14808824_1587819017910335_761067435_o

 

•تأليف : تشينو أتشيبي
• ترجمة : د. فراس عالم

لم يكن «مايكل اوبي» يتوقع أن تتحقق أمنياته بهذه السرعة، فقد تم تعيينه مديراً لمدرسة «ندوم» المركزية في يناير 1949م. كانت المدرسة من المدارس المتأخرة في المنطقة وقد قرر المسؤولون إسناد إدارتها إلى مدرس شاب ونشيط لإصلاح شأنها. قبل «اوبي» المهمة بحماسة ووجدها فرصة مناسبة لتطبيق أفكاره الخلاقة على أرض الواقع.
حصل «اوبي» على تعليم ثانوي متميز نال بفضله لقب «مدرس أول» في التقارير المهنية مما جعله متفوقًا على زملائه من مديري المدارس الآخرين. كما كان صريحًا في انتقاده لضيق الأفق الذي يلازم زملاءه الأكبر سناً والأقل تعليماً.
-«سنقوم بعمل رائع في تلك المدرسة» كانت تلك هي العبارة التي قالها لزوجته الشابة عند سماعه خبر ترقيته المبهج.
-«سنقدم أفضل ما عندنا» أجابته زوجته، ثم تابعت «سيكون لمنزلنا هناك حديقة جميلة و سأجعل كل شيء فيه حديثاً وعصرياً».
خلال فترة زواجهما البالغة عامين تمكن مايكل أن ينقل لها عدوى حماسته للحداثة ونفوره من «المدرسين القدامى والتقليديين الذين يراهم أقرب إلى الباعة في سوق شعبي منهم إلى التدريس».
أخذت تتخيل نفسها وهي محط الإعجاب كزوجة للمدير الشاب وملكة للمدرسة، وبالطبع ستحسدها زوجات المدرسين على مكانتها، ستعتني بكافة التفاصيل في المدرسة… وفجأة خطرت ببالها فكرة ألا يكون هناك زوجات أخريات معها، متأرجحة بين الخوف والرجاء سألت زوجها عن وضع زملائه المدرسين وهي تترقب إجابته بقلق.
-«كل زملائنا هناك من الشباب و غير متزوجين» أجابها بحماسة لم تشعر في هذه المرة أنها تشاركه فيها، لكنه تابع
-«وهذا أمر جيد!»
-«لماذا؟»
-«لماذا؟ لأنهم سيكرسون كامل وقتهم و جهدهم للمدرسة»
شعرت «نانسي» بالاكتئاب، ولدقائق قليلة أصبحت تشكك في جدوى الانتقال للمدرسة الجديدة، لكن امتعاضها سرعان ما تلاشى أمام سعادة زوجها وآماله الكبيرة. أخذت تتأمله وهو جالس بوضع منحني على المقعد، كان أحدب الكتفين ويبدو لمن يراه هشاً وسهل الكسر لكنه في بعض الأحيان يفاجئ الآخرين بموجة من الطاقة البدنية الهائلة. بدا لها في مجلسه في تلك اللحظة أن مصدر كل تلك الطاقة يكمن في نظرة عينيه الغائرتين والتي تمنحه قدرة عاتية على الاختراق. كان في السادسة والعشرين من العمر لكن يبدو وكأنه في الثلاثين أو أكبر وفي العموم لم يكن يخلو من وسامة ظاهرة.
– «بنس مقابل ما تفكر فيه يا مايك» قالتها «نانسي» بعد برهة صمت مقلدة المجلات النسائية التي تقرأها.
– «كنت أفكر في الفرصة العظيمة التي حصلنا عليها لنري الناس كيف تدار المدرسة كما ينبغي».
كانت مدرسة «ندوم» متخلفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقد كرس لها الأستاذ «اوبي» وزوجته كامل وقتهما وقد جعل نصب عينية هدفين رئيسيين، تقديم مستوى عال من التعليم وتحويل مبنى المدرسة إلى مكان يشع بالجمال، وقد تحقق حلم زوجته بالحديقة المزهرة عندما هطلت الأمطار وتفتحت الورود الحمراء والصفراء على شجيرات «الهيبيكوس» و«الالماندا» المكونة لسياج الحديقة المحيط بفناء المدرسة من الخارج في منظر بديع.
ذات يوم و بينما كان أوبي يتأمل نتاج عمله بإعجاب رأى منظراً أشعره بالخزي، فقد رأى امرأه قروية عجوز تعرج عابرة فناء المدرسة وقد داست حوض أزهار «الماري جولد» وسياج الشجيرات القصير. وبتفحصه للمكان أبصر أثراً باهتاً لطريق مهجور يمر عبر فناء المدرسة رابطاً بين القرية وبين الدغل في الجهة الأخرى.
– «أنا مندهش» قالها اوبي لأحد المدرسين ــ قضى ثلاث سنوات في المدرسة – ثم هز رأسه منفعلاً وتابع
– «كيف تسمحون للقرويين باستخدام طريق يمر عبر المدرسة؟ هذا ببساطة لا يُعقل».
أجابه المدرس معتذراً:
– «ذلك الطريق مقدس جداً عند القرويين، فهو يربط بين المقام المقدس في القرية وبين المدافن، كما أنه نادراً ما يُستخدم».
– «وما علاقة المدرسة بكل هذا؟» تساءل المدير.
هز المدرس كتفه قبل أن يجيب
– «لا أدري، لكنني أتذكر أن شجاراً كبيراً حصل منذ زمن عندما حاولنا إغلاق الطريق».
– «كان هذا في ما مضى. لكنه لن يستخدم بعد اليوم» قال له المدير وهو يبتعد بخطوات حازمة ويضيف.
«ما الذي سيقوله عنا مدير التعليم عندما يأتي في جولته التفتيشية الأسبوع القادم؟ ربما سيجد القرويين وقد احتلوا غرفة في المدرسة لممارسة طقوسهم الوثنية فيها وقت زيارته».
تم غرس قضبان ثقيلة على مسافات متقاربة لتسد الطريق من مدخله ومخرجه في طرفي فناء المدرسة، كما تمت تقويتها بأسلاك شائكة لُفت من حولها.
بعد ثلاثة أيام قدم كاهن القرية للمدرسة طالباً مقابلة المدير، كان رجلاً متقدمًا في السن محدودب الظهر يستعين بعصا غليظة لمساعدته في المشي وكان يطرق بها الأرض بقوة عندما يشدد على نقاط مهمة في حديثه. وبعد تبادل الأحاديث الودية شرع الكاهن في الكلام.
-« لقد نما إلى علمي أن درب الأسلاف قد تم إغلاقه».
-« أجل» أجابه السيد «أوبي»، ثم تابع «لا نستطيع أن نجعل الناس تتخذ من فناء المدرسة طريقاً عاماً».
طرق الكاهن العجوز على الارض بعصاه ثم قال:
-«انظر يا بني، هذا الطريق موجود قبل أن تولد أنت، و قبل أن يولد أبوك، حياة القرية بالكامل تعتمد على هذا الطريق. أقاربنا الموتى يغادرون عبره، وأسلافنا يزوروننا عبره، لكن الأهم من ذلك إنه الطريق الذي يأتي من خلاله الأطفال الذين سيولدون».
استمع السيد أوبي لحديث الرجل وعلى وجهه ابتسامة رضى ثم أجابه:
-«الهدف الأساسي لوجود مدرستنا هو اقتلاع هذه المعتقدات من العقول، الموتى لا يحتاجون إلى ممشى على الأرض، الفكرة بكاملها خرافة. مهمتنا هنا هي تعليم الأطفال أن يسخروا من مثل هذه الأفكار».
– «قد يكون ما تقوله صحيحاً» أجابه الكاهن العجوز ثم أضاف «لكننا نتبع ما كان يفعله آباؤنا، وإذا فتحت الطريق لن يكون لدينا ما نتشاجر بشأنه. ما أردده دائماً: دع الصقر يحط رحاله ودع النسر يفعل ذلك أيضاً». وهمّ الرجل بالنهوض.
رد عليه المدير الشاب:
-«أنا آسف. لا يمكن أن نجعل فناء المدرسة طريقاً عاماً. إن ذلك مخالف للأنظمة، ما رأيك في أن تقيموا طريقاً آخر يلتف حول المبنى، وسوف نجعل الأولاد يساعدونكم في إنشائه، لا أعتقد أن الأسلاف سيجدون الانعطاف البسيط أمراً مرهقاً لهم».
– «لا يوجد لدي شيء لأضيفه» قال الرجل العجوز وهو يغادر المكان.
بعد ذلك الحديث بيومين توفيت امرأة قروية خلال ولادة متعسرة، تمت استشارة عراف القرية فأمر بتقديم تضحيات عظيمة لاسترضاء الأسلاف الذين تمت إهانتهم بالسياج الذي سد الدرب المقدس.
استيقظ الأستاذ «أوبي» في صباح اليوم التالي على الخراب الذي حل بمدرسته، حيث تم تدمير الأسيجة النباتية الجميلة ليس فقط من ناحية الدرب المسدود بل من جميع الجهات المحيطة بالفناء، كما تم دهس الأزهار الجميلة بلا شفقة، بل إن أحد مباني المدرسة تم هدمه…
صادف ذلك اليوم يوم زيارة مشرف التعليم ذي الأصول البيضاء للتفتيش على المدرسة، والذي كتب تقريراً سيئاً عن حالة المبنى لكن الاسوأ كان ما كتبه عن حالة الحرب والعداء بين المدرسة والقرية والتي سببتها الحماسة غير الرشيدة لمدير المدرسة الجديد.

روائي نيجيري

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…