tahrer-37711-2

أهل علينا رمضان و أقبلت علينا خيراته و بركاته ، وفقنا الله فيه للصيام و القيام و صالح الأعمال الصالحات -آمين- ، و جعله عتقًا لنا من النيران …

أقبلت علينا فرصة شهر للتغيير ، أو على الأقل : فرصة لبدء التغيير

رمضان في الأصل فرصة للتجديد ، تجديد النفس بروحانية لا تتوفر إلا فيه ، ففلسفة الصيام فيه تقوم على الامتناع الجزئي عن بعض الحلال فضلًا عن الامتناع الكلي عن سائر المحرمات . بعض الحلال الذي يتعلق بالذات بالجانب الاستهلاكي ، يدعمه في ذلك استحباب الزيادة في العبادة الشعائرية ، لما فيه من تعظيم أجرها في هذا الشهر الفضيل

من خلال كل هذا يتضح أن رمضان فرصة لتجديد النفس ، تجديد تجلي الروح فيها … فرصة للتغيير

و قد يعترض علينا معترض ، خاصة ممن يرفعون شعار العلمانية ، بقوله : رمضان متعلق بالعبادة الشعائرية ، و التي لا تأتي أكلها إلا على آتيها ، فهو في الأصل فرصة متعلقة بالفرد دون الجمع ، لذلك سيكون من سياق تضخيم الأمور جعله فرصة للتغيير !

و في هذا السياق نقول ابتداءً : إن أصل التغيير في المستوى الجمعي هو التغيير على مستوى الفرد ، و سنرى هذا في بقية مقالنا هذا …

و قد قلنا في سالف السطور أن رمضان فرصة لكي يقوي الفرد جانبه الروحاني ، أو بمعنى أصح : يقوي فيه الفرد علاقته بجانبه الروحاني … و ليس يعنينا هنا بمن لا يؤمنون بالروح ، بل يعنينا أن نوضح كيف يكون ذلك لمن يؤمن بها

و في هذا السياق قد يصح القول بأن هندسة المعمار تمثل روحه ، و بمعنى أعمق : النسق الجمالي الذي يحمله المعمار ، و الذي يعبر عن خصوصية صانعها الثقافية ، تمثل روحه … و بالقياس على هذا يمكن القول بأن وراء تشكل الجسد الإنساني و تماسكه هنالك روح تجمعه كي لا يندثر ، تمثل فكرة تشكل الجسد … و لا تتوقف الظاهرة الإنسانية عند هذا الحد ، فليس يوجد غيره في هذا الكون المادي له إمكانيات : العقل و الحرية و الدين و الفن وووو …. سائر الخصائص الإنسانية ، و التي يعلمها الجميع لأنها صارت شعار العصر !

إن المتأمل في هذه الخصائص لا يمكنه إلا أن يسلم بوجود سر يجعله يتميز بها ، فعلى سبيل المثال : قوام كل هذه الخصائص من وجهة نظر سببية هو الحرية ، و الحرية هي السر الذي أعجز هذا المبدأ ! … و لما كانت الفكرة هي التي تحدد كيفية تشكل الشيء ، و كانت الروح -مبدئيًا- هي فكرة تشكيل الجسد ، فلابد أن تكون هي سر هذا الانعتاق الإنساني ، أو بمعنى أصح : التعالي الإنساني عن الوقوع في حتمية السببية

قد يقول قائل :  إن طبيعة المادة هي التي تحدد إمكانيات تشكيلها ، قلنا بأن الإبداع يثبت دائمًا بأنه قادر على تجاوز الإمكانيات التي تطرحها المادة ، بل إن معنى الإبداع هو هذا التجاوز … فضلًا عن أن التأمل في المادة بالمتسلسلة التفكيكية اللامنتهية ، تثبت بأنه في التشكيل لا يوجد إلا الإبداع ، لأن ما يقال عنه : إمكانيات تطرحها المادة ، هي في حقيقتها إمكانيات يراها العقل فيها ، و هي ليست كامنة فيها !

و إذا كانت الروح هي أصل الإبداع ، فلابد أنها بحكم اتصاف الخصائص الإنسانية به ، هي أصل الإبداع … فقد رأينا بأن التعالي عن المادة ، هو الإبداع

و قد يفهم في عصر أصبح التفكير فيه يتصف بثنوية العلمانية ، بأن حديثنا عن هذا التعالي يعني الانفصال عن عالم المادة ، بالرغم أننا قد أوضحنا في سالف المقال بأن الإبداع تتعالى عن المادة لكي تبدع فيها ، و بالتالي لا انفصال في هذا التعالي ، و بالمقابل لا غرق فيها ، حتى يتصف الإنسان الغارق فيها بالاستهلاك !

و قد يبدوا محيرًا حديثنا عن الاستهلاك ، في ظل غموض علاقته بالسببية … و في هذا السياق نقول : إن الاستهلاك في معناه من زاوية نظر معينة هو الغرق في السببية ! أي من زاوية النظر التي يريد رمضان تقويمها ، فالإنسان المعاصر صار شرهًا في استهلاكه ، حتى عجزت الأرض عن توفير متطلبات هذا النهم الاستهلاكي …

فالاستهلاك عمومًا هو استعمال مادة من أجل توفير طاقة حركية لمادة أخرى وفق قانون السببية ، و الجسد هو مادة من المواد التي تحتاج إلى توفير طاقة حركية من أجل استمرارية وجوده في هذا العالم المادي … و الفرق بين الاستهلاك القويم و الاستهلاك النهم ، هو أن الأول لا يحتاج إلا إلى ما يحتاجه ، بينما الاستهلاك النهم يأخذ أكثر مما يحتاج ، فيكون الزائد عن الحاجة طاقة حركية ضائعة ، بل طاقة حركية مفسدة ، لأنها أخلت بميزان الوجود المادي ، الذي لا تدركه إلا العقول التي تخلصت من طغيان سببية المادة (حتى تقف على منصة الإبداع الروحانية)

ليت شعري ، ما بال أقوام ممن نتأسى بهم اليوم –بكل أسف- يدعون أن الإنسان إذا جاع أكل تلقائيًا –في محاولة منهم لتأصيل شراهة الاستهلاك- ، و لا يرون ذلك الذي يجوع و مع ذلك لديه القدرة على الامتناع عن الطعام ! … ليت شعري كيف دفنوا الروح الإنسانية في قالب سببي أصم … و ما ذلك إلا لأنهم عجزوا عن التفريق بين الفكرة و صورتها على المادة

ليت شعري ، ما بالهم يهرطقون و يقولون بأن الحرية في الانفلات من الدين ، و الذي يقتضي لزومًا إنكار عالم الروح ، أي أن التحرر يكون بالغرق في عالم السببية ، و ما عالم السببية إلا قيود لا تنتهي ، و ما عالم الروح إلا حرية لا تنتهي !

ألا إنهم قوم تقودهم بطونهم و فروجهم ، فانظر تجد أحد أكبر كهنتهم (فرويد) يدعي بأن الدافع الأول لكل إنسان هو الجنس ! … ألا إنهم أقوام شوهت في أبصارهم صورة الإنسان ، فتشوه قولهم بتشوه عقولهم ، حتى صرنا نسمع عن المازوخية و السادية !!

إن المتأمل في عالم اليوم ، يراه غارقًا في الاستهلاك ، حتى صرنا نرى طبقية واضحة بين البشر ، فما بين محتاج قطرة ماء أو رغيف خبز ، و ما بين من يبذر تبذيرًا لم تقدر على تلبية مطالبه حتى الكرة الأرضية ! … و كيف يرى الغارق في الاستهلاك غيره و هو في غرقه هذا ؟؟ !!

بل إن الحفاظ على هذا التوتر العالي (و الذي قلنا في موضعين فيما سبق بأنه توتر مفسد) يدفع الغارق فيه إلى قتل الغارق في الجوع ، إذا وجد بينهما رغيف خبز ! … إنك تجد الغارق في مثل هذا التوتر العالي اختلطت عليه الأمور ، فظن أن هذا التوتر العالي هو من الروحانية ! … و إن في فلسفة الحلولية و وحدة الوجود ، باع كبير في هذا الخلط –و لا يسعنا المقام لشرح هذا-

و انظر تجد أمريكا ، و هي التي تعاني من مشكلة السمنة ، و هي في نفس الوقت : المعبد الأول لملة الاستهلاك ، تجد أفرادها –إلا ما رحم ربي- غارقون في الاستهلاك … من تجليات الاستهلاك الأخرى : هوس الشباب و حتى الشيوخ بمشاهير الغناء و السينما ! تجدها هي أصل اللحن الاستهلاكي الشاذ حد الجنون ، و الذي يسمى : Rock And Rol !

و لسنا بحال أفضل منهم ، فإنه فضلًا عن أن مسيرة تقليدنا الأعمى لهم في مثل هذه الظواهر العمياء ، و حتى في أشباه مثقفينا ، الذين يدعون بأن التحضر و قوة الدولة تقاسان بتوفر إمكانية تحقيق هذا المستوى الاستهلاكي المتعالي ! فإنه لا معنى تفسيري لكمية الطعام التي ترمى في مزابل المسلمين في شهر رمضان ، إلا أننا بالفعل غارقون –و لو بدرجة أقل- في الاستهلاك … لولا فضل الله و منته علينا بديننا القويم

لا معنى تفسيري لتقديس آذان المغرب في شهر رمضان ، إلا أنه يمثل إيذان لانطلاق ماراطون الأكل ! و كأن الصائم كان يشحن جوعه طوال يوم رمضان ، حتى ينطلق في ماراطونه ، كمثل الرامي الذي يشحن سهمه بالطاقة الحركية من قوسه بسحبه أكثر إلى الوراء ، فيرتد سهمه بسرعة جنونية إلى الأمام !

إن الإنسان المعاصر قد دفن في الاستهلاك ، و هو اليوم يقتات من بقايا حضارة هي في مرحلة السقوط …

على هذا فإن مستقبل البشرية لن يكون في مزيد من الاستهلاك ، كما يدعي المجانين و أشباه المثقفين ! بل سيكون في التقلل منه إلى الحد الذي يكفي الفرد ، أي إلى الحد الذي يكون غير مفسد بالتقلل ، و في نفس الوقت غير مفسد بالإسراف … و هو الدرس الذي يعلمنا إياه رمضان ، بكل جوانبه

إن رمضان فرصة لإحياء النفس و إحياء العقل بها ، بالتقرب إلى الروح أصل كل صلاح ، صلاح العقل و النفس … و مما يدعوا إلى السخرية أن إنسان الغرب اليوم ، حكم عقله في ترشيد استهلاكه ، في جانبه البطني فقط ، بحسابه للكربوهيدرات ! و يا ليته كان حسابه من أجل صحة جسده منعًا من فساد الإسراف ، بل إن الغالب في مراده من هذا هو الجسم الرشيق ، جاذب الجنس الآخر ! أي أنه يمتنع عن الاستهلاك الأصغر من أجل الاستهلاك الأكبر ، تحقيقًا لدعوى كاهنهم الأكبر “فرويد” !

ملخص الحديث … رمضان فرصة للتغيير ، للتغيير في الفرد و المجتمع على حد سواء ، فهو لا يطهر الإنسان كفرد فحسب ، بل يطهره كفرد اجتماعي ، من حيث تقويم ثقافته ، و لا شك أن الثقافة إذا اعتدلت اعتدل بها واقع الفرد الاجتماعي ، إن من الجانب النفسي أو الفكري أو العقلي أو حتى الجسدي ! … إنه لا يفضي إلى استرجاع إنسانية الإنسان فحسب ، بل يفضي إلى استرجاع إنسانية المجتمعات الإنسانية من براثن الاستهلاكية النهمة … إنه يدعوا إلى الاعتدال في وجود الإنسان ، بعقلنته بأجل معاني العقلانية ، ألا و هي : عقلانية الروح …

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رمضان

مرة أخرى يهل علينا شهر رمضان المبارك ، و مرة أخرى يهل علينا و أوضاع الأمة الإسلامية في ترا…