bfc174_9c6a4592f91545eb87e1de61d97d8199

هو الزمن الذي يترقب كل علامة توقيت تترك خربشة على جداريته العملاقة.. لتبدو خطوطها بين تمدد و انكماش…تمدد عمر الزمن، و انكماش أعمارنا..

بين ضجيج و صخب، و هدوء موسوم بالملل يمضي العام ..

يومًا بعد يوم، و أسبوعًا يليه آخر ، و شهرًا يلاحق شهر..

و ينتهي العام معلنًا الرحيل يفتح أبوابه التي أغلقها علينا لاستقبال عام جديد..

و للعام .. و لجداريته أتحدث عن خربشاتي.. التي خلفتها ورائي و مضيت ربما بعيدًا أبعد مما اعتدت..

فهذا العام الذي يوشك أن ينصرم هو عام الانزواء و لا شك… مارست فيه الاختفاء، و التمست للعزلة سبيل..

لماذا؟!

كان واجبًا.. لو لم أؤده لبقيت حبيسة جدران لا تعلم عن الحرية إلا اسمها!!

كان فداءً.. لو لم أقدمه لفقدت قطعة من روحي المُهْلَكَة!!

كان تطهرًا.. لو لم أتبتل به لاكتويت بنيران إثم لم أرتكبه!!

كان يقينًا.. لو لم أثق به لانغمرت في لجة بحر شك حالكة!!

كان و كان و كان….

كما تقص خربشات الجدران..

ماذا قالت الجدران؟!

سأخبركم..

الشهر الأول… خربشة أمل

متعثر الخطى يقترب على مهل، يصارحني

– لست إلا بقايا عثرات طريق ..

– لست إلا محاولات بائسة للتشبث ببعض من يقين حلم، و وميض ضوء يفصح عن السّر!!

– سِّرُ من؟! 

– سِّرُك أنتِ الذي لم تكتشفيه بعد!

في جعبتك تلك التي تحملينها معكِ عامًا بعد عام أسرار كثيرة، سِّرُكِ بينها في القاع يرقد منتظرًا أن تبحثين عنه، و لكنكِ تتلكئين و تؤجلين اكتشاف ما تعلمين بوجوده مرة تلو الأخرى، تحثين خطاكِ نحو مجهولٍ لا تدركين كيف ستواجهينه؟! ربما بساعة الحسم، و أحسبها وشيكة يا صديقتي…

فلتستكملي إذًا الرحلة ولكل شيء أوان…

و التفت مغادرًا..

– انتظر إلى أين؟!

– لا تخافين لستُ براحلٍ إلى هناك بل إلى هنا بالجعبة

–  جوار سِّرُكِ أنتظر!!

الشهر الثاني…. خربشة مساندة

تناسيت حديث الأمل وعدت لاستكمال الطريق كما اعتدت، فلنرجئ الأسرار إذًا هناك بقاع الجعبة.. راودتني نفسي قليلا لإفراغها و البحث عن ذاك السِّر الذي يجاوره الأمل.. لكنني لم أجد من الوقت ما يفي أو يكفي.. دومًا لا يكفي الوقت.. و هم ينادونني ينتظرون مني ما اعتادوه.. أحدهم يصرخ هناك فلقد سقط في بئر الكوابيس المفزعة .. كلما أوشك على الخروج  سقط ثانية.. لا أحد يستطيع إنقاذه!! كيف هذا؟! ألا يجد أحدهم حبلا يقذفه إليه؟!

فلأقذف أنا إليه بهذا الحبل الذي أحزم به كتبي و أوراقي، هو يحتاجه فحياته بخطر، سأجمع الأوراق و أضعها بالجعبة و أمضي في طريقي.. تبرم الأمل داخل جعبتي، لا أدري لِمَ يتبرم كلما أقدمت على مساعدة؟!

أنقذت غريق البئر فأظهر امتنانه مرات متذللًا و متوسلًا.. اشتكى لي فلم ينتبه العابرون في طريقهم إليه و لم يكلفوا أنفسهم عناء النظر في البئر..

لم أدر ما أقول سوى أنني اعتذرت له عن غفلتهم و مضيت في طريقي..

الشهر الثالث…. خربشة وهم

شاع أمر إنقاذي للغريق.. و تحدث الجميع عني، أحاطوني بعناية و اهتمام، لم أفهم السبب فلم أفعل شيئًا سوى رمي الحبل.. اعتبروا أنني قادمة من عالم آخر، أو أنني أحمل من الأسرار ما يشي عن مقدرة على مجابهة الصعاب…

و بين احتفاء و احتفال، بين حكايات و قصص يطلبون مساعدة أو يسألون نصيحة.. لم أكن تلك التي يتوهمون، و جعبتي لا تحمل سوى ودائع عليّ إيصالها لأصحابها… و أوراقي و كتبي ليست إلا بعضًا من إرث قديم أحمله معي برحلة العمر إهترأ معظمه و اصفرت أوراقه لكنني أواصل حمله حتى ينتهي العمر و يمضي ربما يدفنونه معي، و ربما أحمله بقلبي قبل أن أموت..

زادوني مدحًا و رهقًا… و لست راغبة بتقدير أو مبالغة أو زيادة اهتمام، لن أقيم أبدًا فلست إلا عابرة سبيل…

الشهر الرابع…. خربشة رفقة

بالطريق طلب مني بعضهم الرفقة.. دعوني مرشدة، أو هادية و أسموني عارفة…

لم أعتد الخذلان و لا أحب أن أخذل سائلًا..

وافقت على مضض..

كنت أعلم أنني مخطئة بتلك الموافقة، طريقي لا يتسع للرفقة و إن تحملت رفيقًا فيكفي واحدًا معي أن يكون.. يكفيني صديق و ليكن البقية رفقاء رحلة لا تدوم..

مررت بمدينة صديقي الوحيد طلبت منه مشاركتي، لأجل صداقتنا وافقني رغم أنه لم يكن ممن يفضلون الضجيج، و كثرة الرفقاء..

بعد لّأي على صخرة وحيدة جلست حائرة، كتبي تمزق بعضها، و أوراقي تبعثرت و اختلط ترتيبها..

و الرفقاء لا يكفون عن السؤال و الثرثرة، يتوهمون أنني أستطيع الإجابة على كل الأسئلة، و من يستطيع، أنا نفسي سؤال حائر بلا إجابة..

و ما الضير في بعض الصخب؟!

و ما الضير في مجرد أسئلة؟!

أخبرت نفسي بهذا علّني أمضي بطريقي و قد أصبت شيئًا من هدوء النفس بدلًا مما يعتريني من موار..

لا فائدة من المحاولة، أنتِ بمنتصف كل شيء، على مرمى خطوة من يقين و من شك.. على مرمى بصر من نهاية طريق و بداية آخر…

هكذا أخبرني الأمل المشاغب، لا أدري لماذا اكتنفني الصمت حيال كلماته؛ لم أجادله، و لم أتهمه أنه على خطأ..

هل أصبحت أسيرة للأمل؟! ربما يكون كاذبًا فكيف بي أني أصدقه؟!

لملمت عثراتي و بعثرات أوراقي المتناثرة، لملمت خيباتي على مضض لن أتركها و أمضي بطريقي، يجب أن تأتي معي مرافقة للأمل، شأنها شأن رفقاء الطريق الذين زاد عددهم و كلما زاد كلما تضاعفت خيباتي..

تبرم الأمل و تململ في الجعبة، فالمكان ضيق و البراح شحيح…

أخرجته و نظرت إليه

– لو يناسبك الفرار هيا، إليك عني فسأمضي في طريقي بلا أمل..

رماني بنظرة لائمة ثم قفز إلى الجعبة تائهًا بين ثناياها و محتوياتها…

الشهر الخامس…. خربشة فراق

لقد مضى، ابتعد عني و تركني، إنه الصديق… و هو ليس كأي صديق، هناك من الوشائج بيننا ما تنضفر بإحكام جدائل حبل متين، لكنه فزع من الصخب و الضجيج و هؤلاء و هؤلاء الذين رافقونا بالطريق..

اختفى.. فجأة لم أره و لم أنتبه بأي وقت كان قد مضى؟!

كيف يتركني بلا وداع؟! كيف يمضي دون أن يهبني حفنة من أسباب، ربما قدمت له نفحة من اعتذارات..

لقد انشغلت عنه، واجهت نفسي بحقيقة الأمر لقد فقدت صديقي يوم اهتممت بالرفقاء، يوم أن استبدلت الهدوء بالصخب… يوم أن وزعت مشاعري أشتاتًا، و تركت على كل ورقة بضعة كلمات… يوم أن تناثرت حروفي هباء اللعنات… يوم أن مارست الرفض و الاستنكار و ضاق صدري عن البحث و السؤال..

أيام تزايدت و ارتفعت كالتلال…

زاد الرفاق من الصخب، زادوا من الأسئلة، الثرثرة، الهمس، الضجيج، الأصوات المبهمة، النقاش، الجدال..

انتفضت صارخة بهم أن يكفوا فقد أراقوا لحظات صفوي هباءً كماء انسال بين حبات الرمال..

انتبذت منهم مكانًا قصيًا، وحدي سأبقى علّني أستكين، سال دمع مقلتي ثخينًا لاهبًا، بقلبي ينبض الوجع..

برق الأمل فجأة من جعبتي متراقصًا كعادته..

ابتسمت رغمًا عني فالأمل خاصتي يشبهني، طفل مشاغب و لكنه حلو المعشر رغم إصراره على المشاكسة..

– الصديق سيعود طالما كان بالحقيقة صديق، نحن لا نخسر الحقيقيين بل نخسر الأشباه و الأنصاف و من هم بعض وهم أو أطياف خيال.

– متى سيعود؟!

– وقت أن تحتاجين إليه هنا سيكون موجود!!

– هنا بالجعبة!!

– نعم أليست جعبتك؟! و كل ما ترافقين، و به ترفقين معك لا يفارقك؟!

الشهرين السادس و السابع… خربشة فقط خربشة

تيه، حيرة، و انتفاضات سرعان ما تهب ثم تزول، أدور كبندول ساعة بلا أرقام، ساعة لا تعرف التوقيت..

الأيام تتباطأ ثم تتسارع و تنتهي، لم يعد باستطاعتي التوقف أو مواصلة الدوران..

غيمة تقترب، هل هي غيمة ماء يرافقها مطر؟! أم غيمة دخان لزج يحمل معه سواد قلوب البشر؟! أم غيمة رياح حمراء تحمل معها هبوب عاصفة؟!

لم أعد أهتم.. لقد بدأت في الانفلات شيئًا فشيئًا من القيود…

قيود الرفاق، و قيود مهام لم تنته، قيود الانتظار، و قيود التزام..

فقط سأدور و أواصل الدوران..

و أنا أدور بمدار الساعة التي بلا توقيت، بدأت الأرقام بالظهور، واحدًا واحدًا…

و أنا أواصل الارتفاع و كأنني بدوراني خلفت ورائي إعصار، و بداومته أنا بلا سيطرة، لقد أصبحت جزءًا منه.. لا بل أنا الإعصار، هناك بالأعلى ربما خارج كل مدارات الزمن، كل الصور تتلاحق أمام ناظري، جمع الرفاق سينفض، و الصديق سيعود سأجعله يعود، و مدينتي تنتظرني بصمود..  و الودائع لأصحابها ستُرٙدْ..

و لن يبقى لي سوى الأمل، و من يبقى من الرفاق .

هناك بادرة ألم، هنا بصدري لماذا أتألم؟!

هل تعبت من الدوران!!

ربما حان وقت التوقف…

الشهرين الثامن و التاسع… خربشة عودة

تواترت كل الأشياء حدوثًا… كما ارتأيتها و ربما أسرع مما تخيلت، لا يهم.. ابتعاد الرفاق، أو الوجع، لا يهم توالي الخيبات و انقضاء الوقت، لا يهم تلك القطيعة التي توشك على الحدوث، ذاك الانقسام و التردّي و الانفصال، لا يهم بوادر الغياب و اللوم بلا عتاب، لا يهم اليأس الذي يلاحقني يوشك أن يقتص مني الأمل، فأملي مراوغ و لن ينهزم..

المهم أن أرد الودائع في حينها..

لقد تعبت.. يا الله

ها أنا ذا أعترف… لقد حان وقت الرحيل..

أغمضت عيناي استسلمت لنوم كالموت.. من بعيد تتردد أصوات صادحة، يترنم أصحابها بأنشودة رثاء، هل يرثونني؟! أم يرثون لحالي!!

هل يفتقدونني أم يلهجون بدعاء شكر على غيابي!!

و هل سأهتم؟!

لقد علمت منذ ما كنت إعصارًا أن العاصفة على وشك اقتراب..

لقد علمت أن تلك الأمكنة روحي بها تضيق ..

لقد… عاد ها هو الصديق قد عاد.

بين احتياجي له و حاجته إليّ عاد!

لأجل أسئلتي و إجاباته عاد!!

لأجل شكواه و تسريتي عنه عاد!!

لأجل كفتي الميزان المتعادلتين عاد!!

– مرحى؛ ألم أخبرك أنه سيعود؟!

–  نعم أخبرتني.

–  أنا لا أخطئ حدسي، أو توقعاتي، و لا أكون مخيبًا للتوقعات..

أنا الأمل يقين الحالمين و في أعين التائهين سراب..

الشهور الثلاثة الأخيرة…. خربشات حلم و وهم و نهاية مسير

اقترب مني.. موحش بارد كئيب.. لكنه لم يخيفني، بل أربكني..

أخبرني أنه قادم للحديث.. فقط كي يحدثني!!

– و متى تتحدث مع أحدهم و تتركه دون أن تأخذه معك ليصاحبك برحلتك؟!

– يحدث كل دهر أو ده‍ور!!

– ما الذي يحدث؟!

– أقع في الغرام، غرام الحياة..

– و ماذا بعد؟!

– ألتقي أكثرهم شغفًا بها و أحاوره..

– و هل وجدت ضالتك؟!

– نعم! هو أنتِ!

– أنا؟!

– بلى

– ما الذي تبغيه من حديثك معي؟!

– أن تعرفي و تعلمي و أن أشعر أنا..

– تشعر؟!

– جميل ما يخلفه الشعور، بالشغف، بالأمل، بالنقاء. . رؤية الابتسامة على الشفاه و سماع صوت الضحكات!!

– أتستوعب مكنون تلك الأشياء، و جوهرها و قيمتها؟

– بالتأكيد، إن لم أدركها فمن سيدركها؟!

– أنت تحيرني؟!

– بل أنتِ!

– لماذا؟!

– لا تخافينني، و فضولكِ لا حد له!!

– أتمنى لو عرفتك، و أدركتك و اختبرتك… ثم بكل تهور المغامر و ثقته في الاكتشاف، أخبرتهم عنك.. وصفت لهم كيف ستكون الرحلة معك، و كيف بك سيشعرون!!

– أو تخونين ثقتي بكِ و تميطين اللثام عن أسراري؟!

– لن أستطيع… رغم ذاك التهور الذي أدعيه، رغم رغبتي المترددة و الواثقة بين الإخبار عنك، و بين الصمت!!

لا أستطيع و إن حاولت..

– أعلم، لذلك أنت الآنِ معي!!

– معك؟! هل أنا غادرت الحياة؟!

– لبعض الوقت، لكن أنتِ معي ليس على سبيل التجربة! بل أنا معكِ على سبيل المغامرة.. لقد أصابني الملل عالمي صامت يشبه القبر..

و عالمك ليس إلا نبض حياة..

و بين حين و آخر لها أفتقد…

ربما أنتم تختبرونني مرة واحدة، أما أنا فأختبرها كل مرة أقتنصها من أحدكم… ألامسها و لا أشعر بها.. إلا إذا التقيت واحدًا منكم لقاء ينتهي برحيلي أنا… لا رحيله هو..

– هل يعني هذا أن لقاءنا الآن هو أحد تلك اللقاءات؟!

ابتسم بغموض و اختفى…

و … و انتبهت أنا كما لو كنت بغفلة و استفقت، سارعت إلى جعبتي أبحث عن الأمل..

وجدته بركن قصيّ يبدو كما لو كان بانتظاري..

– لقد .. لقد التقيت الموت!!

– أعلم وشاركتكما اللقاء بصمت كعادتي..

– أتمزح!! لقد كان الموت!!!

– نعم! لا أرى في هذا أمر جلّ.

– لقد قال لي أنه يفتقد الحياة..

– جميع البشر يفتقدون الحياة، لصالح الموت، لا يدرون أنه لها بداخلهم مفتقد..

– صدقت و صدق الموت… ربما لا نفقد الحياة بالموت، إنما نفقدها عندما نكف عن الشعور بها….

– دعكِ من كل هذا ها هو العام و قد أوشك أن ينصرم، و ها أنتِ ذا وحدك أخيرًا و بعد حين..

ليس لكِ إلا أنا و صديق..

و قفز فرحًا إلى جعبتي الفارغة من

الأوهام الكاذبة، و الخالية من الودائع المنسية..

لم يبق بها سواه بين أوراقي و بعض الأحلام اليانعة، آن لي أن أرعاها

و حان لها أن تكتمل…

و انتهت الخربشات… مع آخر دقة في ساعة الجدار..

انتهى العام …..

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

  1. Bravi, uno dei prodotti veramente validi che vedo qua sopra, una manciata in tutto a mio avviso; consiglierei -se me lo permettete- di accelerare e serrare i tempi (risulta tutto un po’ troppo lento). L’idea è bella e ben realizzata. Il chirurgo a sinistra (per chi guarda) particolarmente bravo in alcune battute. Tutti e tre comunque validi attori!

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سينما: بين رامي مالك وتوم هانكس (سيدا طاعون الرب)

ليست فجوة بين الأجيال، لكنها انتكاسة في نفوس البشر. لو اعتقد البعض من العنوان أن ما بعده ي…