15491726_356776178016062_1025101598_o

” كل ما أحست به هو أنها تريد أن تصرخ ، تلعن بأعلى صوتها ، لكن على من تحل اللعنة ! على نفسها ! …….. على اللحظة التي فكرت فيها بالمجيء إلى الجنائن ! ….. أم عليهم ! أم على اليوم المشئوم من  العام 2003 الذي جيء فيه بهؤلاء بوصفهم حرس حدود

 لم تفلتها من فمها ، كان إيمانها أكبر من صب اللعنات ، فالاستسلام للقدر أمر حتمي ! إن عادت إلى الجنائن سيدركونها قبل أن يدركها الرصاص الطائش بالداخل وإن فكرت بقطع الوادي عرضًا فرماله الكثيفة ستحد من حركتها وسيلحقونها أيضًا ولن تبلغ منزلها ، ولو طولًا ..تعرف أن ما تفكر فيه لن يحدث فحلم بلوغ تشاد حلم بعيد …مستحيل !!

لم يكن همها الهروب من الرصاص …فالرصاص سيخترقها لا مراء  وإنما كان فزعها الأكبر من مليشياتهم الأخرى ؛ أعينهم التي كانت تخترق جسدها بقسوة . فم دائري بارد صلب التصق بظهرها  ذاب الكالسيوم بمفاصلها وبدأت عظامها ترتعش كانت تفكر بالركض للخلف وهي تنظر باتجاههم حتى يخترق الرصاص قلبها وتموت بالسلاح الناري أولًا ، ولكن حتى الركض لم يعد ممكنًا  أغمضت عينيها بانتظار مصيرها المحتوم “

لم تكن تلك سوى خواطر أنثى داراندوكا أمام عيون ـ مليشيات ـ قطاع الطرق . كانت تدعى هدباء ، تذكرت حينما وقعت ثمرة مانجو كبيرة على رأس أحدهم والتفت الثلاثة للوراء في آن واحد ، ثمرة مانجو ثانية على الشخص الآخر وثالثة وأخذت الثمار تنهال عليهم واحدًا تلو الآخر ، ترك قطاع الطرق أمر الفتاة وشرعوا يطلقون الرصاص بذاك الاتجاه ، إلا أن ذلك الذي كان يقذفهم كان ماهرًا جدًا فقد ألف الركض في الجنائن عند حلول الظلام ، يحفظ أي شبر فيها ، اعتاد تسلق الأشجار والانتقال عبر أفرعها العليا المرتبطة بالحبال . وحينما طفق قطاع الطرق  بالرجوع للخلف ورش الرصاص كان هو ـ بخفته ـ قد بدأ يتنقل عبر الحبال إلى أن وصل تلك الشجرة التي تقف بها الصغيرة هدباء ، التي جاءت مع أسرتها قبل أيام لتقيم بداراندوكا ، لم يكن يعرفها على الإطلاق . أمسكها وتسلق بها الشجرة اختفيا هناك إلى أن ملّ قطاع الطرق عن البحث ثم أعادها إلى منزلها كما وصفته له .

ستذكر هدباء ما حييت ذلك اليوم ، تفاصيله الدقيقة كيف غضبت من والدتها وذهبت لوحدها إلى الجنائن ، كيف قضت الوقت تروي الأرض بدموعها إلى أن داهمها الليل وكانت ليلتها تلك أول ليلة يخترق فيها قطاع الطرق أحشاء داراندوكا فقد كانوا يكتفون بالحدود فحسب ، وكيف طوقتها تلك الذراع الساخنة ، نعم تذكر ارتفاع درجة حرارة جسمه حينما أجلسها على ركبتيه بالفرع وتشبثت به وكيف فزعت منه في البدء فازداد نحيبها مما اضطره لوضع يده على فمها على أنها من زفراته ، حرارته ، توتر أعصابه أدركت أنه يعاني أكثر منها فهدأت قليلًا سألته بخوف :

من أنت ؟

أجابها :

رسول السلام

انكمشت أكثر وهي تسمع اسمه ، ومع رجوع قطاع الطرق إلى النقطة التي كانت تقف عندها هدباء للبحث عن الفتاة تشبثت الفتاة بالفتى أكثر ضمها إليه هو الآخر كانت رائحته كرائحة الطين ، تنفست الصعداء وهي تتشمم تلك الرائحة !

شاءت الأقدار أن تتربى مع خالتها بالخرطوم إلا أنها كانت تزور داراندوكا من حين لآخر وفي كل مرة تسأل عن شخص واحد … عن رسول السلام . وفي كل مرة يؤكد لها الجميع أنه لم يقدر لأحد بعد أن يرى رسول السلام، يسمعون به فقط ، كان يؤدي رسالته متخفيًا .

وقبل أن تصعد السلم الجامعي سافرت إلى داراندوكا وبقيت أطول فترة ممكنة حيث تعرفت على النازحين بالمعسكرات كان أحدهم معروفًا لدى الكل ، يحفظه الصغير والكبير بداراندوكا فكم مرة أنقذ الأطفال من جرف الوادي ، والكبار من رصاص قطاع الطرق الطائش ، سألت والدتها عنه ذات يوم ، فقالت لها العازة :

هذا أسمر ، ابن النازحين

قابلته في خيمة دارفورـ في بدايات العام ـ بأيام التراث التي يقيمها السلطان بالجبل ، كان يجلس بأحد الكراسي يطالع المنشورات المعلقة بالخيمة قالت له وهي تقترب منه :

أسمر ….

ــ من ؟ ابنة العازة

هذا الصوت محال أن تخطئه أذناها ، إنه ملك لشخص واحد فقط ، جلست على الكرسي قربه ، هذه الأنفاس والرائحة الطينية لم تشك لحظة في أنه هو ، لقد كبر منقذها ، بحثت عنه سنوات دون جدوى وها هو الآن يظهر أمامها فجأة كما ظهر لها في ذلك اليوم ، رفعت عينيها نحوه غير مصدقة :

رسول السلام

أنكر ذلك بشدة على أنها بعد أن بدأت دراستها الجامعية بكلية اللغات ، وكثرة أسفارها لداراندوكا من الخرطوم ، في تلك الفترة الدراسية ثبت لها أن اسمر هو ذاته رسول السلام رغم إنكاره المتكرر .

جرّت هدباء هذه الذكريات جرّا وهي تفكر ببلدتها …. كلها ثلاثة أيام وتعود إلى داراندوكا دون رجعة . اشتاقت إلى الجميع ، إلى الحرازاية* وسوق الكيري وإلى جبل السلطان ووادي كجا و الجنائن وإلى معسكرات النازحين وخاصة تلك الخيم التي يقطنها الشيخ وابناه بالتبني نوف وأسمر

 

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

نضاﻻت أغفلها التاريخ

موهبة مدهشة تلك الصياغة ، أي براعة وصف بها فترة السجن التي قضاها المحامي “اللاعبR…