نسمة

نسمة السعدي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

كثيراً ما تبهرنا صورة المرأة الغربية المحاطة بدعاوى الحرية وممارساتها الواسعة و عناوين عريضة أخرى كالديمقراطية ومساواتها مع  الرجل فنسأل أنفسنا هل حقا تفعل هذه النظريات بشكل واقعي أم أنها مجرد شعارات خاوية تغري ولا تستحكم ؟ وهل مفهوم الحريم  في بعده الغربي يوافق الشرق أم أنهم يفهمونه على نسق مغاير ، وإن كان الأمر كذلك فما هو كنه ذلك الاختلاف ؟

و الحريم هن نساء مكبلات بقيود معنوية تحد من حرية تفكيرهن وحريتهن الحركية المحصورة وفق إطار مكاني محدد لا يتجاوزنه بأي حال (وفقا لمزاج السيد الذي يملكهن بالصك المتعارف عليه وفق تقاليد البلد الذي يوجد فيه ومن بينها عقد الزواج)..

كل هذه الأسئلة أثارت حفيظة عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي من أجل أن تخوض رحلاتها السندبادية لتستقصي الحقائق بأصول أدلتها حول مفهوم الحريم من وجهة نظر غربية كما عاينته من قبل  بوضوح من وجهة نظر شرقية..

وقد كان نتاج بحثها الدؤوب في عمق المعرفة الشرقية والغربية عن مفهوم الحريم كتابها الشيق “شهرزاد ترحل نحو الغرب” إذ قدمت فيه التباين العميق بين التصور الشرقي والغربي لشكل الحريم..وكأهم رمز بمثل الحريم في ذهن الشرق والغرب كانت شهرزاد الفارسية راوية حكايات ألف ليلة وليلة حيث كانت أول رحلة لها إلى الغرب برفقة كاتب فرنسي يدعى أنطوان كالاند والذي أتاح لها سنة 1704 فرصة أن تتحدث بالفرنسية ، لكنها وحين غادرت الشرق وعبرت الحدود نحو الغرب جردت من ذكائها تماما ..

والواقع أن الغربيون لم يأبهوا إلا برؤيتها كائنا مخمليا خاملا يجد سعادته في إرضاء سيده النبيل والذي في غالبا ما يكون مشغولا ببطولاته الأسطورية وسياسة مملكته الحكيمة..

حتى أن عبارة “السمّر” العربية التي تحيل على التبادل العميق بين الملك شهريار وشهرزاد والاعترافات المهموسة خلال الليل لم تجد لها مقابلا يجاريها في لغة الغرب، بقدر ما كانوا يوصفونه بحالات شهوانية بحتة!

لقد انصرف اهتمام الغربيين خلال أكثر من قرن إلى الشخصيات الذكورية على الأخص كالسندباد وعلاء الدين  وعلي بابا ، وكان على شهرزاد أن تنتظر سنة 1845 أي حوالي قرن ونصف لكي ينعتها إدجار آلان بو بوصف سيدة العجائب في قصته ألف ليلة وليلتين ، وكان على الحاكية أن تقطع المحيط الأطلسي وتقصد أمريكا لتلتقي بإدجار الذي يعترف لها أخيراً بالذكاء الخارق حتى أنه نعتها ” بالأميرة السياسية” ..

وعلى النقيض من ذلك كانت شهرزاد في الشرق ممتلئة بسحر السجايا وتوقد الذكاء وسعة المعرفة ورباطة الجأش ، إذ كانت تواجه كل ليلة من لياليها الألف احتمال أن يمل الملك المغرور أنسها فيقتلها بمزاج بارد بعد أن يقضي منها وطرا ليستعيض عنها بغيرها وكأنها رقم مجرد في عدد الحساب الدموي!

ويؤيد أيضا دورها السياسي في حفظ مملكته من نزقه السياسي وظلمه لرعيته..

وقد أحرقت في بعض المدن الشرقية قصص ألف ليلة وليلة كيلا لا يتسرب عبرها إلى شعوبهم وعي شهرزاد السياسي وروحها الثائرة على الاستبداد ..

والكاتبة من خلال تداعيات قصص ألف ليلة وليلة في ذهنها التحليلي لم تخرج في تخطيط رؤاها عن نطاق اختصاصها في علم الاجتماع ..

إذ أنها في محاولة هي أقرب للسرد القصصي الهادف تخوض في أطروحات المخزون التراثي  مقتنصة منه تلك الومضات التي توظفها من منطلق اختصاصها لتكشف من خلال تحليلاتها الواعية  وعلى ضوء مقارنة خاطفة بين الفكر الشرقي والغربي  عن مكامن الزلل الواقعة في نظرة الغربي وحتى الشرقي للمرأة الشرقية وذلك من منطلق مفهوم الحريم لا أكثر..

وبما أنها واصلت استدعاء إسقاطاته المعاصرة فقد استغربت الكاتبة حال الغرب حيال مفهوم حرية المرأة ، والذي اتخذه كسمة بارزة في سير حضارته وعنوانا ظاهرا يدّعي به تقدمه ، إلا أنه من جهة أخرى ما هو إلا عودة لخلق نفس المفهوم ولكن بدبيب أخفى من دبيب النمل..

ومن مظاهره قولبة المفاهيم الجمالية والزج بالمرأة في سراديب مقاساتها الضيقة وجعل لها عمرا افتراضيا تعد خارج نطاق الأنوثة إن تجاوزته ، مما خلف تصابيا ومبالغة في اللهث خلف مركبات الجمال لتواري به المرأة الغربية تعاستها وخوفها من الإهمال و أن توضع على جانب طرق الحياة بلا فائدة من وجوده..

هو نوع من الاستعباد المتحكم في مصائر النساء بمزاج رجولي شبقي لكنه يسوق بطرق أكثر حداثة وأشد جاذبية!

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…