Bekas

آلاء جمال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

– أحمد هيا بنا نلعب الآن ، أمي قالت لي  اليوم سأسمح لك باللعب إن جمعت كل الحطب الذي في المزرعة وأنتهيت الآن

– لكن أبي لن يسمح لي يا أسامه ، أنا لن أذهب معك ، اليوم أبي في المنزل

– ومالذي أتى به اليوم إليكم يا أحمد ، ألم يسافر بعيداً كما قلت ؟

يطرق أحمد رأسه وبعينيه الصغيرتين بأسى بالغ وطفولة تم دهسها تحت عجلة الزمن والهموم

– أسامه ، أنا لا أريد تعطيلك عن اللعب ، إذهب لخوجلي سيذهب معك والده لطيف ولن يمنعكما من اللعب

– لكني لا أريد اللعب مع سواك ، سأعود إلى المنزل ولن ألعب

سحابة سوداء تمر على أفكارهما تلك اللحظة ..

الطفولة تنتحر في تلك القرية ، تكاد تندثر تحت براثن الجهل المقيت ، أسامة ذو الثمانية أعوام ، أمه تلزمه بجمع الحطب ، لايكاد ينتهي إلا وهو بمهمة أخرى ، يسرح مع الأغنام خلف الترعة لتأكل وتشرب وتمارس كل ماتحلم به من فطرية ، لكن أسامة سمح الأخلاق كريماً ، لا يأبه لكل ما يعانيه ، متشبث بمدرسته البعيدة جداً ، يضع كتبه و( كراساته ) في ( كيس مخدة )  لأن والده رفض شراء حقيبة له ، ليس لقلة المال ، إنما فقط لأن العلم في تلك القرية أشبه بخرافة لايكاد يصدقها أحد ، كل من في القرية من أطفال عابسون عابثون ، لكن أسامة لايجاري أحداً في هذه الفوضى ، فقط أحمد صديقه المفضل ، هو وحده من يهز فيه كل شئ ، يضحك ويبكي معه ، يمارس كل معه جميع تضاريس النفس الطفولية والبشرية ، جميع الحماقات والألعاب والتجارب ، جميع الخيبات المتراصة على كاهلهما الصغير ، مترفين بالأمل ، مفعمين بالحب ، مكتملين بالتوحد ، أحمد ، نحيل الجسد ، قوي النظرة ، رغم أنه يكبر أسامة بسنة ، إلا أنه ينصاع لآراء أسامة بكل ما أوتي من إرادة ،  يكبر إخوته الأربع ، تكمن خيبته الكبرى في والده ، العربيد صاحب الكأس المنتصب دوماً، المنتصب دوماً بين أصابعه ، يعامله بقسوة ، كمن يدير قلعة مظلمة بها قطيع من البشر لا يفقه شيئاً عنهم سوى أنهم تحت إمرته .

في تلك ( العصرية ) عاد أسامة إلى البيت حزيناً ، لم يتناول شيئاً ، بل توسد  ( العنقريب ) كيفما أتفق ،  وغط في نوم عميق جدا، استيقظ فجراً وقرأ المعوذتين كما تقول له جدته وبدون مقدمات سأل والدته وهي تعد ( صاج الكسرة ) لتبدأ ( العواسة )

– أمي إنتي نورين دا منو ؟

– نورين دا منو كمان ؟

– نورين المسمين عليهو الترعة الورا بيت ناس أحمد

– دا واحد قالو كان غني ودفن قروشو تحت الواطة ، عرفو الناس بعد مامات  ، في منهم قال خلاص نحفر لحدي مانلقى ، حفرو لحدي ماجابت مويه ، مالقو شئ ، الغريبة المويه أبت تقيف وبي مرور الزمن بقت كبيييييييرة كدا قدر الترعة وسموها عليهو

إسامة لم يقتنع كثيراً أو ربما جزئياً ، لكنه منطقي جداً ، لا يصدق شيئاً لا يمت للواقع بصلة ، فكر في إخبار أحمد بعد الإنتهاء من ماعليه من واجبات ، وفي ذلك النهار فعلاً وجده قرب الترعة يحاول جعل ( البهايم ) تشرب بسرعة لأن الحر لا يطاق ، تبسم لوجوده

– أحمد عارف أنا أمس سألت أمي من سر اسم الترعه دي ، وحكت لي قصة لكن مازي القصة الحكتها ليك أمك

– أي زول بحكي قصة براهو يا أسامة ، لكن ماعارف الحقيقة شنو

في تلك الأثناء إنشغل عن أغنامه بالحديث مع أسامة وإندمجا في قصة هذه الترعة وعن إسطورة أمه التي حكتها له ، والتي تفيد بأن نورين هذا كان شخص أبكم لايتحدث لكن وجده مرة أحد أهل القرية يتحدث خلسة مع هذه الترعة بصوت خفيض ، يذكر أشياء كتعاويذ وأشياء غير مفهومة مع أن جميع أهل القرية في تلك الآونة كانو يعلمون أنه ولد أبكم من أم ( حبشية ) وأب كان من شيوخ القرية ..

– لكن يا أحمد إنت ياتو قصة الصاح ،

هو أبكم ولا مروق

– ماعارف لكن حاسي إنو الحكاية ماياها الحكاوي البقولوها الناس دي

فجأة إلتفت أحمد إلى الترعة وجد إحدى أغنامه قد وقعت فيها وكادت أن تموت ، قفز بسرعة لأن والده كان سيقتله لو عاد وهن ناقصات العدد ، لدرجة نسيانه أنه لايستطيع العوم بسبب الإعاقة في إحدى يديه جراء حادث ( كارو ) ، الترعة ليست عميقة بما يكفي لكنها أيضا ليس آمنة بالحد المطلوب ، قفز أسامة وراءه ، كان أحمد يصارع الماء مع ( الغنماية ) لكنها كانت ثقيلة عليه ، في تلك الأثناء علق ظهر أحمد بشيء كأنه عصا حديدية لكنها مثبتة جيداً ، حاول أسامة إخراجه وبعد مدة نجحا في الخروج لكن ( الغنماية ) غاصت عميقاً  ، وأخرجا معهما العصا والتي كانت مثبتة آخرها بصندوق حديدي صدئ ، مغلق بإحكام ، ذهلا في بادئ الأمر قال أسامة :

– أحمد ماذا يوجد هنا ؟

– لا أدري لكن دعنا نحاول فتحها

صندوق لايتجاوز حجمه حجم دفتر كبير

– أسامة هل سيكون به سر نورين

– ربما ، لكن لماذا نحن بالذات ؟

– هل تفكر بشئ ؟ لابد أن أعود الى المنزل ، سيمنعوني من اللعب لموت هذه المعزة ، ماذا سنفعل بهذا الصندوق ؟

لم يصلا لشئ غير أن أسامة سيخبئ هذا الصندوق لديه في المنزل

لم يناما تلك الليلة كثيراً ولم يؤثر كل العقاب الذي ناله أحمد في أن يفكر في الصندوق

إلتقيا قرب الترعة صباحاً، جاهدا لفتح الصندوق ، لم يستطيعا ، حاولا كثيراً، تناسيا تماماً موعد عودتهما ، وعندما نجحا أخيراً في فتح الصندوق ، وجدا ورقة بها علامة نجمة ومكتوب تحتها بخط معوج ( نورين )

لم يفهما شيئاً ، أخذ  أحمد الورقة في جيبه وإتفقا على العودة غدا لإكمال التفكير ، وعند عودة أحمد الى البيت وجد والده قد نام لكن والدته نظرت له وعلمت أن هنالك أمراً لم تسأله فقط قالت له : يا أحمد إنت كنت في الترعه صاح أنا عارفه ، حأوريك سر ، قبل كم سنه كان في واحد إسمو نورين شايل طوالي صندوق في يدو والصندوق دا مافي زول عارف سره لكن إتفقو عليهو أهل الحله ، عشان يعرفو الصندوق فيهو شنو ، قامو لقوهو جنب الترعه إتقالعو معاهو ووقعو في الترعه ، الترعه دي غدارة لو زول وقع مابطلع ، ومات ، والصندوق وقع ومافي زول عرف شي وما إتلقى ، وعشان يغطو الموضوع أي زول ألف قصة براهو ، حتى أهلو ، إنت ماصغير والموضوع دا شاغلك ،أخرج لها الورقة فابتسمت وقالت : إنا الوحيدة الكنت عارفه الورقة دي كتبتها أنا لي نورين لما قالي بحب النجوم ، وكان عوير شويه نورين ، نورين دا جدك يا أحمد ، أبوي أنا ، أمي خلتو لما عرفت بي عقلو الناقص أهلو دسو القصة ، يا أحمد إنت وأسامة لازم تطلعو من الحلة دي عشان لو عرفوكم عرفتو بقتلوكم وكمان في الصندوق ذاتو كان في حجر غالي أمشو شيلوهو وأبعدو بعيد ، الحجر دا غالي وحتكملو قرايتكم وبكفي ، ملصق بي ورا

– ليه أسامة بالذات معاي ؟

– عشان إنتو الوحيدين المختلفين هنا وإنتو صغار لكن إنتو عقلكم كبير بديكم زول تمشو ليهو وهو بفهم

– دا منو ؟                            

– جدك يا أحمد ، نورين ، عايش ، لكن في أرض بعيدة

– مش قلتي كان عوير ومات

-آي ، لكن خيرو قاعد بإسمه وكمان كتييييير إنت أولى ، أمشي وابوك مايعرفك ، ماتجيني إلا وإنت شايل نورين صغير وخير قدر حقو وشهادات كتيره

-حاضر

لم ينس أحمد صديقه ، أخبره فجرا وذهبا حيث المجهول ، حيث لاشئ منتظر سوى الأحلام والأمنيات  …

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

نهاية

 اللون الازرق يجثو قرب السماء ليبتلع الشمس فقط رغم أنها تكبره بألف شعاع  / الحياة تغالي في…