بقلم الكاتبة: لمياء شمت

“ذاك العالم البعيد العجيب” التعبير المشع الذي أورده الطيب صالح في إشارته لحكائية إبراهيم إسحق، باعتبارها كشفاً أصيلاً لتفاصيل ذلك الكون البيئي الحاشد، وصياغة لعوالم إنسان الريف وكدحه الحياتي، تحديداً في بيئة غرب السودان، وأرياف دارفور؛ بمعايشتها للواقع اليومي بحس رصّاد حافز للتأمل، ومجدد للإدراك. وهي بلغة أحمد المكرم “واقع ملتبس غائب ومعزول تسعى النصوص إلى تبيانه وتجليته”. وهو عين ما يضطلع به مشروع إبراهيم إسحق الإبداعي إذ يورد في أحد مقالاته الصحفية: “من الذي يكتب تاريخاً قروياً لهذه الأوضاع غير الإبداع السردي؟!”؛ مؤكداً غير مرة بأن “الإبداع السردي يطمح إلى التقريب بين المجتمعات الإنسانية”. لتنحني قذوع أشجار الحكي الفارعة بالتفاصيل الطرية، والحوارات المتصلة. حيث يتجلى الغوص الحثيث في واقع الإنسان ودوافعه ورغائبه، وجوانبه الغائرة الخفية، بتحليل فلسفي عميق أنضجته خبرات المبدع الحياتية، وقراءاته الواسعة، وملكاته الإبداعية والرؤيوية .
ونبدأ تطوافنا من عند الاقتباسات الأدبية، والتي تأتي كمفتتحات للحكي ترتبط بتيماته، وهي أيضاً بمثابة توطئة وملمح يضيء النصوص، ويؤسس لإطارها المضموني.
وندلف من هناك إلى شعاب متن حكائي وسيع وطيد، ينبسط ماهلاً، رحيب الأكناف، مفتوح الأفق، منسوم الحنايا. وابتداء نلاحظ أن السرد ينهض بطرائق مختلفة ومتنوعة. فهو قد يُبتدر بوصف هيئة شخص وحاله (كرومة ود شاخوت رجل برقاوي فوق المربوع، أخشن، نزل علينا في الخروبات قبل ثلاث سنين أو أربع). وعادة ما يكون الموصوف شخصية لها تأثيرها في مجرى القص، تنطلق منها الحكاية. أو قد يبدأ النص برسم مشهدي لموقف ينسرح منه السرد: (وأحضر يعقوب ود مسبل قعوداً يجره إلى رحله، والرغاء يملأ طرف الحلة). أو ربما يستهله الراوي بوصف حالته الذاتية: (منهمكاً أزِنُ صمغاً جلبه عرجوج)، قبل أن ينشعب الحدث وتنداح دوائره.
ونقف كذلك على تقنية هامة أخرى تتمثل في تخليق بنى حكائية تغذى الحكاية المركزية، وترفد تفاصيلها. إذ نجد أحياناً أن الراوي قد يتنازل طوعاً عن سلطة الحكي، لتُسرد الحكاية داخل أطر أخرى: (يحكي لنا فلان)، (حدثني شيخ الدين الترزي). وأحياناً قد يبدأ بالواو مسترسلاً، وكأنه يستأنف حكيه المدرار: (وكالعادة ينتابك ذلك الشعور المدغدغ). أو يبدأ بتساؤل مباشر: (فمن يصدق؟)، (أتساءل لماذا عندما يمشي جدي عبد الخير كنا لا نمسك عن الضحك؟). أو قد يبدأ بمفتتح حواري: (طالت الأيام يا عماد ولدي) أو يحادث الراوي نفسه:(قلبي ما يأبى إلا الرميمات).
ومن ذلك المطلع ينخرط القاص في تشيد معمار عوالمه، متنوعة الأجواء والرؤى، كباحث أناسة صميم، ينهمك في تقصٍ حقلي، بنظرة واسعة مفتوحة على مداها للمجتمع، وخصائص البيئة ببانوراماها الشاسعة من وديان وشعاب، وجبال وتضاريس ومنحنيات وآجام. بتصوير متمهل وشديدة العناية بتفاصيل طقوس الحياة والمعيش؛ وتقاطيع الطبيعة وملامحها التي توسمه بألوانها وأصواتها وموجوداتها. ويتم ذلك بتركيز على فرادة علاقة الإنسان بموجودات الطبيعة وكائناتها، وانهماكه العميق في كنف البيئة التي يعتاش عليها جسداً وروحاً.
ونقف في ملاحظة أخرى عند نحته المشهدي الدقيق للمكان، ريفياً كان أم مدينياً، كماعون للحدث وشخوصه، وكحاضن يرفو الذاكرة ويرسخ الوقائع. مثل أمدرمان وهي تلوّح من بعيد لعين المسافر عنها (فتترك البقعة وراءك تسبح في حرها وسمومها وغبارها اللدود). ويظهر في مشهد آخر جبل التبر (ناهزاً حاجزاً بيننا وقرص الشمس، كأنه فيل منكفئ على عضديه يحدق في أنمال ساربة). وتبدو المنازل (أليفة متنغمة بالاستكانة تحت أضوائها). ويتوهج الحي السكني الراقي (حي ناعم كصرح سليمان الممرد من قوارير).
وعبر المسرودات تقدم حكائية إبراهيم إسحق مثالاً فارعاً لتهجين الفصيح بالعامي بنسق متناغم مطواع، دون أدنى شعور بانفلات، أو افتعال ساذج يفرط في تحصين الفصحى، أو ينزع لجحد العامية كلغة محكية يومية. فينخرط القاص بأناة في تسميد حقليهما، جانياً ثمارهما الغضة الطرية، وغلتهما السخية، دون شطط أو إبهام رمزي مخاتل، حيث يمضي القاص في اشتغال دؤوب ينسج خامتهما معاً نسجاً بارعاً يوسع دلالتهما، ويفتح أفقهما لتتجلى الانحناءات الوجدانية في هجنة اللغة الحكائية، بنبرها ونبضها الحميم، وايقاعها الرخيم .
وبنقلة مدروسة جريئة لا يتردد القاص في إطلاق العامي خارج حدود الحوار. وذلك بتفصيح المفردة العامية، وتطعيم الجملة بالمفردات العامية لتبدو سائغة أليفة في سياق الفصحى. ولنرى مثلاً وصف موتر الشرطي الذي هبط به في خور أبوعنجة (دقّ ونطط به الحديد على حفر الخور اليبوس). وهناك الرحلة البرية إلى الغرب باللوري بين الجبال والوديان والخيران، والقيزان الرملية: (الهوان التعس منها يكابس كل الجهات). ونتجه معه نحو المدينة المقصودة وهي (راجية في ثنايا كثبانها). وفي حكاية أخرى ذات طابع بوليسي نقع على بلاغ للشرطة من أحد الأحياء السكنية عن (الرائحة التي كرّهتهم عيشتهم منذ البارحة). وفي تحري الأدلة الجنائية يخبرنا الراوي بأنه (ليست هناك قصبة واحدة تدلني على المجابدة). ويستمر البحث المتواصل عن دليل إلى أن يبلغنا بحماس: (لمحت عند مدخل أحد البيوت أثراً شلع له قلبي). هكذا تستمر هندسة الجملة الهجين بتركيب الفصحى والعامية في نسق مرن مبين. ففي نص آخر على سبيل المثال يأتي وصف حركة الأفعى صوتياً (سربت الهولة وردولوب وردولوب إلى وسط الطريق، أصلة لا أول لها ولا آخر). وفي حكاية برهوم الذي وقع مع ناقته الصهباء في البئر، فطفق يرتل القرآن متحصناً به ومستأنساً بآياته (لا ألولح بجسمي على الرحل كما يفعل القراء، خوفاً من أن ينهار بي الجانب الضعيف من ذلك الكتف الترابي إلى المهاوي العميقة). ونقف أيضاً على عملية إنقاذه من الجب حيث (ربطوا حبالات النبات على ثلاث فتلات ماكنات). ونرى الأخ المكروب الذي (ينتزع أخاه من الرحل ويحتضنه ويجعر بالبكاء).
وتظل اللغة تفتح صدرها للعامية بخصوصيتها الاجتماعية ونفاذها التعبيري، حيث يسخرها القاص لتخليق صور ينحتها بعناية، وينفخ فيها من روح الحكي العذب المروحن حتى تستوي حية نابضة. ونمضي في حكاية أخرى لنشهد العراك ينشب في زاوية المسجد (فلم أع إلا بصوت الشلوت). وهناك وصف قطيع النعاج (والقطيع يخمش من العشب الموطوء الزانخ). وكذلك البعير وهو يقتات (يمعط من هشاب الدرب اليانع عدة جزات). ونقف على مشهد معالجة قروح البعير المجني عليه بالقسوة السادرة (قيدته، وسفيته، ومرصت له صفق اللالوب). وهناك الراعي الذي يستند إلى الحمير في مشيته (وكأنه يتلبد وراءها) بالقرب من (جذوع اللالوب المجدّعة تحت الجبل).
ولا يكاد القاص يتوقف عن شغفه بسبر ممكنات اللغة، ومهاجنتها ورتقها ببعضها، لتجسيد مختلف الحالات الإنسانية من زوايا متباينة. متجرياً بإحكام طيف المفردات بما ينسجم مع أجواء الحكايا، وبيئة وواقع الشخوص، ومنطوقهم التعبيري الحياتي اليومي، الذي يعبر بصدق وعفوية عن مزاجهم وتوتراتهم وانفعالاتهم، ونوازعهم النفسية والعاطفية. وهو ما يسهم بدوره في إضفاء المزيد من الصدقية على حضورهم ومشاركتهم في تأسيس الحكايا، فيرفد تلك السردية بالمزيد من تماسك بنائها وسبكها الحكائي.

بريد الكاتبة الإلكتروني:

lemyashammat@hotmail.com

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

علمٌ لم تره إلا الأعين الحرة!

أبت روح الأديب إبراهيم اسحق إبراهيم أن تقبل تكريم “جيل جديد” لها، واختارت النأ…