بقلم: عاطف جمال

في ظهيرةٍ بعيدة قائظة، كنت أمارس عادتي في التسكع بمكتبات سوق أمدرمان وأكشاك بائعي الكتب شرق الجامع الكبير، مدفوعًا بالفضول، بالخطواتِ المترددة العاجزة عن إتخاذ قرار التوقف بمكانٍ واحد. كنت أنقب ببصري في أوراق الكتب الصفراء المتراصة بطريقةٍ لم يبذل فيها بائعها مجهودًا كبيرًا، أطيل التحديق في كتابٍ ثم أختلس النظر إلى كتابٍ آخر دون أن ألقي بالذي كنت أحمله في يدي جانبًا – بائع الكتب بدوره ينتقل ببصره معي وكأنَّه يراقب شيئًا، يحاول أن يفتح حديثًا لكنه يتوقف. في كومةِ الكتب المهترئة، القابعة أمامه هنا كجنازة، اتجهت اليد اليسرى ببراعة لتلتقط كتابًا منزوع الأغلفة – أو بالأحرى منزوعٌ غلافه الأمامي، وتحركت اليد الأخرى لتستكشف ماضي صفحات الكتاب المهترئ وتفحصتها العين بنظراتٍ سريعة؛ يسأل بائع الكتب إن كنت أقصد كتابًا بعينه، أخبرته بأنني أقرأ فحسب، قال لي: هذا الكتاب رواية لإبراهيم إسحق اسمها “أعمال الليل والبلدة” إن كنت قد سمعت عنها من قبل، لم أقل شيء، صمت يسود فضاء المكان لثوانٍ عديدة إلاّ من تفقيع الورقات الصفراء التي تقلبها اليد اليُمنى، اللغة الغريبة، مزيج الفصحى بالعامية، أيُّ كتابٍ هذا الذي يحمل مزيجًا بين لهجتين، تسائل المراهق مدهوشًا. مدفوعًا بالفضول المحض وروح الاستكشاف، ضممت الكتاب لديّ ورحت أبحث بين كومة الكتب القديمة البالية عن كتابٍ آخر، اقترح البائع بعد رحلة بحث كتاب مهترئ ذي غلافٍ قديم، ثُبِّتَ غلافه بلاصق بلاستيكي من مؤلفات روايات الهلال للكاتب البرازيلي جورجي أمادو، لوحة ملونةٌ بالأزرق تغطي غلافه، وبخطٍ عريض رسم اسم (بحر ميت) عليه. رميت السؤال خافتًا عن سعر الكتابين، ردد البائع جنيهين للكتاب، وضعتهما بين أكوام الكتب ونويت المغادرة، أصرَّ عليّ البائع وسألني عن عرضي، فقلت له: اشتريت كتاب “رجال حول الرسول” قبل يومين بجنيهين ونصف وهو مجلدٌ كبير وجديد، فكيف لكتيبين باليين كهذين أن يكونا بهذا السعر الخرافي، توصلنا لسعر وسطي وابتعتهما بجنيهين.

في الليل، يأخذ المراهق الكتاب، ينزوي جانبًا في الغرفة وحيدًا، يقرأ البداية بيقظة تامة، يقضي على الخمسِ صفحات الأولى، يمنّي نفسه بمتعة خالدة، تفوق بإثارتها رواية شيكاغو التي التهمها قبل ليلتين، تنقضي الصفحات العشرة الأولى دون أن يُمسك بأعضائه الجنسية. يرمي تساؤلاً حائرًا عن الفائدة التي يحاول الحصول عليها من قرائته للرواية. في رواية شيكاغو وجد الإثارة المسكوت عنها، وفي موسم الهجرة إلى الشمال أخذ يتخيَّل بت مجذوب وأزواجها، وزوجة الإنجليزي وملامستها الحميمية لمصطفى سعيد، نعم أنا أبحث عن الخيال؛يلقي بالكتاب بعيدًا ويعود إلى إضاءة التلفزيون مرة أخرى.

كانت تلك البداية الأولي لي مع إبراهيم إسحق، بداية متخبطة، لا يعلم المراهق ابن الثانوية ماذا يريد من القراءة وما تعنيه الرواية، وبعد سنوات أربع عدت للكتاب مرة أخرى بعد أن أخرجته من كرتونة الكتب المليئة بالغبار، بنية التنقيب عن الذاكرة، قرأته بدهشة طفل يتعلم المشي أول مرة؛ تستدعي مشاهد الرواية صور المكان المختزنة بذاكرة طفولته، لغة الحكي الغريبة تجذبني حينًا وتدفعني أحيانًا أخرى بعيدًا، لغة ممزوجة بصورة عجيبة، لكنّها روح الاستكشاف تدفعني لمعرفة المزيد، وتلك الرغبة المتجذرة في العزف على ذاكرة بيوتِ القش والشوك، والقدود التي يدخل عبرها الكلاب و “معزات” الجيران، شكاوي صاحبة المنزل المهجوم عليه مدمدمةً عن ترك تلك المعزات مفكوكة دون مراعاة ربطها؛كل تلك المشاهد/ الصور عن المكان أثارتني للتبحر في عوالم هذا الكاتب الغريبة، فصرت كلما أعثر على كتابًا له أقرأه بدهشة الطفل الأولى تلك.

رَمزَية المَكان

إبراهيم إسحق اشتغل في كل أعماله التي قرأتها له على ثيمة المكان وجعل لها حيزًا كبيرًا فيها، فمن المكان ينطلق، أي كأنّه يقول إنَّ اللغة التي أكتب بها ليست عن الناس الذين يتحدثونها فقط بل إنها عن المكان – ليس المكان بصورته كحيز جغرافي، إنّما عن الحياة نفسها بما تحويه من مشاغل يومية، هموم وقضايا إنسان المنطقة وثقافاته وعاداته – تلك المنطقة التي سماها (كافا).

رمزية المكان التي إتخذها الكاتب في أعماله، استمدها من رمزية الإنسان نفسه، فالإنسان كائن رمزي، يشكل الرمز وعيه وذاكرته، فهو يرى التاريخ عبر تلك الرموز، ويفرِّغ شحناته في شكل رموز، تمثِّل له لاحقًا ذاكرة تاريخية، وهذا الرمز قد يكون أشياء عدة؛ قد يكون فصل في مدرسة أو بيتًا أو الوطن، فالوطن نفسه رمز وما أشواق المتغربين عنه سوى تلك الرغبة في العودة إلى الرمز؛ رمزية المكان تشكّل الديمومة والزمن، تشكّل الذاكرة الإنسانية، وإن أزلنا المكان حتمًا سيتلاشى الإنسان.

وإبراهيم إسحق تمسك بتلك الخصوصية الثقافية من لغةٍ ومكان ورأى ضرورة التعبير عنها دائمًا واجب ليس مفروضًا عليه وحسب بل رغبة حتمية، فقد تنقّل من قريته “ودعة” لأمدرمان وعاش بالسعودية سنين طويلة، إلاَّ أنّ رمزية المكان التي تشكلّت منذ زمنٍ بعيد لم تفارقه أبدًا، واشتغل عليها بغرض التعريف بذلك الإنسان المجهول وكأنّه يردد مقولة القاص أحمد زين العابدين: ” نحن ينبغي ألاّ نفتعل المواقف لإرضاء الآخرين .. الحقيقة أنّ الآخرين إنما ينظرون إلينا باعتبار أننا الآخر الثقافي ويتوقعون منّا أن نعطي ما عندنا وليس ما عندهم”، وظلّ حبيسًا لتلك الفكرة.

تَوظِيفْ السَرْد في خِدمةِ المَكَان

في رواية أعمال الليل والبلدة وظّف الكاتب السرد ليخدم المكان بصورة رائعة، و نجد أنَّ الإنسان يتفاعل فيها مع محيطه المكاني تفاعلاً يوميًا، وهذا التفاعل اليومي يؤثر في تكوينه النفسي والفكري والسلوكي؛ وعند ذكر المكان يتبادر لذهن السامع/ القارئ دومًا الحيز الجغرافي، بينما المكان في الحقيقة يتجاوز تلك النظرة ليشمل البيئة الاجتماعية التي يختارها الكاتب مسرحًا لأحداث روايته كالمدينة أو القرية كما فعل إبراهيم إسحق في روايته أعمال الليل والبلدة – يتسع المكان في العمل الروائي ليحوي الأعراف والمعتقدات، التقاليد الاجتماعية وقضايا الحياة التي يعيشها مجتمع مسرح الرواية. نجد المكان في رواية (أعمال الليل والبلدة) قد أخذ أهمية عظمى وتم إختياره برؤية فنية عميقة، وهذا الاختيار منح العمل الروائي دلالات تتصل بالأحداث والشخصيات، وحتى أنّ الكاتب ذهب أبعد من ذلك وسمى أجزاء الرواية بأسماء الأماكن التي وقعت فيها الأحداث والشخصيات التي كانت في تلك الأماكن.

نرى وضوح ذلك جليًا في المثالين التاليين؛ الأول: في تصوير السارد لبيت “حاج أحمد” بمبانيه المتراصة والبسيطة الشبيهة بمنازل غيره من السكان، حيث تتكون من القش والشوك لتأتي الصورة/المشهد عند المتلقي بشكل الحياة في القرى، وإذ يروي السارد واصفًا: “يا زول الناس عارفين البيت تمام! عارفين قدود الكلاب في حوش حاج أحمد كلو واحد بس .. بين شوكو وشوك كلتومة .. ليلة داك ضلام الأباليس مشو عديل فوقو، زحفو من تحت الشوك وتحت للقصب دخلو بس في راكوبة الجواد”

إنّ الألفاظ التي دلَّت على المكان وبناءه في صور عديدة بالاقتباس السابق، وهذه الصور المكانية هي تجسيد للثقافة العامة عند القرويين وكيفية الحياة التي يعيشونها والطريقة التي يبنون بيوتهم مثل: “بين شوكو وشوك كلتومة” “قدود الكلاب” و “راكوبة الجواد” مشاهد مكانية يحدثنا فيها السارد أنَّ القرويين كل منهم يبني حوش منزله منفصلاً عن منزل جاره القريب وعن نوعية الأشياء التي تكون داخل هذا البيت/ المكان.

إبراهيم إسحق عبَّر عن واقع القرية بصدق الإحساس عن تجربة سواءً من خلال معايشته لها أو بمشاهد خيالية ولدت عنده الانفعال بقضايا الإنسان في ذلك المجتمع فمعاناة الحياة لا تكسب الأديب معرفة بالمكان وحسب بل تولِّد في داخله الإحساس بواقعها، “وهذا الإحساس هو الذي ينفث الحرارة في الأدب، وهذه الحرارة هي التي تثير القارئ وتنفذ إلى وجدانه”

المثال الثاني: المشهد/المكان يتكرر في أجزاء مختلفة من الرواية، والسارد في أحيانٍ كثيرة ينقل مكونات المكان وما تحتويه من أشياء تعد في ذات الوقت وصفًا لشخوص الرواية، فالساكن استمرار للمسكن، والمسكن استمرار للساكن أي كلاً منهما يكوّن عنصرًا أساسيًا في صنع الآخر؛ ونجد ذلك في وصفه لبيت (فلقة) الغريب الذي قدم من المدينة وطريقة الترتيب التي لم يسمع بها أهلها من قبل فيقول: “تحدثوا .. في بيت فلقة، عن النظام وعن تلك الرائحة المخدرة .. سرير الحديد يتمدد عاليًا منتفخًا بالمرتبة والوسائد وزركشة غطائها، تحت شنطة حديد ضخمة عليها جزمتان .. قريبًا من الباب تتعلق بشماعة خشبية بنطلونه وقمصانه” ؛ أي أنَّ الكاتب هنا يصوّر لنا ذلك الصراع الأزلي بين الجديد والقديم، وأنَّ أهل القرية حين يحكون عن منزل فلقة بكل ترتيبه وتنظيمه ما هو إلاَّ انبهار بالحضارة المدنية متمثلة في بيته المختلف والمخلوق على صورة غير موجودة في الذاكرة المكانية عندهم.

للمكان روح وجسد؛ وحين نستدعي الذكريات البعيدة في العمل الأدبي فاننا نضفي عليها قيمة ما – هالة من السعادة؛ واذا احتجبت هذه الهالة فإنَّ الوقائع المختزنة في الذاكرة ذاتها تمتنع عن الوجود، وتجعلنا نتساءل عن: هل وجدت فعلاً في الموضع المحدد نفسه، ونجد أنّ حسًا غير واقعي بدأ يتسرب إلى واقعية هذه الذكريات التي تقف على الخط الحدودي الفاصل بين حاضرنا الذي يستدعى تلك الذكريات، وبين تاريخنا الشخصي وما قبل تاريخنا غير المحدد في مكانٍ بعينه، حيث يعيش بيت/مكان الطفولة في داخلنا، المكان الذي تكوَّن فيه وعينا الوجودي.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

علمٌ لم تره إلا الأعين الحرة!

أبت روح الأديب إبراهيم اسحق إبراهيم أن تقبل تكريم “جيل جديد” لها، واختارت النأ…