سانديوس

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

من أكبر المخاطر التى يمكن أن يقدم عليها رواي هي أن يقوم بقتل بطل روايته عند الأسطر الأولي من بدايتها، ففي الأغلب يلجأ كتّاب القصص الى تأجيل موت أبطالهم الى نهايتها حتى لا تفقد حيويتها وأثارتها، وإن فعلوا غير ذلك فإنهم يحتاجون لبذل مزيد من عرق الإبداع ليخرجوا روايات أو قصصاً يستطيع قراءهم إكمال قراءتها للنهاية رغم علمهم بموت أبطالها.

في قصة موت معلن لا يجعلنا ماركيز ننتظر ولا حتى الى حين الأسطر الأولى منها  ليخبرنا بموت بطله، بل أنه يرمي بأمر الموت في العنوان الذي يوحي بان القصة إنما تدور عن موت محتمل للبطل، ثم تبتديء القصة بما هو أشبه بتأكيد للعنوان

” في اليوم الذي كانوا سيقتلونه فيه، إستيقظ سانتياغو نصار في الساعة الخامسة والنصف صباحاً لينتظر وصول المركب الذي سياتي فيه المطران” .

كما أنه لا يترك منفذاً محتملاً لنجاة بطل روايته سانتياغو نصار – إبن المهاجر العربي – من مخالب الموت، بل أنه يتمادى في تأكيد أمر موته في مستهل الرواية القصيرة

” أما ما كان يهم والدته بالمقابل من قدوم المطران هو أن لا يبتل إبنها بالمطر، إذ أنها سمعته يعطس أثناء النوم نصحته بأن يأخذ معه مظلة ، ولكنه أومأ لها بيده مودعاً وخرج من الغرفة وكانت تلك آخر مرة تراه فيها “.

 البداية تلك تجعل القارئ يستسلم منذ الصفحات الأولى للرواية لأمر موت بطل القصة ، ثم يطفق في البحث عما هو مثير في قصة بطلها هو في عداد الأموت دون أن يمل ، وماركيز حين يفعل ذلك – متعمداً – إنما يعلم بأنه يستطيع تقديم عمل مشوق دون الحوجة الى إستخدام أحدى حيل الإثارة القصصية الكلاسيكية ، تأجيل موت الأبطال الي نهاية القصص، كان واثقاً من أنه يستطيع بالإعتماد على الحكي الجميل فقط من إخراج عمل يشحذ إنتباه القارئ. والمقدرة على الحكي هي إحدي ميزات الرواة الجيدون، أقصد المقدرة على حكي قصص ربما هي غير مثيرة – إن حكاها أشخاص آخرون- بطريقة جميلة لا يملها السامع، وماركيز ليس مجرد راوي جيد، بل أنه أحد أركان الرواية إن كان للرواية أركان، أو هو أحد عظمائها بالتأكيد.

القصة  تدور أحداثها في إحدى قرى أمريكا اللاتينية التقليدية وهي قصة كلاسيكية، فتاة جميلة تدعى انخيلا فيكاريو تعاد الى منزلها في ليلة زواجها بعد اكتشاف زوجها الغني بانها ليست عذراء، يجن أخواها التوأمين بيدرو و بابلو فيكاريو بعد أن تبعث أمهما بطلبهما للبت في الأمرعند الثالثة صباحاً، يرفعها بيدرو فيكاريو من خاصرتها ويجلسها الي مائدة المطبخ ثم يقول لها وهو يرتجف غيظاً :

هيا أيتها البنت، أخبرينا من هو .

تختاره هو من بين الأسماء الكثيرة المختلطة في هذا العالم والعالم الأخر، تقول :

سانتياغو نصار.

ومن ثم تبدأ قصة الثار، قصة يعلم فيها كل من يسكن القرية بأن شخصاً ما سيقتل خلال اليوم ولكن رغم ذلك تتواطأ كل الظروف ضده ليقتل أمام باب منزله وعلى مرأى ومسمع سكان القرية الصغيرة، على رغم أن التحريات بعد ذلك لم تستطع أن تثبت بأن نصار هو من سبب الضرر فعلاً ولو بأقل إحتمال، فحتى صديقتا انخيلا فيكاريو تابعتا القول خلال زمن طويل بأنهما شاركتاها سرها قبل الزواج وأعلنتا في المحضر :

” لقد أخبرتنا بالمعجزة ولكنها لم تخبرنا بالقديس صاحب المعجزة “.

 كثيرون من أولئك الذين كانوا في الميناء كانوا يعرفون بأن سنتياغو سيقتل دون أن ياخذ أي منهم الأمر على مهمل الجد.

“فدون لا ثارو ابونتي الكولولونيل المتقاعد قال لي لاحقا : كانت لدي أسباب واقعية جداً لأعتقد بانه ليس معرضاً لأي خطر.

 والأب كارمن أمادو أيضا لم يهتم بالأمر، قال :

 ” عندما رأيته سالماً ظننت أن الأمر كله لم يكن سوى أكذوبة.”

أما كلوتيدي ارمينيا التى حلت محل زوجها في بيع الحليب بمتجرهما ليلة الحادثة فقد دخل الأخوان فيكاريو إليها، وبعد أن شربا زجاجتي خمر القصب سألاها إذا ما كانت قد رأت ضوءاً من نافذة نصار لتجيب بلا ثم تسألهم :

– هل حدث له شئ ؟

ليرد عليها بابلو فيكاريو :

– لا ، لا شيء سوى أننا نبحث عنه لقتله.

 لقد كان الجواب عفوياً حتى أنها لم تصدق أنه صحيح، ولكن الفكرة أرعبتها، فقد راءتهما مثل طفلين، كانت تعتقد دائماً بأن الأطفال وحدهم قادرون على فعل كل شيء ، إلا أن زوجها كان له رأي آخر عندما أوقظته لتخبره بالأمر :

“لا تكوني رعديدة ، هذان لا يمكنهما أن يقتلا أحداّ وخصوصا إذا كان غنياً. “

أما الكلونيل لاثارو ابونتي الذي أخبره الشرطي- الذي بدوره علم بالخبر من رجل آخر أحس بشعاع من الحقيقة في تهديد التوأمان- ثم أعادت زوجته الأمر على مسمعه ، وجد أن الخبرين ربما يتكاملان ، فبحث عنهما ليجدهما في دكان كلوتيدي ارمينتا، قال :

– ” عندما رأيتهما فكرت بأن الأمر لم يكن سوى تبجح خالص، لأنهما لم يكونا مخمورين كما ظننت “.

إنتزع منهما السكينين وأمرهما بالذهاب الى النوم ، كان يعاملهما باللطف نفسه الذي يعامل به زوجته ليهدئ من ذعرها ، قال لهما :

– ” ماذا سيقوله المطران إن وجدكما في هذا الحال !!”.

ويبدو أن شيئاً ما كان يقود البطل لحتفه دون أرادته ، فالورقة التى دفع بها شخص من تحت الباب من ضمن مغلف والتي كانت تحوي إنذاراً لسنتياغو نصار بأن هناك من ينتظره ليقتله مع تحديد السبب والمكان وتفاصيل أخرى دقيقة، كانت ملقية على الأرض حين خرج نصار من البيت دون أن يراها، وكذلك لم ترها ديفينيا فلور إبنه الطاهية ولا أي شخص آخر إلا بعد مضي وقت طويل على إقتراف الجريمة .

ورغم أن نصار وافق على دعوة الإفطار التى تقدمت له بها مارغوت- شقيقة الراوي – والتى ربما كانت ستجنبه الذهاب بالطريق الذي كان التوأمان ينتظرانه فيه لقتله، إلا أنه – ورغم إلحاهها الشديد – أصر على أن تسبقه ريثما يذهب ليرتدي ملابس ركوب الخيل فودعها بنفس الطريقة التى ودع بها أمه وكانت تلك المرة الأخيرة التى تراه فيه .

 تقول هي لاحقاً : ” لو كنت أعلم لأصطحبته إلى بيتنا حتى ولو إضطررت لتقييده . “

الوحيدة التى أخذت الأمر على محمل الجد هي أم الراوي لويسا سنتياغا ، فما كادت أن تسمع الخبر حتى لبست حذاءها ذا الكعب العالي ووضعت على رأسها طرحة الخروج الى الكنيسة وردت على زوجها حين سألها إلى أين هي ذاهبة بالقول:

” لأحذر صديقتي بلاثيدا، فليس عدلاً أن يعرف الجميع بأن إبنها سيقتل وتبقى هي الوحيدة التى لا تعلم . “

خرجت وهي تحدث نفسها قائلة بصوت منخفض:

” رجال أشرار، حيوانات خراء ليسوا بقادرين على عمل شيء سوى المصائب “

أسرعت بخطواتها لتؤكد أنها قادرة عندما يتعلق الأمر بحياة إنسان، إلى أن أشفق عليها شخص كان يركض بالإتجاه المعاكس فصرخ بها وهو يمر بجانبها قائلاً :

” لا تزعجي نفسك يا لويسا سنتياغا. لقد قتلاه. “

يلجأ ماركيز في قصة موت معلن الى الدمج بين إسلوبي السرد الروائي والتحقيق الصحفي، حيث أنه يحكي القصة على لسان راوي عاد الى القرية بعد سبعة وعشرين عاماً من الحادثة ليقوم بجمع المعلومات عنها عن طريق أخته – مارغوت – وكل من تبقي حياً ممن كانوا حضوراً حين الحادثة مستعينا بالتقرير الطبي وتقرير محاكمة الشقيقان القاتلان، ورغم أن أحداث الرواية ماخوذة من قصة واقعية يصعب التحكم في وقائعها إلا أن ماركيز أستطاع أن يعيد ترتيب الأحداث بطريقة جعلت قصة موت معلن من ضمن أروع الأعمال التى كتبها، عمل يستعرض فيه مقدرته على الحكي، يعرض فيه قصة معروفة النهاية منذ أول صفحاتها دون أن تفقد شيئا من إثارتها، فماركيز وحده يستطيع فعل كل ما هو جميل عندما يتعلق الأمر بالحكي.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …