45-3078

خروق للبدء..

(المسألة ليست في كتابة الرواية،وإنما في كتابتها بجدية) غابرييل غارسيا ماركيز

 

(الحياة ليست ما عاشها الواحد منا..

بل ما يتذكرها..

وكيف يتذكرها..

ليحكيها)

 غابرييل غارسيا ماركيز – عشت لأروي – إهداء الكاتب.

 

بادئة

بالمعلوم من الألفاظ المنتقاة على سجية ما يكتب فوق هذي السطور، والمحمود منها بالجهر به على أنها غلاف إطاري لاستخدام صريح لهياج الروح حين تمارس الكتابة، على دافعية إنها قافية ولحن  وأداء ومحض إدمان يتعرى في الأفق، تثور الروح ذاتها فتخرج المخبوء دونما تعاجلٌ أو تمنع، فلا يوجد ما هو مسلم به على أنه دافعًا أوحدًا متوحدًا، ولا يتواجد ما يمكن تعريفه على أساس أنه فعل تشجيعي يحث المرء على ارتكاب الكتابة كجريمة ذاتية، سوى غرابة المنطق وبساطة المحتوى بالترويح عن هموم الذات والبعد عن متاهات التعب، إذ هي فعل حراك نفسي  يومي وبشكل راتب، وفي نفس الوقت هي رهق لا فكاك منه بغالب الأحيان.

التعريف

الدافع هو التحريض على التعبير السليم، سواء كان ذلك بالقلم أو بالريشة أو بالصوت، والكتابة لها دوافع عظمى أخرى كهتاف القلب والصياح من جوف الصدر، أما الغناء هو ما يغامر بالحضور ما بعد الكتابة ولا تجوزه تقدمة أو تهدئة، لكنه منبسط عن كل قولٌ ولا يخضع لفعل يكتب عنه، لا يقاوم أو كأن يتم دحضه فرضيًا وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بالوصف الحقيقي لدافعية الكتابة.

الكتابة هي القدرة على توحيد قوى الأنا والتعاطف مع كل ما حولك في الوقت نفسه .. فالتعاطف نداء، وتسخير أناك في عمل مبدع هي الاستجابة الكاتبة الأمريكية ماري جيتسكل 1998

(وجل ما ينبغي للكاتب أن يكونه، هو أن يكون متشوقًا،  يجب أن يكون شيئًا مصنوعًا من النشاط والحمى،  دون حيوية كهذه، سيكون من الأفضل له أن يخرج لقطف المشمش وحفر الخنادق؛ يعلم الله أنّ هذا سيكون أفضل لصحّته) راي برادبيري

الدافع هو بث الأنفاس في جسد الأفكار لتصير مفردة حية متبرجة بمعناها وعباءة متزينة بلون فضائها وجملة ثائرة ضد الإنغلاق والرفض، كأن تقول (أضخ فعلي بعاطفتي فتنتعش روح القاطرة التي تجلب الحبر لي).

توطئة لمدخل الشرح.

 

لا غرق حقيقي إلا في الكتابة“.

إنشاء الكلمات والمقدرة على الوصف وامتلاك موهبة الربط بين التفاصيل وحزم الأشياء هي ابتلاءات الروح الكاتبة.

تجسيد الحافز في شكل حروف وتنسيق العبارات بهيكل تنسجم عليه مواقعها وتترتب فيه نبضاتها، هو لهاث الحبر ورنين جرس القلم الكاتب، الكل يتناغم بما أو ولا ليصل للمنشود من التباهي بالصنعة والتخليق.

أولى نشاطاته الكتابية بدأت باكرًا ما قبل الثالثة والعشرين وهو ما يذكره في سيرته الذاتية…

(كنتُ تركت الدراسة في كلية الحقوق، بعد ستة أشهر من بداية الدراسة، وقررت التفرغ تمامًا للقراءة والكتابة، وأحفظ عن ظهر قلب أشعار العصر الذهبي الإسباني، قرأت جميع الكتب المؤلفة والمترجمة عن تعلَّم فن كتابة الرواية، ونشرت أربع قصص في ملاحق الصحف، أثارت تشجيع أصدقائي، ولفتت إنتباه بعض النقاد، كنت على وشك أن أكمل الثالثة والعشرين من عمري في الشهر التالي، أصبحت هاربًا من أداء الخدمة العسكرية، أدخن ستين سيجارة في اليوم بلا توقف، أوزع أوقات فراغي ما بين “برانكيو: و”وكارتاخينا دي اندياس” على شاطيء الكاريبي في كولومبيا). – ماركيز – عشت لأروي.

هذا الكف لا يوازي ما صممت على الكتابة عنه، بقبقٌ يتسلل في هزيم الصفحة يمزق حجل السطر العالي ويشق رئة الكلمات الملتصقة بها يقتلعها كما يرغب.

لك أن تتخيل أن معدن التصور لكل تلك الأشياء التي يكتب عنها ماركيز هي بداية على قائمة على غير ما تعتاد أن تستشعره من القصاصات التي يتم تجميعها وتربال نسجها يدور حول مخيلة ما بقعر الذهن الذي يكتب عنها وفيها شارحًا ومصورًا لكيانها الحقيقي، بلا أثر أو دافع محقق سوى تحري الدقة في الوصف اللغوي بواسطة آليته التي يتملكها.  

إكتشاف قيمة الذاكرة في الكلمات..

 

(لم أكن قد زرت “آراكاتاكا” منذ أربعة عشر عامًا، منذ أن مات جدي لأمي، وأخذوني لأعيش مع والدي في “بارانكيا”، خلال مراهقتي كانت ذاكرتي أكثر وعيًا بالمستقبل منه بالماضي، ذلك أنه عند هذه الزيارة لم تكن ذكرياتي في القرية قد تمثلتها الذاكرة بعد. كانت الذاكرة تعي القرية كما كانت، مكان طيب للحياة فيه، حيث كل الناس تعرف كل الناس، قريبة من شاطيء نهر ذي مياه هادئة تهبط من مهد من الحجارة المنحوتة، بيضاء وضخمة، وتشبه بيضًا يعود إلى فترة ما قبل التاريخ. في لحظة غياب الشمس وخاصة في شهر سبتمبر، وبعد لحظات المطر الذي يُحَوَّل الهاوء إلى قطع من الماء، كانت جبال “سييرا نيفادا دي سانتا ماريا” تبدو كما لو كانت تقترب بصدرها الأبيض من مزارع الموز الموجودة على الشاطيء المقابل). من عشت لأروي  

تداعيات الصورة  ومشاهد البعث للمفردة الناطقة هي دافع الكتابة الصادق، أما المشهد الحقيقي (بعضه لا يكتب كما هو وبعضه يحتفي به داخليًا كنشوة عابرة لا تتكرر) وهو ما يخرج من عميق مواضع الحفظ بالذاكرة، فهو ميراث الكاتب من مستنقع ذاكرته الخصب، وبينما يقوم الكاتب باستدعاء فحوى مخزونه الثري الداخلي من المشاهد والصور الذهنية والمواقف التي مرت عليه سابقًا، تقوم مخيلته بتلمس المكون الحقيقي لمثل هذه التداعيات التي تنتابه، ماركيز المبدع المتفرد في عام  1965م لم يكن قد تملك مهارات التركيب الإبداعي لصور داخلية، لاحت له فكرة كتابة أول فصول رواية “مائة عام من العزلة” أثناء قيادته في الطريق إلى مدينة “أكابولكو”، تغالب على خوفه وقرر أن يبدأ في الكتابة، فاستدار في الطريق وعاد إلى منزله وعزل نفسه في غرفته، مستهلكًا ست علب من السجائر في اليوم.

وخرج من عزلته بعد 18  شهرًا، ليجد عائلته مدينة بـ 12 ألف دولار. ولحسن حظه، كان قد كتب روايته الرائعة المكونة من 1300  صفحة. بيعت الطبعة الإسبانية الأولى من روايته خلال أسبوع، وعلى مدار الثلاثين عامًا التالية، بيعت أكثر من ثلاثين مليون نسخة من الرواية وتُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة.

إختلاف الدافع للكتابة كفطرة ما..

(كان يجرجر قدمي الفيل الضخمتين باحثًا عن شيء لم يفقده، في بيت عزلته، ويكتشف بأن أحدهم سبقه إلى تغطية الأقفاص بخرق الحداد، أحدهم سبقه إلى تأمل البحر عبر النوافذ وعدّ البقرات، كل شيء على ما يرام). من خريف البطريرك

 

الدافع للكتابة في حكايات ماركيز يتخلف على قدر المحبوك من الأحداث، وغابرييل لا تأخذه الأشياء بخفيفها بل بعمق قالبها الحقيقي، له بديع تصريفٌّ في العموم ولا ينجذب للبعيد من الأحداث، إطارات الأوصاف في غياب مسبباتها، تدفعه كمن يستخدم الحبل لجذب الماء من عميق البئر بدلًا عن ربط الحبل بالدلو أو كالاستعانة بماعون من الجلد، يظل يبحث في باطن الشخوص ونفسياتها، حتى يلصقها ببعضها ثم يربطها مع الحدث الملائم لها بلا تزييف.

(إن تمزيق القصص القصيرة أمرًا لامناص منه، لأن كتابتها أمرًا أشبه بصب الأسمنت المسلح) غابرييل غارسيا ماركيز

 

لكل جملة يخترعها مقاسها من المعنى، هو كالنحات يظل يشكل قطعة الصخر حتى يخرج منها حدثًا وجسمًا ناطقًا.

يعشق ماركيز الوصف وترابط الأحداث ببعضها، كتاباته جميعها تتسم بالربط والدقة في الوصف، له ملكة شاعرية في أدب الرواية والوصف، لكأنها جزءًا من فطرته الأم.

(حين تشعلكْ الرغبة في الكتابة..

أكتب ولا تتردد

فما يدفعك لها

هو ما يجدد الحياة فيكّْ)

(انتهزت فترة النقاهة، لتؤنبه على سلبيته في إنتظار الرد على الرسالة، ذكرته بأنه لا يمكن للضعفاء دخول مملكة الحب، لأنها مملكة قاسية وصارمة، وأن النساء لا يستسلمن إلا للرجال المصممين، لأنهم يبعثون فيهن الطمأنينة التي يتعطشن إليها لمواجهة الحياة). من الحب في زمن الكوليرا

النص المكتوب يفور حين يمتلئ باحتمالات الكاتب، هو لا يثبت على حال وقد أخضعه حجر ذاكرته لمطحنة التنويع والطرق المعاكسة للمعهود من السرد المبني على أساس استجداء الذاكرة الماكرة، متعة الكتابة عند غابرييل لابد لها من تناغم صلد ودافع صامت وقوي، وتكاد خلايا ذاكرته تنفجر من ضخامة ما مر بها من أحاجي وأقاصيص منذ طفولته إذ أنه وبلسانه يقول (أنه كان يمتص حكايات كبار السن بالقرية كإسفنجة) ثم يعاود سردها بقالبه الخاص، له إرتعاشات حقيقية في سطوره وصفحات ما يكتبه تشهد له بالترتيب وترقيع غير المنتظم من الأفكار، مع ما يماثلها من المنتظم من الشواهد فيخرج النص العبقري بلا تعب.

  

حتى يذوب الملح في الماء…

 

كان إبحارنا هذه المرة عن الدافع والمحفز الحقيقي لنقل الشواهد والمشاهد وربط الأحداث بما تحتويه الذاكرة ومع ما يستشعره كاتبنا العبقري من قصص مخبوءة تحت الحكايات.

ويقيني أن دافع الكتابة لدي هذا الكاتب الفذ، هو ما يجري في الحياة قبل زوالها، وغياب الدافع هو كالحديث عن الموت في ساحل مقفر وبارد ومهجور على حافة بحر ما، لا طيور زائرة وأمواج قادمة، تكثر فيه الحجارة وتقطنه الجماجم وتتناسل فيه الأشباح، وعلى رماله تناثرت العظام وحصى المياه العقيمة، همسات تراب ذات البحر غطتها العتمة، وخيم القحط والصمت على الساحل، وبغياب الدافع فلا توجد قوة تحرك الموجات لتعاود الحضور.

 

ذهب الإيقاع..وحل الرمل على قالب الورق..

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…