8101_1

 لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

“في كل يوم نستيقظ وقد تغيرنا قليلًا، فقد مات الشخص الذي كنّا عليه بالأمس، فلماذا إذًا ـــــ إذا جاز التعبير ــــ نخاف من الموت في حين أن الموت يأتي في جميع الأوقات؟”

“إن لغز الوجود لغز دائم، على الأقل في ظل الوضع الحالي للعقل البشري”، هكذا قال الروائي الأمريكي جون أبدايك (18 مارس 1\932 – 27 يناير 2009) للكاتب جين هولت في تأملاته المثيرة والحديثة عن سبب وجود العالم. لكن أبدايك كان يتأمل بجدية ومنذ فترة أطول بكثير مسألة الوجود: فنجد أنه خصص جانبًا كبيرًا من مذكراته الرائعة  الوعي الذاتي 1996 (المكتبة العامة) لفكرة الآخرة، وهي من بين أكثر الأشكال الدائمة لتهرب البشر من ذلك القلق المدمر للروح بسبب مفارقة الموت،وما الذي سنتعلمه من فكرة ما بعد الحياة,عن الحياة الوحيدة التي لدينا الآن، هذه الحياة:

فإذا تخيلنا الآخرة بأي حالٍ من الأحوال فإنها تُعد جذريًا هروبًا لشيء غير ملموس وهو “الأنا” الجوهرية من هذا اللحم القابل للتعفن، وهو الهروب الذي يحدث لحظة الموت، . . . إن التفكير في هذا الانتظار الطويل داخل القبر يعذبنا برهاب الأماكن الضيقة والخوف من الفناء الأبدي، فأين توجد الذات أثناء تلك الفترة الطويلة ؟ …إن فكرة النوم لقرون وقرون دون أحلام على الإطلاق في حين تتعفن أجسادنا وتتحول إلى تراب ويتفتت شاهد القبر ذاته ليتحول إلى فناء لا تختلف في الرعب الذي تسببه عن شعور الإبادة، وكل محاولة للحديث بتحديد عن الآخرة وتصورها بأقل التفاصيل عامية ستصيبنا بالفزع.”

ولكن أبدايك يذكرنا بأن الموت بدلًا من أن يكون إبادة للذات فإنه مجرد مظهر آخر لحقيقة أن شخصياتنا هي مجموعة من التطورات التراكمية وكذلك أن ذواتنا متغيرة على الدوام.:

“إن ذواتنا ليست فقط مقيدة لكنها تموت أيضًا، ففي كل يوم نستيقظ وقد تغيرنا قليلًا، فقد مات الشخص الذي كنّا عليه بالأمس، فلماذا إذًا ـــــ إذا جاز التعبير ـــــ نخاف من الموت في حين أن الموت يأتي في جميع الأوقات؟ بل يمكن أن نكره ذواتنا القديمة، تلك الذوات السالفة التي يمكن التخلص منها بسهولة، فأنا مثلًا عندما كنت في المدرسة الثانوية كنت رفيعًا وضيعًا وكثير الضحك ولدي رغبة مسعورة للظهور، وجُلدت بما يكفي لأكون جلادًا، وكنت أفرض رسومات الكرتون التي أرسمها والإعلانات التي أعدها وتلك النكات المزعجة والقصائد شبه الراقية على طلبة المدرسة الثانية المساكين، وأنا الآن أرى تلك الذات ذميمة رغم أني أدين لها بالكثير: فبدون طموحها المسعور والإحساس بعدم الأمن لم أكن لأجلس في منزل هيفن هيل (وهو الاسم الذي يطلقه الآخرون على منزلي الحالي).”

وبهذا الصدد يجادل أبدايك بأن العمل ـــــ عمل الكاتب على الأخص ـــــ يحقق الهدف ذاته مثل الدين (الذي يُعد كما يقول مارك توين متذمرًا أنه ملاذًا للأنا البشرية في الأساس)، ويرى أن الكتابة تتميز بآلية ذاتية تجعلها مثمرة بدايةً من ثمار الروتين اليومي الصارم وحتى الرضا الناتج عن الجوائز والتكريم، وهذه الآلية تؤكد على وجود الكاتب وتخفف من إدراكه لمفارقة الموت، وتلهيه مثل الدين عن العدم الذي يتجه وجوده نحوه حتميًا:

الكثير من الناس يرى أن العمل هو الديانة الفعلية، فهي حرفةً شعائرية وتوجه صارم، ما يتيح لهم تخيل أن مشكلة الموت الشخصي التي يواجهونها قد حُلت، ويقول الفيلسوف الإسباني أونامونو: “العمل هو العزاء الفعلي الوحيدة للقدوم إلى هذه الحياة.” ومهنتي التي اخترتها ــــ بما تمثله من نشر لذاتي وتكرارها من خلال النشر، بما تنتجه يوميًا من الكلمات، والتجسيد النهائي لتلك الكلمات إلى كتب ــــ هي بالتأكيد تعزية عملية وتشبه الدراجة التي إذا حدث وتوقفت عن تدوير بدلاتها فسوف أسقط مباشرةً على جانبي، إن الدين يمكننا من تجاهل العدم ومواصلة أعمالنا في الحياة.”

ويستشهد أبدايك بمقابلة مع أحد رجال الدين الذين كانوا يرون أن الآخرة “مراجعة لهذه الحياة من منظور جديد” ، وقد تخلص أبدايك من افتتانه بمرور الزمن في كتاب الأطفال الذي نشره في عام 1965 وكان كتابًا محبوبًا ولكنه أقل شهرةً من أعماله الأخرى ويحمل اسم مفكرة طفل، ويجد أبدايك نفسه قلقًا على نحو غريب بسبب ذلك المفهوم متأملًا الاتجاه الذي لا يمكن تغييره والذي يسير فيه كل شيء، واصفًا ذلك الاتجاه بفصاحته الرائعة:

“أليست فردية الحياة هي التي تثير الرعب فينا ؟ أليس الفارق الحاسم بين الملهاة والمأساة أن المأساة لا تعطينا فرصة أخرى؟ إن أعمال شكسبير توضح لنا مرارًا وتكرارًا فردية الحياة، وعدم القدرة على تغيير قراراتنا وإن كانت متسرعة بل وجنونية، فيا لتلك الهيبة وتلك الضخامة والحزن العميق الذي تبدو لنا الحياة فيه في لا رجعتها، ويال تلك الأحادية بمنظورها الذي لا يتزعزع, وإن كان كوكبنا يدور حول نفسه وحول الشمس ليوضح لنا دورتي اليوم والعام, ليوحي لنا بأن الوجود دوري في جوهره، وأنه دائرة مرحة، وأنه سيوجد دائمًا فرصة أخرى غدًا صباحًا أو في الصباح الذي يليه.”

ولكن أبدايك يعود في النهاية إلى الكتابة بوصفها دينه وإلحاده على السواء و أنها “الرذيلة الوحيدة المتبقية لديه” تحديدًا لأنها تخفف ـــــ وأن كان ذلك من خلال الخداع المتعمد ــــ الوطأة غير المحتملة لهذا الإدراك:

“إن الكتابة…نوع من الإدمان، نوع من التحرر الوهمي، نوع من الترويض المتعجرف للواقع، طريقة للتعبير عن تلك الخفّة التي لا تطاق، إننا نسير نحو الشيخوخة وسنترك خلفنا تلك النفايات من الذوات الميتة والمنتهية بلا عودة، وهذا أمر لا يحتمل ومع انه كذلك الأمر الأكثر شيوعًا في هذا العالم: إنه يحدث للجميع، ففي ضوء الصباح يمكن للمرء أن يكتب بمرح، دون أن يتسارع النبض البتة، يكتب عما لا يمكنه تأمله في الظلام دون اللجوء إلى الله في خوف، ففي الظلام يشعر المرء بحق بهذا الانزلاق الهائل، هذا الدوران للأرض الضخمة إلى الظلام والبرد الأبدي، آخذةً معها جميع الأثاث والمناظر الخلابة والمُلهيات الجذابة واللمسات الدافئة لحيواتنا، إن أبسط الحقائق الأرضية ستكون في ذاتها ثقيلة الوطأة ولا يمكن احتمالها، مثقلة هي كما هو الحال بموت ذواتنا، إن الكتابة تجعل من العالم مرحًا، بتنظيمه وتشويهه وتجميله والتعبير عنه لفظيًا، وهي بذلك تقترب من الإلحاد.”

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

لماذا الحرب؟

  لماذا الحرب؟ ترجمة : علي زين كتاب جيل جديد ( 20) أفريل 2020م  تصميم الغلاف: سحر مشع…