرنا على نزول القران الكريم ونجتزىء منها هذه الابيات يقول الشاعر :

يا ليلة القدر التي شرفت به      وسمت على الف الشهور تنزلا

فيك الحضارة كلها قد جمعت      وبك الهنا للعالمين تأثلا

انا لنحيى فيك ميلاد السنا      والمجد والعرفان يوم تأصلا

انا لنحيى فيك ايمان الورى      بالله والانسان يوم تحملا

انا لنحيى لحظة الانس السعيدة      في حراء وسرها المتنقلا

ذكرى نزول الوحي في ارجائه      ومحمد  يصغي لما قد أنزلا

واذا بدنيانا حراء كلها        وكأن جبريلا يردد ما تلا

وكأننا من حول أحمد خشع       جمع الزمان به فيا ما أجملا

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لا يموت الشاعر

الشاعر: عمار شرف الدين يفضل غفوة كتابةٍ أبدية يعالج فيها نصاً أرّق حياته  تصلح غفوته الطوي…