sophi molawi

مودة نصر الدين :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

*

إذا مشيت لمدة ربع ساعة من الجهة الغربية لمنزلنا .. ستتكفل التلة العالية بحجبي عن الأنظار و سأكون في بداية الصحراء ..ثم علي أن أسير في الإتجاه الشمالي المعاكس لذهاب و إياب أهل المنطقة من و إلى الطريق العام.. فأنا بحوزتي أشياء أريد التخلص منها.

إرتديت عباءتي الطويلة الخضراء و لبست مسبحتي الإلكترونية في إصبعي ثم خرجت حاملة إياها ..

خرجت و أنا أشعر بالأنانية .. كل الذي أفكر فيه هو نفسي نفسي .. أبالغ في ذلك .. و أكاد لا أخرج من حيز الفكرة الواحدة للثلاثة أحرف.. أنا أنا أنا.. فأن تكوني فتاة جميلة جداً في منطقة سكانها بسطاء جداً فأنت أيقونتهم و أحلامهم .. سترين النساء و هن يشعرن بالنقص فينزوين أمامك و لن تهزك أبداً مدامع الرجال.. و ستصابين بأمراض النفس السبعة إلى حد الشعور بالعظمة..سيكون الوضع أسطورياً إلى أن تصابي بالملل..

خرجت و في نيتي ألا أعود..

الصحراء هي أعظم ( أنا ) في الكون.. لّذلك النجاة منها مستحيلة و صداقتها غير ممكنة أبداً.. هي موحشة و قاتلة .. مراوغة بالسراب.و لكن لها ميزة الوضوح .. سأواجهها ربما سأعود للتفكير بصورة جميلة عن أشياء أخرى.. في الحقيقة حملت معي المسبحة لأعرف ( كم خطوة سأمشي ) .. لطالما أردت حساب خطى المشاوير .. تماماً كحلم إحصاء النجوم..

بدأت بالمشي..

بعد أن تجاوزت التلة شعرت بالانطلاق .. الجو مناسب للخيال..

– أقول لنفسي : إن اجتمع هاهنا تسع من البشر حول نار صغيرة.. ثم أنشئوا دائرة وهم ممسكين ببعضهم البعض .. كل كف تمسك بعضد الرفيق القريب.. الأقدام تتلامس كما لو أرادوا الصلاة في المسجد ليمنعوا دخول أبناء النار إلى دائرتهم الصغيرة..هالة النار تحتويهم أو هم من يحتوونها..

– نفسي تقول لي : أهاا كمن يمنع الماء عن الشجرة ليقوي مجموعها الجذري.. ستجعلين النار تشتاق !

أتجاهلها و أستمر ..

ثم بدأوا بالدوران حولها -حول النار – ببطء شديد .. وبحركة أرجل جانبية .. بحيث لا يسقطون إن زادو السرعة قليلا..

ثم زادو سرعتهم قليلا حتى تأججت النار بفعل هوائهم.. هم لا يفعلون ذلك لأجل عبادة هذه النار .. لا أحد يعبد رباً يؤذيه إن اقترب منه .. سحابة واحدة حرة ستدحض يقينهم به إن حاولوا تمجيدها!

هم يفعلون ذلك لشيء لم أدركه بعد و أبحث عنه..

إن بدأوا بالغناء سيحدث الكثير للرمل الذي تحت أقدامهم ومن حولها .. حقيقة سيهتز كل الرمل المستلقي على اتساع ذبذبة همهماتهم .. النشيد كلماته لا تحمل أي معنى وموزونة جداً لأن حروفه حادة وناتجة من الحلق.. الموسيقى ليست سوى صوت الليل نفسه هسيس الظلام.. لن أقول بأنهم عرايا .. لن أقول بأنهم رجال أم نساء .. لن أحدد شكلهم أبداً .. فليكونوا بلا علامة مميزة . ملامحهم أبعد من الحواس الخمس .. ولكنهم يظلون بشراً لهم قلوب.

هم في الصحراء..أكبر (أنا ) في الوجود.. وهم وليمة تكفي الليل.. إذا اعتبرنا أن لليل وحشة يقسمها على من لا يملك النور أو الرفيق.. ولا نور لهم سوى شعلة النار التي التفوا حولها كمن يملك شمعة لا يريد لها أن تنطفئ فيحميها بيديه.. يدورون بسرعة كافية لألا يسقط أحدهم فيسقط البقية ..

هذا هو الذي ابحث عنه ولا أدركه ..

هذا هو ال..

فجأة كرهت الفكرة لأني لم أستطع احتواءها بنفس كيفية احتواءهم للنار و هذه هي طبيعتي .. لا أخرج كثيراً من جلدي لأنني أخاف الآخرين و ما يحملون من صفات قيل بأنها سيئة جداً .. فلا أتخيلني و أنا ممسكة بعضد أحدهم و أغني أناشيد بلا معنى واضح لي.. و أنا الآن أقصى مفهوم للحرية بالنسبة لي هو اجتياز التلة العالية..

في هذه النقطة لم أعد واثقة من خروجي من دائرة أنا نفسي المهلكة.. ولم أفهم بعد كيف علي أن أمسك بعضد أحدهم في ممشى طويل وعر بداعي الزوجية. دعك من أن أكون جزء من جماعة كبيرة تسعى لهدف واحد!

يالا أنانيتي!

عداد المسبحة في إصبعي يظهر رقماً صعباً .. و لكن الصحراء مسرح جيد لتمثيل الأفكار  و في بعيدها هناك دائماً و أبداً .. كل الذي تريده سيكون ماثلاً في صورة.. . أمل.

لذلك سأمشي و لن يخيفني الرقم.

– أقول لنفسي :

السيئون هم أكثر الناس تعاسة .. ولا أقول بأني تعيسة لأني أستمتع  جداً بتقديس ما أملك ..  و لكنني أظل جاهلة و محزونة من أجل هذا الضيق و من أجل العقل المكبل في ثلاث أحرف .. بدأت أدرك أننا لم نخلق لنرى أنفسنا بل لنرى الآخر بمعجزة العقل ..و أننا يجب أن نصبر كثيراً لندرك أبسط الأشياء..

يجب أن أعود ..

يجب أن أخرج من دائرتي الآن..

الدائرة حول النار تبدو مناسبة كبداية لشخص مثلي طالما أحب البقاء وحيداً ..النار ستحتويني الآن أكثر ..فهي تعرف ما هو إحساس أن تنجب ابناً متمرداً و شريراً.. الرماد هو المصير الأخير و المحسوس للمادة .. و لكي أنتهي من وهم الدائرة الغبية ليس علي سوى الاحتراق.

تخيلت أنهم – التسعة – أفسحوا لي فصرنا عشرة .. نحن أصابع في يد عارفة.

درت معهم و غنيت .. غنيت معهم و درت حتى أصبت بالدوار .. و أنفرطنا من مكان وقوفي .. و صنعنا خطاً مستقيماً .. ذلك الخط المستقيم.

رغم كل ذلك المسير .. تبين أنني لم أمشي سوى مسافة تسمح لي بالدوران حول منطقتي التي أسكنها .. و أنني عدت لنفس المكان الذي بدأت منه و ليس علي سوى أن أصعد التلة ثم أسير لمدة ربع ساعة لأكون في منزلي .

فعلت ذلك .. و عدت خفيفة بدون بعض الأشياء.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الذاكرة واللغة

الجائزة كانت جنيهًا كاملًا .. في حين أن كل الذي كان ينقدونه لي أهلي في اليوم هو نصف جنيه ،…