عثمان

(1)

      الناسُ هنا وكأنّ ملامحهم متحنّطة منذ آخر مرة تركتهم فيها، لم يتغيّر فيها شيء، ذات التجاعيد الوسيمة تكسو وجوههم، نُحتت بأزاميل الكٙدّ والشقاء، مروسمة بنبل كشاهد على تعاقب الايام. ذات الأعين الدقيقة والمتعبة، الحادة والغاضبة. والشفاه الرقيقة، المتشققة، والمتزمّتة. ذات الأصوات الغليظة والهادرة، والحناجر التي أدمنت الصياح.

      ذات الأجساد النحيلة والرشيقة.

      أعمارهم تغدو بين الأربعين والستين، وكأنها واقفة بين هذين المدارين، منذ خمسة أعوام وهي المدة التي غادرت فيها هذا المكان.

     لم تبارحهم السخرية والضحك على كل شيء، فحياتهم تحولت إلى مقاطع من السخرية المتكررة. سخرية يقهرون بها هذا الضنك الذي يكتنف حياتهم، وهذه الرتابة المميتة.

     فصباحاً يضحكون على بعضهم البعض، يطلقون النكات والقفشات، وهم خروجٌ للعمل في طريقهم للمٙزارع والحقول وكمائن الطوب، فيحيلون الشارع إلى مسارح تضج بالحديث والهتاف والمناداة.

      أما نهاراً وعند شُربهم لشاي الظهيرة يضحكون وهم يحكون عن حالهم المعيشي والحكومة التي لا تشبع فهي في كل يوم تمارس هلعها وخوفها وتُكيل على ظهورهم مزيداً من القوانين وهم يقابلونها بابتسامتهم الساخرة.

     أما عصراً عند عودتهم مع أغنامهم، يغنون في زهو وفرح، وأجسادهم ترّتج من فوق ظهور حميرهم التي نأت جنباتها بحمل الاعشاب والأشجار اليابسة، هذه الحمير التي خبرت الدروب جيداً، ولا تحتاج إلى توجيه أو ضرب. تحملهم عبر الدروب التي أتوا منها، لا تكاد تميّزهم جيداً وهم في وسط اغنامهم، فحركة أقدامها تُثير الارض، فتُحيلهم إلى أشباح مع الغبار المُتصاعدْ. لكنها أشباح ضاحكة وساخرة.

     يتحركون في مسار واحد كأنهم نمل يقتفي أثر شيء ما، لا يغيرون طريق ذهابهم ولا طريق عودتهم. وكأنهم صاغو حياتهم على هذا المنوال.

(2)

     كنتُ دوماً أحتار في سرّ العلاقة العميقة التي تربطهم بهذه الحيوانات، وكأنّ تفاصيل حياتهم لا تكتمل إلا بها. “فالكلب” للحراسة ورفقة الطريق. و”الحمار” للتنقّل والمؤانسة – نعم المؤانسة – فقد سمعت الكثيرين يُساجلون حميرهم ويحادثونها أيضاً بمشاكلهم وهُمومهم. أما “الاغنام” فهي للمأكل والمشرب. فتنشأ تلك العلاقة المُعقدة وتتشكل بصورة غريبة ومتناقضة، فذات الأغنام التي يجتهدون في عشبها وسُقيتها اليوم، يذبحونها غداً ويلتذّون بلحمها، وذات الحمير التي يؤانسونها اليوم يوسعونها شتماً وضرباً.

     فتجد أحدهم أكثر قربةً وألفةً لها من قُربه وألفته للناس حوله. مثلاً “حاجّة سليمة” كان لها كلب يرافقها طوال حياتها، وعندما توفّت لم يكن هناك أحد جوارها غيره، ظل ملازمها لنصف يوم، جاثماً أمام جسدها المتكوم على الأرض بعد سقوطها، لسبب لم يعرفه أهل القرية إلى الآن، رفض حتى النباح وإبلاغ الناس، وكأنه يعرف أنهم لن يهتمو لأمرها، أو لخشيته أن نباحه سيزعجها.

     المُنصت إلى أحاديثهم يجدها مُتكررة ولا تخرج من قصص يجترّونها كما تجتر بهائمهم العلف ليلاً. وتكاد أمثالهم وأساليب عيشهم لا تخرج من الإطار القديم الذى رسمه الاجداد. ربما كان ذلك لضيق المعين المعرفي الذي ينهلون منه، فما عدا نشرات الإذاعة وما تبثه القناة القومية لا تجد لهم مصدر معرفي اخر – وكأنهم لا يريدون أن يعرفوا جديداً -. ولعل الثابت في عرف الحياة أن الإنسان يتغير بالمعرفة، والتي إما أن تكون معرفة أكاديمية مباشرة، أو معرفة تكتسب بالتعرف على حيوات أخرى؛ وكيف لهم بهذا، وهم يتحركون في مساحة ضيقة قد لا تتجاوز الأربعة كيلومتر مربع.

    تضجّ مجالسهم بين الحين والآخر بالحديث عن الزواج؛ لتبيان فُحولتهم وذكورتهم العالية، فهذا يتفاخر بزواجه لست مرات، والآخر يباهي بذرّيته التي تجاوزت الخمسة عشرة فرداً من ذكر وأنثى ويرى في نفسه قادراً على فعل المزيد.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

هيّا نشترِ شاعراً

( عليّ أن أقطع أميالاً قبل أن أنام). ( علينا ألا نترك الشعراء في الحدائق). (1) سِحر الرواي…