507x900-1_-Lc-23AM15cF5Jf

أرتاد هذا المقهى منذ ثلاثة سنوات ، مرتين يومياً ، في الصباح أطلب الأرجيلة وأكتفي بتدخين حجر واحد. في المساء أشرب القهوة وأمارس هوايتي المحببة القراءة ، وامتلكت دون قصد علامة تميزني دونا عن الجميع.

إشعال سيجارة عن سيجارة لحظة انهماكي مع الكتاب ، تلك هي العلامة التي ميزتني عنهم جميعاً .. ذلك الروتين العجيب ، إذ يمتاز كل مميز بثوريته ، أما أنا فتميزت بعاداتي وتقاليدي!

والمرأة الرقيقة تنظر نحوي بأطراف عينها ، وأنا مثلها أفعل .. مرت سنة كاملة ، أنا وهي نتبادل فقط النظرات.

وليلة أمس كانت هي متممة السنة إن أحسنت الحساب ، فأول مرة أراها كانت يوم عيد الأم ، والأمس كان الاحتفال بعيد الأمومة.

– طبعاً طبعاً .. اتفضلي اجلسي.

هكذا كلمتها حينما أعربت عن حاجتها لخدمة ، وكنت ودودَا جدَا معها .. إنها جميلة حقَا.

– كنت شفت معاك كتاب من فترة ، وكنت محتاجة أستلفه منك

– أي كتاب تحديداً؟ 

– رواية ثلاثية غرناطة

– للعظيمة جداً السيدة رضوى عاشور .. لسة مخلصه من يومين ، ولحسن حظك إني بشيل الكتاب يومين كمان بعد قراءته.

لماذا اختارت كتاباً مؤلفته امرأة؟ وخصوصاً ذلك الكتاب الذي عجز كل الرجال عن كتابة مثيل له .. كم أحببت العبقرية رضوى عاشور ، والحقيقة أنني أحببتها لأنها كانت سبباً في حدوث تلك الصدفة.

ما الصدفة؟ كنت أسأل نفسي ذلك السؤال وأنا أفتح حقيبتي لأسلمها الكتاب 

– متشكرة جداً بجد .. مش عارفة أرد لك الجميل ده ازاي

– العفو حضرتك .. تحت أمرك في أي كتاب تحتاجيه

– اسمي صفاء

– وأنا رشاد .. تشرفت بمعرفتك يا صفاء

هذا النمو البطيء لعلاقتنا ، عجيب .. بعد سنة كاملة ، عرفت اسمها وعرفت اسمي.

طلبت لها القهوة ، ولنفسي .. لا أحب أن أشرب القهوة مرتين في ساعة واحدة ، فذلك يشعرني بالتعب .. أما معها ، فلقد كانت القهوة لا مثيل لها. قهوة من الجنة.

– ايه هو الحب؟

صدمني ذلك السؤال ، فلم أرتشف الرشفة ووضعت الفنجان فوق الطاولة ، ودون إرادة أخذت أحك رأسي بإصبعي ، فداعبتي بسؤال آخر :

– للدرجة دي السؤال صعب؟

– لا أبدا .. بس مكنتش أتوقعه ، خصوصاً إني تحاشيت الحديث عن موضوع الحب منذ سنين

– ازاي قادر تعيش من غير حب؟

– مين قال كده؟

– أنت قلت إنك تحاشيت الحديث عنه!

– تحاشيت الحديث عن الحب ، بس لم أعتزل الحب ، ومش هيحصل! 

– مستغربة!

– ليه؟

– ازاي بتحب وفي نفس الوقت مش بتتكلم في الحب؟ اقصد طالما هناك امرأة تحبها فلازم تكونوا بتتناقشوا في الحب وماهيته!

– السر في ذلك يا صفاء هو أنني أعيش الحب ، وحقيقي مش عاوز مقابل .. أقولك حاجة بس متنزعجيش؟

– يريت .. قول

– من أول لحظة شفتك هنا ، وأنا عايش معاكي حالة الحب .. مكافأتي إني بشوفك

تلك الماكرة تداري كسوفها برشفة من قهوتها ، لتشد أزر ثباتها وحزمها .. وتابعت أنا كلامي :

– وهو ده سر إني بعيش الحب ، مش لازم اتحب!

– تفكيرك غريب .. بس جميل

إنني في انتظار ذلك الصوت ، صوت المخرج إذ يقول: كات هايل يا رشاد .. ولكنني أعيش ذلك حقا ، وليس فيلما سينمائيا!

تقول لي امرأة أن تفكيري جميلا .. طالما كان ذلك التفكير سبب سخط الأهل والأصدقاء علي ، ولذلك أشعر الآن أنني ذلك الخيميائي الذي يتسلم جائزته ، بعد اعتكاف عشرات السنين على العلم والمثابرة ، بينما زوجته توبخه وتحتقر طموحه!

– شكراً يا رشاد

– على ايه؟

– إني عرفتك

– أنا كمان بشكرك جداً 

هل يكون ذلك العام من النظرات المتبادلة بيننا ، سبباً لدعوتها التي هزت أركاني؟ .. إنها تعرض علي الذهاب إلى بيتها ، ونكون وحدنا.

لما أخذت أفكر وأحلل نحو دقيقة ، وجدتها تنكمش وتتمدد كأنها الكون سوف يعلن غضبه فيتحول إلى ثقب أسود يدمر كل شيء .. فقلت لها بعد تفكر ، ودون تردد :

– طبعاً موافق

– تسمع عن الجرامافون؟

– طبعاً ونفسي أشوفه

– عندي واحد منه في البيت .. تحب تسمع مين عليه

– هو يليق بالشيخ سلامة حجازي

– وبالنسبة للسلطانة؟

– تقصدي منيرة المهدية؟

– طبعاً 

– طيب أنا هقوم أدفع الحساب .. جهزي نفسك

وتركتها وهي تضحك .. أسنانها جميلة .. أنا أحب أسنانها. 

في البيت جلست أتأمل ذلك الجهاز ، تحفة فنية ، هو بمنزلة الآثار .. يكاد صوت السلطانة منيرة المهدية أن يشق جسدي نصفين!

والتفتت عيني إلى عنوان كتاب واحد فقط من بين مجموعة الكتب في مكتبتها الخاصة ، كان كتاب للثائر نيتشه : إنساني مفرط في إنسانيته.

ناقشتها عن أفكار ذلك الكتاب ، وكنت أراها تتكلم عنه بتوجس ، وأخيراً أفصحت عن سر توجسها :

– نيتشه ذكوري

– مفيش فيلسوف ذكوري 

– ليه يعني؟

– لأنه مش هيكون فيلسوف ساعتها

– خلاص هو مش فيلسوف! 

وأخذنا نضحك ، ونقهقه معا حتى الكلمة الأخيرة من طقوقة حبك يا سيدي للسلطانة.

وفجأة وجدتها تطلب مني أغرب ما سمعته :

– ممكن تشوفني وأنا نايمة؟

– ممكن .. بس مش فاهم!

– الصبح هفهمك .. ممكن؟ 

– حاضر. 

كنت أظن أنه ذلك الاختبار القديم ، إذ تنام وتنكشف مفاتنها ، وتنظر هي هل سأراها جسدا وأعاملها كآلة جنسية .. كنت سأحزن لو أنها فعلت .. ولكن في الصباح ، اتضح أنها مجنونة ، مثلي تماماً. 

– كنت عاوزاك تشوفني وانا نايمة لسبب واحد بس ، علشان عاوزة أتأكد إنك بتحب روحي .. خايفة شكل وجهي النائم يكون مش لطيف

– كنتي جميلة جداً. 

وشرحت لها افتتاني بفمها المفتوح ، وعينها النصف مغلقة ، حتى أصواتها الخفية كانت فاتنة.

ابتسمنا ، ثم ضحكنا معا .. أنا في الجنة الآن.

تلك المجنونة ، لن يطاوعها إلا نيتشه الوحيد جداً.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الضبع والقاضي

    بسرعةٍ، أعدَّتْ انشراح كوب القهوة الصباحي لحضرة المستشار الذي تعمل في بيته خادمةً مخلص…