9df3c39590

مودة نصر الدين :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

لم يعد مالكي يهتم لأمري ..ذلك الرجل تافه حقاً , صار شكلي قديماً وهو لا يهتم بترميمي البتة , وتلك الجارة الجديدة تكاد تلامسني بكتفها السميك .. و أكاد أجن برائحة الطلاء الباهظ عليها.

لكنني قوية..رغم ذلك الصدع الكبير على حائطي الخلفي .. ولا أنوي أن أتهاوى قريباً.

ما زلت أذكر ذلك اليوم .. عندما وضع حجر أساسي .. قلبي القوي .. أحسست أنني بعثت بعد أن كنت منتشرة بأحداب عدة .. لا أدري ما هدفي من التواجد بها ..الآن لي حياة .. وبعد أن خرجت من رحم الأرض .. وإرتفعت بمدماكين عن السطح رأيت مكاني من الدنيا .. و حجزت موقعي , كانت (الحاج يوسف) وقتها خالية من العمائر, فقط بيوت جالوص و طوب أحمر.. لم أكن أعرف أنني سأرتفع لخمس طوابق .. ياللزهو .. و لم أعرف أنني سأقف شاهدة على الكثير

و رغم أنه -ذلك التافه- لم يتكرم علي باللياسة أو الطلاء الخارجي : إلا انني كنت جميلة وجذابة بطولي الفارع .. أبهر المارة المشدوهين ..فمعظمهم لم يشاهدوا عمارة بهذا القوام من قبل .. واكتفي أنا بإطرائهم الصامت.

كل أجزائي كانت تعرف أنها ستلتقي يوما ما..الحصى والرمل..القادمان من عمق الصحراء التي تلي خواتيم أمدرمان شمالاً (القرية حالية) ..والطوب الأحمر المحروق في كمائن ضفاف النيل الأزرق ..حتى الإسمنت..رغم أنه لم يكن صناعة وطنية ..جميعهم إئتلفو ..كل وجد ضالته في الآخر ..و أفتخر أنني لم أفقد أي من أجزائي الأصلية ..لا باب أو شباك.

أنا متعلمة.. أو تعلمت الكثير من الرجل الذي سكن بطابقي الأول لمدة عشر سنوات إلى ان توفي ..هو جد لعائلة صغيرة .. و منظمة .. كان رجلاً قراءاً.. يقرأ في كل شئ . .يقرأ بصوت خفيض ليسمع نفسه .. و كنت انتظر الأخبار عن مثيلاتي .. مرة قرأ عن واحدة بمائة طابق و اخرى بأكثر .. كيف تتمالك تلك على نفسها ؟؟ و أي خالق بارع قادر على ربط هذا الكم من الحصى والرمل و الاسمنت ؟؟!! وفي وصفه لإحداها عرفت أن البشر ينتقلون بداخلها ليس بالسلالم .. بل بصندوق متحرك يدعى الاصانصير .. و يتم تزويدها بالطاقة عن طريق أشعة الشمس بتكنولوجيا  لم أفهمها جيداً .

و الذين يسكنون في الطابق الثاني..يأتي معظمهم في المساء بالمشاريب والمداخن..فينفصلون عن بعضهم ذهنياً..يتكلمون فيما تسمى (الحبيبة) ..(البلد)..(الهجرة) .. (الجامعة) و (الجنس) ..يمجدون الحبيبة ..يحتقرون البلد والساسة .. ينوون الهجرة ..يكرهون الجامعة و يمارسون الجنس مع بعض العاهرات …عموماً أعاني من الإتساخ في هذا الطابق.

أما الاسرة التي تسكن الشقة اليمنى من الطابق الثالث ..أعتقد أن لهم أسلوب حياة أبطأ مما أراه في البيوت من حولي ..فالأب ليس له عمل محدد .. و لم يهتما – الأم و الأب – بإدخال إبنتيهما إلى المدرسة .. عرفت أن إعتمادهم على إيجار دكاكين بالسوق الشعبي .. وفر عنهم تعب العمل !

والشقة اليسرى يسكنها الكثير من العابرين ..لفترة شهر على الأكثر..عكس سكان الطابق الرابع .. أسرتين متداخلتين ..يشتركان في معظم النشاطات..أرباب الأسرتين مغتربين..قادرين على تسهيل حياة أبنائهم الكثر..لا أراهم إلا شهراً في كل عام.

و مالكي له هواية الزواج..-غير الزوجة الأصل كما يسميها-..يتزوج البكر في شهر..و يفتعل المشاكل معها في الثاني لترسل دون رجعة لأهلها في الثالث !!

ليعود بأخرى..شهدت له سبعة عشر زيجة في خمسة عشر عاماً

و السطح كان أقبح أجزائي..أثاث قديم متراكب و أوسخ تتخلله جلبها الهواء..بالإضافة لخزانات المياه..أين أنا من السطوح النظيفة والمزروعة..لكنه بالرغم من ذلك كان ملتقى لبنات المغتربين الثلاثة مع بعض شباب الطابق الثاني..

كما الآن..أنتظر الخريف دوماً..ليغسلني..و يطهر جدراني من حوارات الناس بداخلي و خارجي.. أنتظر رعده ليخيفهم فيلوذون بي بغية الأمن..كحين يغلقون الباب على غرفي و يبكون ..أو يضحكون..أو يتحابون..أنتظر الظلام الدامس ليتحسسو جدراني لطريقهم ..و أتألم عندما ينحتون أسمائهم علي ..ولكن لخلود ذكراهم فيا..أحتمل.

أحس كأنني أمهم..فبعد أن عرفت الناس بكل أشكالهم و دواخلهم..تمنيت لو اكون أماً..فهي عمارة رائعة..أحس بأنني ملجأهم الأبدي من الدنيا..

و أنتظر العواصف الترابية.. فأنا لست ضعيفة لمهبها..أنا أيضا عاصفة ثبتها الماء و الإنسان ..أنتظرها لتخبرني عن مواطني القديمة..و ما فعلته ظروف التعرية بالتلال الرملية و الجبال الحجرية.

تحمل عروقي الماء والكهرباء والصرف الصحي للسكان..و لا يسوؤني غير دغدغة الفئران جريا من هنا لهناك..الناس يظنونني بلا روح..و لكنني أحتويهم أحياءًا..و أمواتا بأنقاضي إن أردت.

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

  1. I want a lot of these brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU soooooo very much! The very diploma pelt is definitely the Following good thing! (sparkles may 13th) They are usually high quality and in addition the sequins never fall off. I purchased this breadmaker these kind of when it comes to jewelry and i’m going to typically width Several nevertheless i became your Half-dozen plus they in shape my lifestyle. Now they have not become unwashed nevertheless i probably would not propose these businesses into environments as they start to get boisterous inside.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الذاكرة واللغة

الجائزة كانت جنيهًا كاملًا .. في حين أن كل الذي كان ينقدونه لي أهلي في اليوم هو نصف جنيه ،…