ينطبق الخصر الضامر كفرع اراك غض،تتلوى معه السواعد،ترتجف الارجل تهتز ويهتز الصدر،ترتفع كرتيه، تنزل كموجة، ثم تعاود الارتفاع ،ثمة ثمار تتدلى بأريج عطر المحلب وضفائر تسيل كنهر النيل، جيد كفص عدار رواه الخريف بصافي ماءه يتقوس في دعة وفتون، يجن جنون الجمال فينبري في فتون ساحر تواريه البهجة، تغازل السواعد البهيجة الخصر بدغدغات حميمة فينفجر رقصاً سحري منساب مع سيل النغم، يعلو شدو العصافير الحان ومزامير طروبة، قلب الدف يخفق بأنامل سحريه وصوت ملائكي يتفرد بالنشيد زغاريد.
ينعدل الخصر الضامر، وينعدل معه الجيد، تهتز الاطراف فترتج المؤخرة، السواعد تتلوى في الهواء والارجل تتمطى تنزل الصاعقة تصعق كل نفس تواقة للحسن تخفق القلوب كما الدفوف تعلو وتهبط وهي تسبح ببهاء الجسد،الساقين احدهما مائل والاخر عمودي ، تظهر باطن القدم مع حركة الصعود والنزول للساق المائل.
ينكسر الخصر الضامر ثانية كشعاع لاقى جسم معتم وينعدل الجيد، تنزل امواج الصندل دخان بارد يحي الروح مع زغاريد الفرح، الصدر الان كرتاه في تمام نفورهما والمؤخره ترتج، صعود ثم هبوط نفور ثم ضمور وباطل القدم يتبسم كصبح يراود الليل ويتمنع، ترتج المؤخرة، الأرداف تصدر أزيز حنين، زغاريد ثم صياح، صوت الدلوكة صاخب، ثمة نقود تتدفق على الصدر الجامح -مثل سحابة داكنه انبعجت في حين غرة-الجيد منكسر للوراء والمؤخرة تواصل الرج، زغاريد صاخبة من ثم هدوء ليحجب ثوب (القرمصيص*) القمر عن الحضور ريثما تبدأ ترانيم الاغنية الجديدة.
تهتز اليد بسوط (العنج*) عريسا جديدا يحضر رقص عروسه مستمتعاً بثمار الجسد، يصرخ بعض الشبان المشرقين بصياح البهجة، عقد من الجلابيب البيضاء الناصعة يجلس ببهاء على كراسي الصنوبر الملمعة. تحيط بهم جموع النسوة واطفال فضوليين، حفلة الرقص تشعرك بالفخر والخيلاء، الطقس معتدل وكأنه قداس القيامة،ثمة امرأة حصيفة تمسح رؤس العقد الابيض بعجينة من الصندل والقرنفل، يبتسمون ويلوحون بأيديهم مبشرين، بعضهم يلوح بعصا مزينة بأسلاك نحاس وخرز اخضر، آخرين في أيديهم سياط من جلد الماعز، أنت صاحب السوط الأنفس من جلد التيتل!.
بدأت الرقصة الثانية ثم الثالثة، لينتهي الرقص وتبدأ رحلة طوافك المشهودة، سيرة لعريس حول بيوت اهله، الجميع حاضر إذاً ستكون الحفلة بهيجة ربما تزيد أيامها عن الأسبوع المعتاد لحفلات الزواج ،لم يخالجك شك بأن النساء سترقص رقصة الأُم قَرَضْو* الدِينارية*، وان الفتيات النشطات سينطنّ بكل ما اوتين من بهجة مع دف ( الكَجَنْجَن*)، ثمة ألعاب غريبة عن القرية ستلعب حلقة للسَنّجَك* وأخرى للعِريج* وثالثة لأم رُودُس* ،ستصيح الدفوف الكبيرة منها والصغيرة معلنة عن زفة بنت الشيخ كرامة شيخ اللادوب؛ القرية التي فيها كل الاطياف وتنتمي الى كل الجذور العميقة.
أتوا للحفل من دور وهشابه، الطينه، طويلة ،قريضة، ثانية افندو، من أمبرو ومن كل حدب وصوب؛ سكتون حلفة اسطورية. انتابك ذلك الشعور وانت تبشر بسوطك من على ظهر الجواد لم تكن سيرة عريس، بل هي تظاهرة ثقافية ومؤتمر للتعايش حضره البدو الابالة وبعض البدو من اقصى الشرق والشرق القريب، اتوا ليزفوك من “ياسين” الى “عديلة”، شهدت تظاهرتك تلك سباق للخيل والهجن كانت استثنائية كما ظننتها لذلك تبقي عليها الذاكرة المكتظة بالمشاهد، ذاكرتك الخربة رغم طول السنين وموات الامنيات ألان تتذكرها بعد ست وتسعين عجاف قضتهن في سبر كُنُه الاشياء وخلصت الى اللاشيء، تفرقت بلدك الى قطع صغيرة متنافرة من ظلال كاذبة، مثل شظايا المرايا وتعددت انعكاسات الصور الخيالية دويلات أكثر من عدد أصابعك، حروب طائفية وأهلية، تنازع في الحدود الوهمية ،الان تتراءى لك صور الفرسان وهم يلوحون بالسيوف للعريس من على ظهور الخيل والنساء يزغردن، الشيوخ على ظلال أشجار السنط يرقبون الحفل بعيون متلصصة يستعيدون فيها أيام الصبا والفتوة.
كانت ليلتك حمراء، رغم دكن الفضاء الذي اصر على اصباغ الافق بلون السخام، حمراء مثل القرمصيص المخطط بخيوطه المصفرة بعنت أمام الحُمرة المضرجة المستبدة بفضاء الثوب، حمراء مثل أي ليلة اولى لعريس استدعى خزائن الفرح المكتنز من المقاطعة السابعة لعقله، تتربع على عرش حمرتها المعبقة ببخور الصندل واريج المحلب الذي ازعج المزارعات الجميلات اللواتي عملن على جنيه من حقول الهند خصيصا لفتاة من فصيلة الحوريات السود، القمر الذي توارى خجلاً من جبين عروسك الجديدة، أعطى ضوء سراج الكيروسين قداسة تماثل قداسة نار المجوس في مجاهيل بلاد فارس، توهّج جدار قطيتك المغطى بالبروش الحمراء مثل ليلتك، ققطع المرايا الموزعة عليه منحت الليلة ابتسامات دائمة، تصفيق البنيات مع الشتم يأتيك جديدا، وكأنه يزورك قبل أن يتوزع على طبول اذان الحضور.
-اخيرا فزت بحورية الارض
صدحت بوجهٍ فرِحٍ تلألأ جبينه مع الومضات المقدسة لسراج الكيروسين، تبسمتْ؛ فضحكت قطع المرايا طويلاً مع نسمات الريح التي تهز حصائر البروش، وارت وجهها بقطعة قرمصيص مضرجة بعبق الصندل.
  قبل ان تتخذ قرارك بالاقتراب من الاراضي المقدسة، لحظتُ جلستها المتأهبة، فقررتُ الهدنة، راقبتها بعيني كاسر، كانت تضج شهوة وهي تسترق النظرعبر ثنايا ثوب القرمصيص، كلمات حميمة جعلتها ترخي جسمها الوراف مع جلستها، بمهارة جندي زحفتُ أنت نحوها، كانت تهتز حياء، عندما اقتربت مراجل جسمك من ملامسة ندى جسدها الزلال، اتت اصوات المتجمهرين متعالية وكأنهم اختلفوا في موضع القمر الغائب، سرتْ النسماتُ بخيوط دخان الصندل التي تشرح الروح مثل قطرات الندى على الزهر اليانع، هنيهة وحركتُ قافلة جسدك العطشى نحو معين الجسم المعبق “بالخُمرة*”.
بتمهل صائد انزلتُ حقائبك على تخوم جنانه الوارفة ثم سكنت بثبات الكامن، سمعتُ ضربات قلبها اللاهث والتي كانت تنبض داخل وتينك فتساءلت:” اليست هي فاطمة التي لا تدشن ابتساماتها اليومية الا بواحدة في وجهي؟”؛ احسستُ بهبوط في جميع ارجاء جسمك مع تنميل عند باطن رجليك، ثم دوار خانق اجتاح رأسك المتعاظمة، لتأتي ضربات قلبها اللاهثة مثل طرق لجوج لمعدن داخل دماغك، مضت لحظات لا تدريها قبل ان تحس بأن شقك الايمن يغوص في لدن الجسد وزراعها التي كانت دافئة مثل الفرو تحيط بعنقك، تصاعدت ابخرة عود الصندل وكأنها تعلن الاحتفال بالعناق الاول من ليلة العرس ذات ابتسامات المرايا، فاطنة المعجونة من طين سماوي وحل احتوتك مثل “سوسيو” عند نزول المطر، نمت في تلك الجنة الباردة المحفوفة بأشجار الصنوبر وعبق العود وانت تسمع زقزقة عصافير لاتنتمى الى فصائل طيور وادي “امبالايا”.
عند الصباح سمعت بقايا من شدو تلك العصافير اللدائنية ،صحوت بنشاط الارواح الجديدة لتعلن لوزيريك تدشين طلقات البشارة بشارة عذرية لم تطأ اقدامك مجاهيل ارضها ولكنك قررت جازم بان الحوريات لاتصل اليهن الايدي الآثمة، مع دوي طلقات البشارة زغردت النساء في جميع جهات القرية بوحدة بوق الحشر ورقصت الفراشات في قلبك لرقص البنيات الجميلات على طبول “ام قرضو” ،تهلل وجه أمك وامها؛ فرح القطب كرامة وازيحت سحابة الخوف التي كانت مطوية على خطوط جبينه، لم تستطع الاجابة عندما وبختكَ ياحسين، كانت جسورة، كلماتها القوية عن التعجل باعلان البشارة صعقتك فصرت اضعف من باعوضة، أنكفأتُ على صدرها الوارف باكيا وانت تصرخ “احبك يا فاطمة كيفما كنتِ فقربكِ اكبر بشارة” .
في مقبل ايام النعيم كانت فاطمتك تتحرك بسلاسة النسيم وتبتسم ببريق الضياء، سراج الكيروسين يحتفظ بقداسة شعلته لليلة الثانية وبسمات المرايا الفرحة تكررها الرياح، عبق عود الصندل استوطن الهواء فلم يعد من الملاحظات، الحمرة المضرجة الملبدة بالخطوط لذهبية في ثوب “القرمصيص” تتحول الى قطعة نفيسة تلبد كنز ثمين، تغيب هي في ثوب “القمصيص” كليا الا جبينها الذي يتوهج مع ضوء السراج ، تقترب أنت من السرير، تخلع نعليك كما خلعها الكليم بالوادي المقدس،  تتحرر من كل زوائد القماش، تصعد وعيناك لاتفارق الجبين المتوهج، تمسك بزراعيك العاريتين، عبق “الخمرة” يوشك ان يدخلك في دوار الليلة الفائتة، تتماسك، تتحرر هي رويدا رويدا من ثوب “القرمصيص” يتجلى عنقها الذي ببهاء فنارات المواني، كتفاها المستويين مثل مساطب المدرجات، ثم الرمانتان النافرتين مثل تمثالي نسرين على اهبة الطيران، غرقت في الخُمرة والقرمصيص، ثوب القرمصيص ذا الخطوط باردا تحسه مع عبق الخُمرة، جثتْ على ركبتيها ومن النهاية السفلى للقرمصيص دخلتْ، طرحتْ جسمها الوحل فوق جسدك المتعطش، تبسط يديها لتلامس كفاها كفيك، ثم بعمق تأخذ قبلة تغرقك في لدن الشفاه، ثم تنفر الى فضاء السرير الخالي معلنة استسلامها الابدي.
_______________________
*النص مجتزأ من رواية ( ظل الفوضى)، دار مومنت 2016
* للمزيد عن المصطلحات أبحث بالاسماء  في موقع قوقل اواليوتيوب

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

عبقرية امرؤ القيس الشعرية

الحادي والعشرون من أذار كيوم منذور للشعر أبداً؛ في خليقة ما بعد الحداثة، يمر علينا ولمّا ن…