الروائي ابراهيم اسحق:

“الرواية لا تسجل التاريخ الحقيقي للإنسان”

“على النقاد أن يوضحوا الرموز والتداخل بين النصوص”

“أجمل رواية في التاريخ هي أصعبها”

  ندلف اليوم إلى عالم الروائي والقاص الأستاذ إبراهيم اسحق ذلك العالم المتميز بلغته وإمكاناته السردية العالية؛ عالم مليء بالتكثيف والإيحاءات، نحس بمتعة وجمالية السرد ووعورته وعمقه في آن، نحاول استكشاف عالمه السردي من خلال أسئلة وجهناها له، لنرى كيف سيجيب الكاتب وكيف يقرأ أعماله. سألناه أيضاً عن دور النقد وانتشار الكتاب في العملية الإبداعية، وعن رأيه في المشهد السردي الراهن في السودان وعن إطرائه إقليمياً وعربياً. وكذلك سألناه عن دور اللغة وكيف يعبّر الكاتب عن عالم سردي خارج اللغة القياسية، بما له من خبرة ودربة ومعرفة يشهد له الجميع بها في كتابة الرواية والقصة. كما ان له مجموعة من المقالات والدراسات في مجالات الأدب والفلكلور والقصص الشعبي والتي لا بد أثرت بدرجة كبيرة في كتاباته الروائية والقصصية.

حاوره – حاتم الكناني

هناك ازدهار في الكتابة الروائية والقصصية في الفترات الأخيرة، ليس في السودان فقط وليس في العالم العربي فقط، بل على مستوى العالم إلى ماذا تعزي هذا الازدهار الذي أنتج مقولة «عصر الرواية»؟

أنا أُرجع هذا الأمر إلى فطرة في النفس البشرية تهوى السرد وليس هنالك مجتمع في التاريخ أو في الحاضر لا يتمتع إنسانه بالسرد.. في المجتمعات الأمية يحكي الناس تاريخهم وتجاربهم وحكمة حياتهم في الأخبار والحكايات والطرائف والملح والقفشات والنوادر، ويستمر وجود نفس هذه الأنواع في المجتمع الكتابي، وطبعاً الحاجة للشعر هي عند الأميين والكتابيين بنفس القدر من الأهمية، لكن الذي دفع بالرواية والقصة القصيرة إلى المقدمة في هذا العصر هو انصراف الناس عن الإستماع للحكاية في محفل جمعي، نسبة للفردية التي أصابت البناء الإجتماعي.. وهذا الوضع أضاع الملاحم والمسارح وجلسات الحكي الجمعي فحتى عندما يجتمع الناس أمام التلفاز أو داخل قاعة السينما إنما يتابعون الحكاية على فرديتهم وهكذا صارت الرواية والقصة القصيرة بتأهلها للإستجابة لنوازع الشخص المنفرد صارت هي اللائقة لتوصيل الصورة الجميلة والحكيمة عن الإنسان لكل فرد حيثما يكون.

الرواية بشكل أو بآخر تكتب تاريخ الإنسان، تكتب كل ما يختفي من متون كتب التاريخ هل توافقني؟ هل تلك هي الوظيفة الرئيسة للرواية، أي كتابة تاريخ الإنسان؟ هل هناك وظائف أخرى اجتماعية أيديولوجية مثلاً؟

لا أظن أن في مقدور الرواية تسجيل التاريخ الحقيقي للإنسان فهذا التاريخ يمتلئ بأشياء مملة ومضجرة وخفية وقبيحة جداً لهذا يجمع المؤرخون تواريخهم من الاعترافات والوثائق، وليست كلها في متناول كاتب السرد الخيالي.. القاص قد يستعين بكتب التاريخ وبالإعترافات لكنه يتصيد لنوع الأحداث التي تعرض بصدق خبايا الطبيعة البشرية، وهو حينما يصور هذه الحوادث يضعها في أطرها الاجتماعية والأيدولوجية وما عداها، وبهذا نستطيع أن نقول بأن القراءة النقدية لمجموعة السرد الخيالي الرفيع في كل حقبة قد تعطينا انطباعاً صادقاً بأن المبدعين لهذه الحقبة قد استطاعوا أن يصوروا لنا الملامح العامة لمجمل الحياة التي عاصروها.

أخبار (البنت مياكايا) رواية تاريخية كما ذكرت عنها تبرز دلالات قريبة أو بعيدة تشير إلى موضوع الهوية السودانية. في تقديرك أين تقف أخبار البنت مياكايا من حيث الرؤية من تيارات أدبية وفكرية ناقشت ذات الموضوع كالغابة والصحراء أم أنها لم تحتكم لتلك الثنائيات«غابة/ صحراء»«عرب/أفارقة»؟

سؤال المرحوم النور عثمان أبكر في أوائل الألفينات حول إن كان يعتقد بأن عملي ينتمي إلى الغابة والصحراء أو السودانوية فرفض المقولتين معاً. الشيء الذي حاولت عمله في (أخبار البنت مياكايا) هو قراءة المنتج المتعدد النواحي، من اللقاء بين الأعراب والأهالي الذين التقوهم في السودان كله حتى بحر العرب والسوباط، هنا تلاقح سلالي وتمازج ثقافي وتأقلم أيكولوجي أي مع الطبيعة.. الكون توسع عند الأعراب وعند الأهالي معاً ليس بالانتقال المكاني ولكن بالوعي الجديد الذي يصنعه التمازج والتلاقح. هنا اكتشاف في نظري لحقيقة كانت ضائعة منهما وهي أن البشرية التي كانت متباعدة ومغلفة في الرؤيات الوهمية بانت للطرفين بأنها جوهرة واحدة، تلبست في التباعد الماضي بغلالات الغرابة التي تسوق إلى العدائية الجهلاء.

لغة مكتنزة وتقنيات سردية عالية تتجلى في أعمالك ألا تهاب من استجابة القارئ لأول وهلة، وأقصد ألا يتعب ذلك القارئ قليلاً وهو على أهبة الولوج إلى عالمك الروائي؟

يوجد في رواياتك استخدام لقاموس عامي«دارجي» وتدجين له داخل سياق اللغة الفصيحة اتوافقني؟

      لقد تعلمنا بأن الجميل والعميق صعب المرتقى، وعلى المطلّع عليه أن يكرب عزمه من أجل أن يستخلص خباياه…أجمل رواية في التاريخ هي أصعبها ـ أعني (العوليسة) لجيمس جويس نحن لا نقصد وضع الصعوبات؛ لكن المبدع لا يستطيع أن يبسط الأمور بالشروح، ولا يستطيع أن يزيف لغة الجماعة التي يكتب عنها.. اللغة الإبداعية في السرد السوداني عندي تطلع من عربية سودانية وليس من عربية معيارية نقرأها في كتب التراث، ليس هنالك بديل لكلمات مثل الكوراك، الجبراكة، الراكوبة، القطية، العنقريب.

أنا أكافح لأضع علامات ترقيم تساعد القارئ كي يستوعب التركيب الدقيق للصورة التي أريد أن أنقلها إليه، لكنني كثيراً ما أتحسر عندما أجد بأن تكثيف الإيحاءات في نصوصي السردية لا ينتبه له إلا القلة، وهنا دور مفقود هو عمل النقاد إذ على هؤلاء أن ينبهوا القراء إلى التكثيف والإيحاءات، عليهم أن يوضحوا للقارئ الرموز والتداخل بين النصوص، عليهم أن يبينوا للمطالع بأن هذه الأحداث لم يجمعها السارد لتطويل الحكاية؛ ولكنه يجمعها لتؤدي مع صور الشخصيات إلى خلق معان توضيحية مركزية لفهم الطبائع البشرية عندما تتعارك مصائرها في بيئة ذات خصوصية.

كيف تنظر إلى المشهد الروائي والقصصي السوداني في راهنه؟

هنالك سرد كثير وجهد مقدر وهذا مطلوب فلابد من التوسع الأفقي المستمر حتى يظهر التعمق الرأسي، في وسط الزحام تبرز المنافسة أولئك الذين يدرسون فنهم دراسة عميقة، ويفكرون جيداً ويجربون بعمق بدلاً من التوهم بأن الموهبة هي كل المطلوب مع شئ من القدرة على التعبير الطريف.. هنالك وسط الدفق السردي متميزون كثيرون، ولكنني لا أرغب في أن أحاول احصاءهم فهم قد تمكنوا –  ولا ينفعني ولا ينفعهم ان اذكر بعضهم فأغفل عن البعض الآخر.

في ظل كساد سوق الكتاب الأدبي تحديداً وانصراف المجتمع السوداني عن متابعة المشهد الأدبي، بالإضافة إلى مشاكل النشر والتوزيع داخل السودان هل من بارقة أمل في ظنك؟

إذا أبدع الكتاب وهلل لعملهم النقاد، وسعى المجتمع السوداني لنشر هذا العمل المتفوق في أقاصي الأرض، لأنه تميز سوداني يرقي إلى أفضل ما لدى الأمم الأخرى. هذا هو المقصود حتى ولو قل القراء وكسد سوق الكتاب، وانصرفت الغالبية عن متابعة المشهد الأدبي لا بديل هنالك إلا ان نقرّ بأننا شعب غير مبدع. إذن فهنالك شعلات للأمل، وكل الذي نبتغيه هو أن نتحمس لإجلاء صورتنا عند العالمين…المبدعون يصقلون إبداعهم والمجتمع يشيد بمحاسن هذا الإبداع، ثم ترفعه عالياً لكل العالم حتى يطلع عليه الآخرون ويشاركوننا في الإندهاش لعجائب بشريتنا.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

علمٌ لم تره إلا الأعين الحرة!

أبت روح الأديب إبراهيم اسحق إبراهيم أن تقبل تكريم “جيل جديد” لها، واختارت النأ…