hemingway

بقلم : ماريا بوبوفا

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

” كل الكتاب السيئين يحبون البطولة الملحمية”

” إن الكتابة في أفضل حالاتها ما هي إلا حياة الوحدة” هكذا كان تصريح همينغواي(1) في خطابه القصير المميز في حفل قبوله لجائزة نوبل في الأدب سنة 1954 م. وكان هيمنغواي في عمله المتقن (موت في الظهيرة) المنشور سنة 1932 م قد تأمل في تقاليد مصارعة الثيران واصفًا إياها بـ”القوة الشعرية والروحية والجمال الكلاسيكي النقي”، والتي كانت أساسًا في إلهامه الفني.

وقد قدم الكاتب المشهور بعضًا من الحكم الخالدة حول الانضباط، الكرامة، صنعة الكتابة.

عاتب هيمنغواي بعد ملاحظته القابلة للتطبيق صحافة الإنترنت المُزيفة للأخبار والمروجة للشائعات الطائفة التي تتبع الأحداث البطولية الملحمية:

 “هذا ليُتذكر يومًا : إذا كتب أي شخص بوضوح كافٍ فإن أي قارئ له يستطيع الانتباه إليه إذا ما لفق أو زيف،إذا خادع ليتجنب الجمل المباشرة في الحالة التي تختلف كليًا عن خرق ما يُسمى بقواعد تركيب الجمل والنحو لإحداث أثرٍ لا يمكن تضمينه في العمل بأي طريقة أخرى غير هذه. يستغرق الكاتب وقتًا طويلًا ليشتهر ويُعرف ككاتب مزيف،وسيثني الكُتاب الآخرون الذين يعانون من هذه الحاجة الضرورية لخرق القواعد اللغوية نفسها في دفاعهم عن الفكرة عليه. ولا يجب الخلط بين التصوف في الكتابة وبين العجز والنقص، حيث أن الأخيرة تسعى إلى الخداع والغموض عندما لا يحتاج العمل إلى أي سرية أو غموض وما هي إلا محض ضرورة للتزييف والتلفيق لإخفاء جهل الكاتب أو عدم مقدرته على التمتع بالوضوح.

تقضي الصوفية ضمنًا إلى الغموض والسرية، وهناك الكثير من الأسرار ولكن العجز ليس أحدها، ولا تلك الكتابة الصحفية المنمقة والمتكلفة، تلك التي تصنع أدبًا محشوًا بالبطولية الملحمية”.

وعلى عكس كاتب المقالات إي.بي.وايت(2) الذي جادل بأهمية الأنانية، فإن همنغواي يرى بأن على كاتب الروايات أن يبعد نفسه عن القصة، ولكن وفي نفس الوقت يجب أن تنبض شخصياته بالحياة من وجوده الكلي:

” على كاتب الرواية أن يخلق أشخاصًا ينبضون بالحياة، أشخاصًا لا شخصيات، فالشخصية مخلوق. وإذا استطاع الكاتب أن يخلق أشخاصًا أحياءً فلن يحوي كتابه شخصيات عظيمة بين دفتيه،ولكن من الممكن أن كتابه سيُخلد بأكمله،ككيان،كرواية. إذاك إن الأشخاص الذين خلقهم الكاتب يتحدثون عن الفنانين القدماء،عن الموسيقى،عن الفن الحديث،عن الرسائل، أو عن العلوم فإن هذا يعني أن عليهم أن يتحدثوا عن هذه المواضيع في الرواية،أما إذا كانوا لا يناقشون هذه المواضيع وجعلهم الكاتب كذلك فهذا يعني أنه مزور وملفق،وإذا تحدث هو بالنيابة عنهم ليظهر كم المعرفة الذي يملكه فإنه يستعرض. ولا يهم كم التعبيرات والتشبيهات التي ربما يملكها إن هو وضعها في غير محلها ودون الحاجة إليها أو عند عدم وجود بديلٍ لها حيث أنه يفسد عمله كله لأجل الأنانية.

إن النثر أسلوب بناء وليس زينةً داخلية وقد انقضى عصر الباروك. أما بالنسبة للكاتب الذي يضع تأملاته الفكرية – التي ربما باعها بثمن بخس ككتابتها في مقالات- على ألسنة شخصيات مخلوقة صناعية والتي ستكون مكسبًا أكبر للعمل إذا ما شكلت كأشخاص في رواية،سيكون تصرفه هذا مربح مادي جيد ولكنه ليس أدبًا. فالأشخاص في الرواية – المخلوقين بغير مهارة كشخصيات- يجب أن يُصوروا بناءً على تجربة الكاتب الخاصة،بناءً على معرفته،ومن أفكاره التي في رأسه، ومن قلبه، ومن كل ما يرتبط به، وإذا تمتع بالحظ مطلقًا وبالجدية كذلك وصور أولئك الأشخاص كاملين فسيكون لهم أكثر من بعد وسيخلدون لمدة طويلة”.

أدرك همنغواي طبيعة الإبداع الاندماجية،كما لاحظ أن أكثر ما يتمتع بالحيوية والبساطة في المعرفة هو ما استقاه من فن الملاحظة والانتباه ودمجه وجمعه ببساطة بالتيقظ والوعي بالعالم، ومن ثم جمعه وبناه في عمل يسميه الكاتب عمله:

“يجب على الكاتب الجيد أن يعرف قدر الإمكان أن كل شيء تقريبًا، ومن البديهي أنه لن يقدر على ذلك، الكاتب الجيد كفايةً يبدو كما لو أنه وُلد بتلك المعرفة التامة ولكنه في الحقيقة ليس كذلك،بل إنه فقط وُلد بالمقدرة على التعلم بمعدل أسرع بمرور الوقت من غيره وبتطبيق واعٍ، وبذكاء كافٍ لقبول أو رفض ما هو معروض مسبقًا كمعرفة. بعض الأمور لا بمكن تعلمها سريعًا والوقت الذي نملكه جميعًا يجب أن يدفع ثقيلًا كمقابل لتعلمها،وهي أمور بسيطة جدًا؛ولأنها تستغرق عمر الشخص بأكمه ليتعلمها، ذلك القدر القليل من الأمور الجديدة التي يتعلمها الشخص خلال الحياة مكلفة جدًا، وهي الإرث الوحيد الذي يجب أن يخلفه الشخص وراءه.

كل رواية تُكتب بصدق تُساهم في تلك المعرفة الكلية الموجودة ليخلفها الكاتب للكاتب الذي يليه لاحقًا،ولكن يجب عليه دائمًا أني يدفع مقابلًا :نسبة رمزية معينة كخبرة ليكون قادرًا على فهم ودمج ما هو مُتاح دائمًا كبكوريته، وما يجب بالمقابل أن يأخذ منه رحيله.

وكما هو الحال مع فن التأمل فإن فن الكتابة يفسده بالمثل استعراض الكاتب لمعرفته مما ينتج عنه ذلك التعارض الناتج عن جهله:

إذا عرف كاتب النثر ما يكتبه جيدًا فإنه لربما أزال بعض الأمور التي يعرفها هو والقارئ،وإذا كان الكاتب يكتب بصدق كافي فإنه سيشعر حيال هذه الأمور شعورًا قويًا متى ما كتبها. إن مهابة حركة إزالة جبل جليدي ترجع إلى كون ثمن ذلك الجبل فقط على سطح البحر. يخلق الكاتب الذي يزيل بعض الأمور من كتاباته لجهله بها مناطق مجوفة وخاوية في كتاباته، أما الكاتب الذي يهتم بجدية الكتابة ويقدرها قليلًا مما يجعله يتوتر ليظهر للناس كما هو: متعلم ومثقف ومهذب ما هو ببساطة إلى متبجح.

يُمكن أن يكون الكاتب الجاد صقرًا جارحًا، أما الكاتب الوقور فهو بومة دائمًا. (3)

(1):إرنست ميلر همينغوي: كاتب أمريكي يعد من أهم الروائيين وكتاب القصة الأمريكيين.

(2): إي.بي. وايت:اسمه كاملًا إليوان بروّكس وايت،وهو كاتب أمريكي.

(3):الصقر في الجملة صورة رمزية عن التركيز، أما البومة فهي صورة رمزية عن الغموض والتغير والتحول.

 

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الروح ساكنة، وإن تحدثت ففي الأحلام (مختارات شعرية- لويز غليك)

القصائد والنصوص التالية من ديوان الشاعرة المنشور سنة 2014 بعنوان “Faithful and Virtu…