راشد

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

في تواقيتي السابقة حدث أن عدت لممارسة حياديتي إزاء الأشياء وكأني الناجي الوحيد من المذبحة ، بملامح باردة أنظر لها بحكمة من إرتكس في مكانه وخبر كل وجع كما لو كان آخر شجرة في الغابة ، متحررا منها لا أنتظرها ولا أفكر بالذهاب إليها .. هكذا ببساطة كان الإيمان ينمو في داخلي، الإيمان الحر المتجرد من عبودية الانتظار ؛ فالغياب هو من يمنح الأشياء لدينا هذا الوهج الاستثنائي .

الحياة بالنسبة لي لم تكن فقط سؤالي الوجود والعدم ، بل هي قلق البديهيات الواصلة بينهما ، تراجيديا التفاصيل التي تملأ المسافة بين نقطة البدء والنهاية ، وعلى الرغم من معاناتي العظيمة في التعاطي مع الكائنات التي تحملها فوق ظهرها إلا إنني أحبها ؛ فهي لا تعرف أقدار الرجال ، ولا يوجد لديها من يحصل على معاملة خاصة ، إنها عادلة جدا وهذا ما يجعلني صابرا على مزاجها المضطرب دون أن أفكر بالتفريط بمقعدي فيها لأحد – رغم كل الإغراءات – حتى يكتمل العرض . 

أراها دائماً كامرأة لعوب شاهدت وسمعت كل حيّل الذين حاولوا وضع قمر خلودهم في مكان أكثر ظهورا ؛ لذا تمنحك الفرصة كاملة لتكون الشخص الذي تريده دون أن تسرق منك روعة التجربة ، أو اختيال أن يكون لك قرار ؛ يمكنك مثلا أن تكون فيها عاشقا أسطوريا حين تثق بعينيك المغمضتين أكثر من ساقيك اللتان تعرفان الطريق ، أو يمكنك أن تلقي بحجرك حيث يجب أن تكون البركة هادئة ، أو أن تضرب بفأسك حيث يجب أن يكون للعصافير سكن ، أو أن تفعل الشيء الصحيح في الوقت الخطأ لتكون وغدا بكل ما للصفة من حنق ، للخطأ فيها لذته أيضاً فهو على الأقل يثبت كينونتك ؛ لتصل للروح فيك عبر الخوض في الطين الذي بداخلك .

والكتابة مثلها مثل الأشياء المزاجية التي تخوضني وأخوضها هنا .. الحظ ، المرأة ، لحظات الفرح ، مذاق فنجان القهوة وكل ما كان علي شاكلة النرد .. تقبل قليلا وتدبر كثيرا ، هي عندي ككرة القدم ، ليس من أهدافي فيها أن أكون ” ليونيل ميسي ” آخر ، أنا أرتكبها فقط لأخفف من صوت الهزائم داخلي ، وفي الكتابة أخنق هذا الصوت بالحروف لينطفئ ، ثم ﻻ يلبث أن يخرج من رماد صمته كطائر الفينيق أكثر قوة وأعلى صراخا ، إنها جدلية الألم والراحة .. لذا تبدو السعادة بالنسبة لها فكرة تواطئية مع الآخرين ، وحده الحزن هو زادها ، وكل الذي أتمناه اليوم هو ألا تدبر عني قبل أن أصل عبرها ليقيني الأخير .

في تواقيتي السابقة قبل قرابة الربع قرن التي قضيتها هنا ، لم يكن لدي من الترف ما يجعلني أفكر بسر ضحكة الموناليزا ، أو أتساءل عن حراب القبيلة المكسورة بﻻ معارك ، أو حصر ديوني التي أطلبها من هذا الكون ، بقدر ما كان يهمني أن أعرف من أين – رغم كل هذا الصمت – يصب كل هذا الكلام في صدري ؟!

.   

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لماذا لا يُفضَح المزيفون ؟

الناظر لاشتراطات أنطون تشيخوف الثمانية التي يجب توافرها في المثقف، ويقارنها مع دور المثقف …