_

      يا لهول ما أرى .. ترى على مقياس الكون .. كم تبلغ حدة جمالها؟.

      تلك الجميلة التي جعلتني أفكر بطريقة ما لقياس مدى الجمال .. كانت وحيدةً تمامًا .. تجلس تحت ظل جدار بشارع فارغ من البشر في تلك الساعة من نهار ذاك اليوم القائظ .. لم يكن هذا كل شيء .. كانت تبكي أيضًا .. كانت تبكي بحرقة .. تحمل بيمينها منديلًا تمسح به أنفها كل الفينة والأخرى .. وتترك دموعها تسيل بغزارة .. دون تجنٍّ على سيولها الهادرة بالتجفيف الجائر .. اقتربت منها بهدوء حذر .. لا شك أن الصدفة قادتني للمرور بهذا الشارع الميت وقادتها للجوء إلى صمته للبكاء لسبب ما .. لابد من ترتيب قدري لذيذ يطوف بالأفق .. اقتربت منها رويدًا رويدًا .. ولم تكن تحس باقترابي .. تتكئ على طرف الجدار كوردة منهكة .. نداها الدموع .. وقفت غير بعيد عنها .. أطالع ملامح جمالها بحيرة .. لم، و كيف تبكي الجميلات؟ ما أعلمه يقينًا .. أن الكون يدور حول مآقيهن الساحرة .. أفلا يكفيهن ذلك؟.

– مرحبًا.

      نطقتها بصوت ضعيف مرتبك .. لم يكد يلامس طرف أذنها .. رفعت صوتي قليلًا وأنا أكرر:

– مرحبًا.

     رَفعتْ رأسها ببطء متثاقل .. صوتي كان يخترق حزنها وعزلتها بذات التثاقل .. صوتي كان يتهادى من على البعد غير المكاني صوب سمعها المشغول بالذكرى على ما أظن .. وانتباهها معلق بحزن اللحظة الحالية.

      عجزها البشري الصارخ .. هدى لسانها إلى النطق ذارفًا كل حزنها كلمات تحكي دونما انقطاع .. كانت تروي قصة لا أعلم تفاصيلها .. ودموعها لا زالت تسيل دونما معوق لمجراها على خدها الأسيل .. كانت تتمتم بكلمات حانقة متقطعة .. تفرغ جعبة آلامها بالبوح كأنني صديق قديم تعرفه وتألفه منذ الميلاد .. ولم أكن سوى قطعة خشبية تائهة .. بلا هوية ولا ملامح .. وهي جسد غارق بمحيط الشجن .. أفلا تتعلق بقطعة خشب قد تعني النجاة؟.

      كانت تحكي عن خيانة ما .. عن رجل تركها من أجل أخرى .. عن أخرى سرقت حب حياتها .. عن تفاصيل تاهت عن سمعي وفهمي ما بين صوتها المهترئ .. تمتمتها الحادة .. وجمالها الذي ما فتئ يحملني بعيدًا عن الانتباه لما تقول .. إلى ما أرى .. خداها وسادتان تشيان بملمس حريري .. يعاند سواد عينيها الدموع فيتبدى بين كل فينة وأخرى واضحًا بلا تلألؤ يحجبه .. ذوائب مسائر شعرها ترفرف لاهيةً ضاحكةً بلا كلل وبلا اهتمام بما يعتمل في صدرها من هم .. كانت لوحة كلاسيكية بدل أن تعلق على جدار متحف عريق بباريس .. اتكأت أدنى جدار متهالك بأمدرمان.

      قالت فيما قالت:

      لم؟ لم كان لزامًا عليه أن يكون خائنًا؟، ألم يكفه وفائي؟، ألم يكتف بحبي وعشقي؟، ألمـ.. ؟

      ولا آخر لتساؤلاتها .. قلت أقاطعها وأنا أزيل كائنا يخنق أصبعي:

      يا عزيزتي .. أنا لا أعلم من هو .. لكنني أعلم شيئين لا ثالث لهما .. اعلم أنه غبي بكل تأكيد .. لأنه فقد غادة بكل هذا الحسن .. وترك عينين لا تستحقان سوى الفرح .. تذرفان كل هذه الدموع .. وأعلم أنكن (النساء\ البنات\ الإناث\ مهوى القصائد) أعلم أنكن تعقشن معشر الخائنين فقط .. دون سواهم .. أتعلمين لم؟.

      في البدء كان الغزل .. وضع شيئًا من الجفاف على مذارف دموعها .. ثم أتى بعده التساؤل .. ليصرف انتباهها قليلًا عن الحزن .. ويوجهها صوب التفكير .. قبل أن تسأل: لم؟.

      قلت بابتسامة من يمتلك كل الأجوبة:

      لأنه يوجد على ظهر هذا الكوكب نوعان فقط من الرجال .. الخونة .. والمملون .. وأنتن يا صغيراتي تكرهن الملل حد الموت.

      ظفرت من شفتيها بابتسامة صغيرة تكاد لا ترى بالعين المجردة.. ابتسامة طفيفة خجولة.. وكأنما تحاسب ملامح وجهها على سماحها لشفتيها بمجرد التفكير في الابتسام.. ثم قالت مطرقة بحياء ملائكي:

      لكن .. أنت لا تبدو لي كرجل ممل.. هل أنت خائن أيضًا؟.

      اتسعت ابتسامتي دون حد .. وأنا أتشجع أمد يميني .. أساعدها على النهوض .. تنفض هي عن ردفيها بعض الغبار .. وأنا أجيب:

      أتعلمين .. سؤالك هذا يستحق الإجابة عنه بصحبة كوب من الشاي .. أم .. تفضلين القهوة؟.

      ابتسامتها كانت تكشف عن نفسها رويدًا رويدًا .. وأنا أكمل بنجاح تام .. إخفاء خاتم زواجي في أصغر جيوب بنطالي.

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

  1. عظيم . سرد قصصي ينتهي بحبكة محكمة . اعجبتني النهاية ، اعتقد أنها من الأقصوصات المفضلة على المجلة . تابع بود وإشراق .

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من ذاكرة نصف نبي

عذرًا فتياتي الصغيرات.. أنا لا أذكر الأسماء التي تمنحني السعادة.. أذكر فقط تلك التي تهديني…