ككاتبة للقصة القصيرة أرى في الكتابة شيء من التحرر؛ مادمت ألجأ إليها حين أعجز عن قول ما أود قوله بطريقة أخرى، ومادمت آمل أن أصقل باللغة مرآة لأراني. كما أجد فيها حقلاً لا تنفد خصوبته؛ بما أن كل ما سأقوله قد قيل وعليّ لصنع قصة جيّدة إبتكار طريقة جديدة لتكراره. لكنني كقارئة للقصة القصيرة والأدب القصصي عموماً أجدني أقل انفتاحاً، وأكثر إنجذاباً للأدب الكلاسيكي وأقل إستساغة للتجريب عدا في بعض النواحي كالأصوات السردية والخط الزمني، على أن يبقى في الحد الذي لا يشغلني تأمله وفهمه عن الإستمتاع بالقصة. لذا يصنفني بعض رفاقي بالكاتبة الكلاسيكية –بما أنني القارئة الأولى لقصصي- ويدفعون أمامي بكل النماذج الحديثة والمختلفة التي تظهر هنا وهناك، محاولين بذلك فتح نوافذ في جدران ذائقتي الأدبية.

  ضمن محاولتنا متابعة ما يحدث في الساحة الأدبية السودانية قادتنا أقدامنا أنا ورفيقي لحضور حفل أقامته إحدى دور النشر الحديثة لتدشين عددٍ من إصداراتها. استمرت الفعاليّة ثلاثة أيامٍ لم نحظ منها إلا بحضور سويعات من اليوم الختامي، خُصصت للتحدث عن مجموعة قصصية ثقيلة عند حملها، أنيق تصميم غلافها، استغرق الحضور في مدح جمالها والتغزل في عبقرية كاتبتها مشددين على إستخدامها اللهجة العاميّة الخاصة بمنطقة وسط السودان. وبنهاية اليوم لم نحصل على نسخ من الإصدارات المُحتفى بها، ولم ننل من إمسيتنا تلك سوى جدال عن الكتابة باللغة العامية قصّر لنا طول الطريق. فيما تبقى من هذا المقال حاولت صياغة رأيي لا في إصدارة تلك الكاتبة بالتحديد، ولكن في إستخدام العاميّة في القصص المدوّنة بشكل عام.      

من القفز والصراخ إلى التحدث:

 إن القدرة على التحادث هي قفزة تطورية كبيرة، وأحد الأمور المعقّدة القليلة التي تجعل من الحيوان إنساناً. رغم أن العالم اليوم يتحدث بما يفوق ال6500 لغة لكن من المرجح أنها جميعاً تنحدر من سلف مشترك لتجمُّع ضئيل من البشر كانوا يقطنون أفريقيا منذ أكثر من نصف مليون سنة، وأن كل لغات اليوم ليست سوى تطور لتلك اللغة. عند الوضع في الإعتبار الغرض من ابتكار اللغة فربما كانت الكلمات الأولى التي صاغها الإنسان للتنبية مثل “شش” أو  “واو” وهي كلمات لاتزال حيّة في كل اللغات بإختلافها، لكن اقتضى الأمر مئات السنين ليتمكن الإنسان من قص قصة؛ فالبناء السردي تطلب مئات الكلمات ودرجة عالية من التعقيد.

 النطق -أي الصوت الفعلي لِلُغةِ الحديث- هو تنفُّسٌ شفهيّ مُتخيّل؛ تنفس مُتحكّم فيه بواسطة عضلات، لكنه لا يساوي اللغة والتي تعني نظاماً كاملاً من الكلمات والرموز. ظهرت لغة الحكي اليومية لأغراض التواصل السريع، لتحل محل الحركات الجسدية والأصوات غير المنتظمة التي استخدمها الإنسان قبل ذلك، واستناداً على هذه الصفة ستحل اللغة المدوّنة -رسميةً كانت أم شعبية- في المرتبة الثانية إذ أن الفعل الميكانيكي للكتابة وقبل ذلك العملية الذهنية التي يتطلبها انتقاء المفردات ستجعل التدوين أكثر بطئاً، فتحويل الأفكار إلى كتل هوائية وإهتزازات أسرع من تحويلها لخطوط مائلة ونقاط.  

من لغة الحكي إلى اللغة الرسميّة:

     إن النصوص المدوّنة أو لغة الخطاب الرسمي كانت دائماً مختلفة عن لغة الشارع. على سبيل المثال لم يعكس الشعر الجاهلي اللهجات التي كانت في الجزيرة العربية في ذلك الوقت؛ شعراء من قبيلة ربيعة لم تأت في شعرهم ظاهرة “الكشكشة” التي عُرفت بها لهجة القبيلة، وهي إبدال كاف المخاطبة شيناً مثل قول المجنون “فعيناش عيناها وجيدش جيدها لكن عظم الساقي منش دقيق” وهي لهجة لاتزال إلى اليوم في بعض دول الخليج. ومثل “الفحفحة” التي تعود إلى قبيلة هذيل وبني ثقيف وتعني إبدال الحاء بعين فيقال “عتّى” بدلاً عن “حتّى” وغير ذلك من اللهجات التي لم تظهر في الشعر الجاهلي. حتى القرآن لم ينزل بلغة قريش كما كانت حينها ولا بلغة غيرها من القبائل لكنه جاء بلغة فصحى تجمع ما هو موجود وغير موجود في الجزيرة العربية، وربما لو قابلنا -بطريقة سحريّة ما- أحد المصريين القدامى لعرفنا أن الهيروغليفية التي نُحتت على جدران القبور والمعابد تختلف هي أيضاً عن لغة الشارع.

ومع أن التدوين في شبه الجزيرة العربية جاء بغرض التوثيق فقط، وأحياناً يعقب النص بوقت طويل مثلما حدث للقرآن إذ كان الإعتماد الأول على الحَفَظَة، وظل حبيس الذاكرة البشرية لم يُنسخ على الورق إلا حين بدأ الخوف من أن يمحو إيقاع الحياة السريع النصوص من الأذهان. لكن مع ذلك –مع أن التدوين كان بغرض التوثيق– إلا أن النص المُدوّن كان دائماً بلغة أسهل وأخف من لغة الحديث اليومية؛ كان دائماً موجّه نحو آخر، رسالي، يطمع في التواصل.

قديم أم حديث:

وُلِدت الرواية منذ البدء كرواية؛ أي أنها خُلقت كجنس أدبي مدوّن ثم تطور عالمها الداخلي وقواعدها بمرور الوقت. لكن القصة القصيرة يتناهى جذرها إلى الأدب الشفاهي كالحكمة، الطُرفة، الأمثولة، والحكاية الشعبيّة ولم تدون إلا بعد وقت طويل، لكن يمكننا الزعم بأن الشكل الحديث للقصة القصيرة قد انقطع عن جذوره ولم يعد بإمكاننا إطلاق إسم القصة القصيرة على الأدب الشفاهي.

 اللغة كوسيلة مقاومة:

  يتبادر إلى ذهني الكاتب الكيني نغوجي واثيونغو الذي كتب رواية (The Tevil On The Cross) عن إمرأة تضطر للتعامل مع العنصرية والجندرية الظالمة في كينيا المستعمرة. واثيونغو الذي اعتُقل لعام كامل دون توجيه اتهامٍ أو محاكمة بسبب كتابته وإخراجه لمسرحية أدّاها الفلاحون المحليون، مُنعت عنه الكتب داخل السجن كما منع الراديو والأوراق فكتب واثيونغو روايته على ورق الحمّام الخشن. داخل السجن تخلى عن إسمه عند التعميد وهجر المسيحية كما هجر الكتابة باللغة الإنجليزية -لغة المستعمر- ليكتب روايته بلغة ‘الجيكويو’ الكينية. فلسفة واثيونغو من وراء ذلك أنه يرى أن الأفارقة قد جُردوا من هويتهم وأُجبروا على التخلى عن ثقافتهم، وبتحدُث المرء لغته وممارسته لثقافته يستغل ما هو له في الأساس، وهو ما أسماه (تأمين الجذور)؛ إذ أوضح أنه لايزال يؤمن بالتبادل الثقافي وهذا يتضمن الترجمة الأدبية لكن قبلها على المرء أن يضمن جذوراً ثابتةً في ثقافته أولاً.  لكن هل يشعر الكاتب السوداني بأن اللغة العربية مفروضة عليه؟!

إن المكون الأفريقى أكثر أصالة من المكون العربي الذي دخل إلى منطقة السودان في حقبة تاريخية قريبة، لذا فإن فرض اللغة العربية كلغة رسمية في الدولة طبع آثاراً على المكونات الأخرى، فلايزال مواطن جبال النوبة مضطراً لتغيير إسمه في المدرسة والسجلات الحكومية والدراسة باللغة العربية التي لا يعرفها خارج أسوار المدرسة. لكن المكون العربي في منطقة شمال ووسط السودان نال حظاً أوفر من التعليم وبالتالي إنتاجاً أكبر، وتعرُّض أكثر للأدب المدوّن، وهو نفسه الذي شعر بعدم الإنتماء فسارع بتعريب الجامعات واستبدال المسيحية بالدراسات الإسلامية حال رحيل المستعمر الأجنبي. لذلك لم يعرف السودان من اللغات الرسمية سوى العربية والإنجليزية. وإن كان فرض اللغة العربية كلغة رسميّة لأن عدم التساوي في تقسيم الثروة والنمو جعل الناطقين بها يستحوذون على السلطة سيخلق من صديقي سانديوس كودي واثينغو آخر يسعى لتأمين هويته عبر كتابة الأدب بلغة ‘الكواليب’ -لغة جبال النوبة– بدلاً عن العربية أو الإنجليزية لكان فِعله مفهوماً تماماً، ولكن حتى إن فعل سانديوس ذلك فلن يكتب قصته باللغة المحكيّة اليومية، بل بلغة الكواليب الرسميّة والتي لها قواعد معقّدة كحال معظم اللغات عند التدوين.

 تأريخ لا نقل ثقافة:

     يرى ميشيل فوكو أن الخطاب الرسمي للدولة أقصى جزء مهم من ثقافة الشعوب تلك التي يحملها الخطاب غير الرسمي كلغة الإشارة والإيماءات ولغة المجانين المفككة غير الملتزمة بالنسق. وفي هذا المحور يمكننا أن نغفر أو نسمح بوجود اللهجات المحلية في التدوين بغرض التأريخ للهجة معرضة للإندثار، أو حفظ حكايات شعبية ومحليّة وهو وضع مهم وإستثنائي، لكن قلّة هذه  الحالات وضرورتها تجعل نقاشنا هنا عن القصة المدوّنة باللهجات المحلية يستثناها أيضا.  

 ساد إعتقاد بين كُتّاب الأدب أن تطعيم اللغة الرسميّة بحوار أو أسماء أدوات أو بعض الألفاظ بالمحليّة يساهم في نشر الثقافة المحلية، ويكون هذا الإستخدام مقبولاّ في  حدّه الأدنى أي مالم يشتت تركيز القارئ وتكثرُ الحواشي الشارحة الموضّحة للمعنى أسفل النص.  لكن الخصوصية الثقافية لمفردة ما تتلاشي حال ترجمتها للآخر وتتحول إلى قالب مفرغ من المعنى، وعلى العكس عند إستخدام مضمونها؛ فقد عرفت عن الروح الروسية من “الإخوة  كارامازوف” دون أن أتهجأ كلمة واحدة بالروسية، وعرفت عن الخرافات والعرافين من “مئة عام من العزلة” دون أن أنطق حرفاً باللاتينية. مادمنا قد ذكرنا الأساليب التي تم هجرها في الأدب، فلا ننسي أنه حتى وقت قريب كانت بعض الشخصيات الأدبية تستخدم “همم /أمم” وغيرها من المفردات الصوتية في حوارها المدوّن، ربما سمح لها الكاتب بالظهور محاولاً إلباس الحِبر لحماً ودماً. لكنّ كُتاب اليوم إنتهجوا طرقاً أكثر مواربة لإضفاء المصداقية من تدوين المفردات الصوتية وتكرار متلازمات الكلام، وبعضهم لم يعد يرى في مصداقية الشخصيات وإتساق القصة منحى جمالياً للأدب.

قاص وسيط!

 قد يرى البعض أن قراءة نص بلغته اليومية تجعله يقترب أكثر من الأحداث، فيصبح النص كالمحكي شفاهة؛ أكثر زخماً وتشويقاً نتيجة لإستخدام السارد إشارات جسدية وفترات صمت، بل عالم صوتي كامل يجذب به السامع من يده عبر بوابة من الزمان والمكان ويضعه داخل القصة. سأقرّ للقصة الشفاهية تفوّقها في سرعة التخيل  عند سماعها لكن ماذا عن قراءتها؟ حين أقرأ نصاً بالعامية يصف فتاةً تساوم بائع الأقمشة .. لا أتخيل الفتاة والبائع بل أتخيل أولاً قاصاً رأى المشهد في السوق وجاء إلى مظلة أمي ثم حكى لي المشهد أثناء إحتسائنا القهوة! قاصاً ربما يكون أحد أقاربي يستخدم بالضبط التعبيرات اللغوية التي وصفت الفتاة والبائع، أي أن عقلي يرتبك عند قراءة اللغة الشفاهية فيحولها إلى صوت أولاً قبل أن يحمّض المشهد داخل غرفه المظلمة. ربما لأنني تعودت على قراءة اللغة الرسمية وسماع اللغة الشفهية فتشتت تركيزي عن الخلط بينهما وأُضطر لصنع وسيط لا علم للكاتب به ليحكي لي القصة شفاهة. 

ختاماً: لكلٍ ذائقته الخاصة، فما يفضله أحدنا قد لا يرضي ذوق الآخر. ومادمنا نتحدث عن الفن فلابد أن المعايير التي بحوزتنا لا تشمل لفظَي صواب/خطأ، لكن من وجهة نظري الشخصيّة –التي لم أورد غيرها في هذا المقال- أرى أن القصة القصيرة فن لكنها حرفة في الوقت نفسه لها قواعد صارمة تميّزها عن غيرها، وأن الأدب -وإبتكار اللغة عموماً– جاء بغرض التواصل مع الآخر فعلينا تحقيقاً لهذا الغرض بناء جسر ثابت وإستخدام خارطة طريق واضحة ما أمكننا ذلك. 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

“وردة على فوّهة بندقية” قراءة في كتاب”ليس للحرب وجه أنثوي”

     حين صنع ألفريد نوبل المتفجرات قال بأنه يريد أن يصنع السلام. لم يكن يعلم حينها أنه وبع…