0e34474e6dfa0d

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

هذه القصة من أعمال الطيب صالح التي لم تجد طريقها للانتشار والذيوع عكس بقية أعماله, وما يميزها هو غموضها, واستعصائها على الفهم, لأنها تبدو كطلاسم لا يربط بين أجزائها أي رابط, والأفكار المتقطعة والمبعثرة لا يمكن للعقل ترجمتها إلى معنى مطلقاً, وذلك هو أول الأسباب وراء عدم انتشارها, إذ ما يلبث القارئ يصارع غموضها حتى ييأس ويأخذه النصب, فينصرف عنها إلى غيرها. وأذكر أني لما قرأتها للمرة الأولى, لم يعلق بذهني منها أي جزء, وبالتالي لم أفهم لها معنى أو مقصد. إنما هذا الشعور المستفز كان دافعاً حقيقياً للبحث, كما أنه لا يستقيم أن يكتب الطيب صالح قصة بلا معنى!

القصة مكتوبة في عام 1972م ونُشرت بعد عام في العدد الثاني من مجلة الثقافة العربية, وأعاد الكاتب كتابة الفقرات الأولى منها, فكُتبت مرتين, كما أنها تُرجمت مرتين, ترجم النص الأول “دنيس جونسون ديفيز” وترجم النص المعدل “كونستانس بركلي”, وكتابتها في هذا الوقت تعني أنها تزامنت مع كتابة رواية “مريود”, وبعد نشر “ضو البيت” وقد ذكر الطيب صالح في القصة “ود الرواسي” وهو من الشخصيات الرئيسية في مريود, ومن شخصيات الكاتب الرئيسية, إذ يبدو أيضاً في “ضو البيت” و “عرس الزين”, وود الرواسي يمثل خيطاً رابطاً بين “الرجل القبرصي” و “مريود” التي صدرت بعد زمن من كتابة القصة, وقد كتب في إهداء الطبعة الأولى من مريود:

“إلى روح أبي محمد صالح أحمد, كان في فقره غنى, وفي ضعفه قوة, عاش محباً محبوباً, ومات راضياً مرضيّا”

فقصة “الرجل القبرصي” كتبت بعد وفاة والد الكاتب, مما يعني أن فقد الوالد كان هو دافع الطيب صالح لكتابة القصة, وهي قصة قصيرة, ولا تحتاج من الوقت ما تحتاجه الرواية, وكأنه يبحث عن عزاء مستعجل, أو كأنها مرثية تعبر عن فاجعة الابن بفقد الأب.

القصة فلسفية شعرية رمزية متوغلة في العمق, بعيدة المرامي, أخفى بين طياتها الكاتب آلامه, وحزنه, في أبعد نقطة يمكن أن يصل إليها انتباه قارئ, وكأنه لا يريد أن يفهم القصة إلا من يقف حقيقة على ما دفعه لكتابتها, ومن يعنيه بتلك المقاطع البكائية قبل نهايتها. لذلك كتبها برمزية عالية؛ حيث “الخَدَر” الذي أصاب أطرافه هو رمز للتخاطر عن بعد بينه وأبيه المحتضر, ويعني ذلك أن شخصاً تحبه يتذكرك في اللحظة التي يصيبك فيها هذا الخَدَر. كما أن الألم الجسدي والنفسي, وغيبوبة الحمى, والقشعريرة والهلوسة والعجز عن التصرف والحركة والإستغاثة وطلب النجدة, بل والعجز حتى عن رفع سماعة التلفون (وهذا مذكور في القصة), كل هذا الحال البائس يحدث والوالد في النزاع الأخير, ويحدث الإنتصار على هذا الموت المؤقت حين تفيض روح الأب, وبعد الوفاة يقول الكاتب عندما يصحو في الرابعة صباحاً (قبيل صلاة الفجر):

“اختفت الآلام إلا من إحساس بالإعياء, وإحساس بيأس شامل, كأن الدنيا بخيرها وشرها لا تساوي جناح بعوضة, بعد ذلك نمت”.

وتبدو هنا وجودية الطيب صالح, إذ ينتهي به الأمر إلى الازدراء بالدنيا, ولا جدوى العمر بعد وفاة والده, وقد تكون لديه رغبة في الموت أيضاً بطريقة ما.

ومن المعروف عن الطيب صالح ثقافته العالية, ولذلك فالملاحظ في أعماله أنها ذات مستويين, أحدهما بعمق فلسفي تجريدي يظهر مع عمق القراءة مثل “موسم الهجرة إلى الشمال” والآخر أدبي في ذاته كالذي في “مريود”, ولكن في هذه القصة قد جمع بين المستويين في ذات اللحظة, إذ تبدو الأحداث في سطح الجمل عادية, وكلما توغلت في التأويل والمقاربة تتبدى لك الأعماق الفلسفية المجردة, فتأمل قوله على لسان الرجل القبرصي عندما سأله عن جنسيته

” بعض الناس يحسبونني إيطاليا وبعضهم يحسبونني روسيا ، وبعضهم ألمانيا .. أسبانيا .. ومرة سألني سائح أمريكي هل أنا من بسوتولاند . تصور . ماذا يهم من أين أنا ؟ وأنت يا صاحب السعادة ؟ “

قد يكون هذا رداً من رجل مخبول لا يدري من أين أتى في حال القراءة العادية, ولكن عندما نعلم أنه يتحدث عن الرجل القبرصي ستختلف طريقة تفكيرنا تماماً. لأن الرجل القبرصي هذا المحير والمتماهي, والزئبقيّ الملامح, يقول عنه الكاتب: “رأيته في زيه الرسمي” قال ذلك عندما حضر إلى “ود حامد” وزار قبر والده, وكان الرجل القبرصي عند القبر, أي بعد فراغه من عمله الرسمي, هذا يعني شخصية واحدة فقط لهذا الرجل, وهي الموت, ويثبت ذلك ويتضح أكثر من قول الرجل نفسه في ذات اللقاء عند قبر الأب:

“لن تراني على هذه الهيئة إلا آخر لحظة, حين أفتح لك الباب, … إحترس لن يكون أبوك موجوداً في المرة القادمة ليفديك بروحه, إحترس الأجل مسمى, فإنك تصعد قمة الجبل”.

في دلالة منه أن أجل الإبن (الطيب صالح) أيضاً اقترب, وكأن الأب بموته قد فدى الإبن بروحه, وهو –أي الموت أو الرجل القبرصي- قد يظهر في أشكال أخرى غير هذا الشكل الرسمي, كأن يظهر في شكل فتاة, أو رجل عادي كالذي قابله الكاتب في بداية القصة. أما جعل الموت في شكل إنسان, أو رجل, فهو معنى مستخدم عند الكاتب, ففي مقالاته عن صديقه “أكرم صالح” يقول إنه قابل أكرم قبيل وفاته, وجلسا وتحدثا, وكان الموت قريباً منهما (يسمع ويبتسم), وهذا يتطابق مع شخصية الرجل القبرصي.

ومن تشخيص الطيب صالح للموت بتلك الأوصاف, يبدو أنه يبحث عن إجابة لسؤال وجودي, ما هو الموت, أي شئ يكون؟ ويجيب بالآتي:

“- ما هو الموت ؟ شخص يلقاك صدفة ، يجلس معك . كما نجلس الآن ، ويتبسط معك في الحديث ، ربما عن الطقس أو النساء أو الأسهم في سوق المال . ثم يوصلك بأدب إلى الباب . يفتح الباب ويشير إليك أن تخرج . بعد ذلك لا تعلم .”

الحوار بين القبرصي والكاتب في بداية القصة يعبر عن مواضيع كثيرة تشغل الكاتب: العمل في الحكومة, وما ينبغي فعله في الحياة, والتعامل مع المال, الأديان, اليهود, النساء … ثم يسرد قصة الفتاة التي تسبب الرجل القبرصي في أذيتها, وربما موتها وقتل السعادة التي كانت تغمر الأسرة, فيحزن الكاتب, ويستدعي “ود الرواسي” كرمز لقومه وبلده باحثاً عن العزاء والأمان. وتنتقل القصة بين مختلف الأماكن والأزمان والموضوعات والأشخاص, وهذا ما قد يسبب قطع حبل الفهم والأفكار.

إذن فالقصة في الأصل وعاء بارع الصنع, أفرغ فيه الكاتب عزاءه ورثاءه لوالده, بمهارة هي من طبعه, وحنكة وبراعة في الرمز هي سجيته, ولو أن بعضاً من رموزها لم يستقر في فهمي إلى الآن.

ثم أنا في سبيل بحثي عن أي معلومة وخبر عن هذه القصة, صادفتني قصة لا تقل براعة و استعصاءً على الفهم منها, والغريب أن عنوانها (الرجل الأثيري) وهي بنفس النهج الفلسفي الشعري للطيب صالح, وهذه القصة كاتبها هو الروائي “منصور الصويم” في مجموعته (طقس العناكب) إذ يستخدم منصور في القصة أسلوب يخصه للانتقال السردي بين الأحداث, وهو يشبه عندي تحول ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين إلى جزيء ماء .. دقيق وغامض وضبابي, يجعلك تائهاً مشدوهاً في حال لم تستخدم كل ذرة تركيز, تفرغ من القراءة لتعيدها, فتحصل لك المتعة, ولا يرتوي شغفك لإعادة قراءتها. وقد أشار في نهاية قصته –أقصد منصور الصويم- إلى الرجل القبرصي, والرجل المشع, وهذا الأخير لم أعرف له نسباً. وأعتقد أن قصة الصويم ستواجه ما واجهته قصة الطيب صالح في نصيبها من الانتشار لذات السبب.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…