ساره

ساره النور :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

شريط من الأحداث مر مؤخراَ من أمامى أخذنى لذكرى إستماعى لأغنية “عم عبد الرحيم” صناعة الثنائي الرائع حميد ومصطفى سيد أحمد لهما الرحمه.. كنت وقتها فى طريقى من مدنى إلى الخرطوم بصحبة إحدى صديقاتى والتى كانت تستمع إلى بعض الأغانى فناولتنى السماعه الخاصه بها وهى تقول “أسمعى هذه الأغنيه”.. الحق أقول لم أنتبه لها كثيراً فقد كنت مفتونة بمجموعه من الأغانى السهله السريعه مما إحتوت عليه ذاكرة هاتفى.. حاولت التركيز معها ولكن لم أستطع.. فتركتها تمر هكذا.. ولم تسنح لى فرصة الإستماع إليها مره أخرى إلا بعد ذلك بحوالى العامين.. إستمعتها وكأنى أرى عم الرحيم ماثلاً أمامى فى ذلك المشهد المصور بإتقان المخترق للإحساس بصوت على قوته يحمل الشجن..

ربما اليوم وبعد مرور مايقارب العشرة سنوات منذ أن أستمعت إليها أول مره.. أجد فى نفسى تأملاً لذلك المقطع الذى يقول فيه :

حكومات تجى.. وحكومات تغور..

تحكم بالحجى.. الدجل.. الكجور..

هذا التصوير.. يكاد يكون تشخيص لحاله من الأسر التى يعيشها مجتمعنا تحت هيمنة فكر معين له من السطوه مايجب الوقوف عليه.

بالنظر إلى النظام الحاكم حالياً وفى مشاهد متفرقه نجد  :

الكارورى أحد العلماء ورجال الدين المعروفين لعامة السودانين.. يصف السيد الرئيس بأنه أحد اولياء الله الصالحين قبل ثلاثة أعوام.. ليتكرر المشهد من نائب رئيس البرلمان وهى تقول بإن ابن الميرغنى ولى يستطيع حل مشاكل البلاد فى ستة أشهر.. ولاأدرى ما حكمة الستة أشهر هذه ربما للرقم بركة مخفيه.

جمع من المسؤولين فى إجتماع للدعاء من أجل الفرج.. الخضر يعتكف فى الأراضى المقدسه.. الرئيس يعود من العمره.. وزير الماليه يناشد المواطنين بالإستغفار لرفع البلاء والغلاء.. حضور الشيخ البرعى رحمه الله لتوقيع إتفاقية السلام.. بله الغائب يقول ويقول.. ظهور شيخ الأمين فى بعض المحافل الرسمية .. أن تحتل هذه الاخبار صفحات الجرائد.. وان يشتغل الإعلام المرئ ببعض هذه المظاهر.

هذا التذكير والضغط المستمر يحملنى للقول بأن الهدف من ورائه دفعنا إلى التصديق بأننا مجتمع محكوم بفئة على أخطائهم هم الأخيار ورثة الأخيار.. والحرص الدائم على وجود نماذج مقبوله جماهيرياً ومحاولة تبجيلهم وتمرير قدسيتهم عند الموالين لهم لتصبح كما التزكيه لمجالسيهم من أهل الحكم.. هى احدى طرق الآله الإعلامية الحاكمة للسيطرة والإستمرارية .

مع كل ذلك أجدنى متسائلة لماذا وكيف إستطاعت هذه الحكومات المتعاقبة علينا  أن تستخدم نفس النهج “الحجى-الدجل-الكجور” مراراً وتكراراً.. وعلى إختلافها واياً كانت نهاياتها نجد أنها عادة ما تجد المساحة الكافية للتوغل فى المجتمع حد القبول أحياناً.. وهو أمر يحتاج الوقوف عليه ودراسته.

ربما يكون التقبل الشعبى لشخصيات ترسخ للفكر اللاعقلانى.. وتكرس للتفسير الخرافى الأسطورى هو الذى يمنح مثل هذه الحكومات المدخل المناسب للاستمرار.. فنجد أن إستغلال الفكر الدينى وظهور مدعين حراسته من الطرق والطوائف والجماعات المختلفة لعب دور أساسى فى تمييع أهمية التفكير التحليلى والنقدى.

عودة إلى بعض المشاهد :

مشهد أول :

دخلت مها ببطء ملتفحة ثوبها المزهر يبدو على رأسها بعض الإنتفاخ تحت الثوب ربما أثر تسريحة الشعر وعلى قدميها حذاء منخفض مفتوح من الخلف.. تتقدمها إمرأه قصيره بسرعة وخفة ألقت التحية على حجه فاطمة سيدة المنزل وهى تنظر إلى الجميع نظرة غريبة لم يستطع أحد تفسيرها.. ثم تقدمت ابنة الحجة فاطمة لتحييها أجلستها ومرافقتها على السرير المقابل لحجه فاطمة .. صمت الجميع برهة ثم تناثرت الأحاديث بين الجميع فى إتجاهات متقاطعة .. ليعلو صوت مرافقة مها فجأة : “مها شابة مبروكة وقول لسانها عيان”.. فإبتسمت مها إبتسامة عريضة لاتوحى بشئ.. تناول الجميع أكواب العصير خاصتهم ثم بدأت نهى بالحديث.. هكذا أخذت الحضور إلى عوالم الخيال وهى تلقى من النبوءات ما تشتهى الأنفس من الأمانى.. ومرافقتها تؤمن على ماتقول ومن ثم همست لإبنة حجة فاطمة ” لاتنسي حلواها”.. هكذا دخلت مبتسمة مدلدلة الأيدى وخرجت محملة بما مفاده حلوى.. وتركت خلفها مجموعه من الهائمين بعضهم مصدق وبعضهم متعجب للحدث.. والبعض الآخر ينادى كذب المنجمون وإخوانهم..

مشهد ثانى  :

نهار أحد الأيام الغائمة إستأجرت ركشة للعودة إلى المنزل.. وصدف أن كان الرجل كثير الحديث لدرجة الثرثره.. فكنت ألتقط بعض حديثه ويتساقط البعض.. ومن بين مارمى به أثناء حديثه ولفتنى “لشئ فى نفسى” أنه حكى متندراً عن صديقه المغلوب على أمره.. حيث قادته الأقدار الى ان يأتى عابراً بركشته أمام مجمع المحاكم ليصدم سيدة خارجة لتوها كانت تعبر الشارع دون إكتراث “على عهدة الراوى” فكان عاقبة ذلك الحادث أن أصيبت المرأه بشلل فى إحدى يديها وحُكم على السائق بغرامه تعويضيه وقدرها 18 ألف جنيه “18 مليون بالجديد”.. وبان الإنفعال على صوت الرجل وهو يحكى ان صديقه قد خدع فالمرأه كانت لامحاله مشلولة اليد إذ أنها حلفت يميناً كاذباً قبل خروجها من المحكمه فكيف لهم أن يبتلوا الرجل ليبيع كل مايملك كى يعوضها فقدها المستحق”…

وأجدنى مسترسلة نحو مشهد ثالث ورابع.. فالأمثله كتلك التى تجود بها النخبة الحاكمة كثيرة ومتعددة داخل المجتمع.

نتاج هذا الفكر هو خلق مجتمع متقبل راضى.. باحث عن كل شئ عدا الحقيقة.. وإستمرار فئة حاكمة مستبدة تحت إدعاء الخلافة والسلطة النيابية عن الإله.. وعليه لايود إلتزام واضح لهذه الفئة تجاه المجتمع وانما إلتزامها تجاه الله.. قد يولد ذلك تصور وهمى بأن العدالة لاحقة يمكن إرجاءها إلى يوم القيامة.. والحقائق يمكن تجاهلها بعين الغيبيات.. كما يؤدى الى تنامى نوع من الخنوع المقيت تحت قانون القضاء والقدر.. وكنتيجة حتمية لكل ذلك نجدنا كمجتمع ملزمين بقبول الحكام ماداموا أمر الله فينا.

ربما نحن فى حوجة ماسة لمراجعة الموروث التربوى والدينى بمجتمعنا.. ذلك الذى يبتعد عن التحليل النقدى للأحداث والظواهر المختلفة.. ويناهض الحقيقة فيلقى عليها بظلاله ويجعلها مغيبة لاقيمة لها فى مواجهة الخاطئ من الثوابت.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

دخان

يا عين يا عنية يا كافرة يا نصرانية.. عين الفتاة تقد الوطا.. عين الصبي سيفاً مضي.. العين مس…