idea_half-sized-94339de8ab43891ecd29ca27097b80a5

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا )

كيف يمكن لقصيدة من أربعمائة شطر مبنية على كتابات الحكمة الفارسية و رواية (حصار اليوم) المؤيدة لمذهب المتعة أن تحقق هذا الانتشار الواسع و الرواج في العصر الفيكتوري؟ دوّن رباعيات الخيام العالم الإنجليزي غريب الأطوار إدوارد فيتزجيرالد (1) معتمدًا في ذلك على ترجمته الحرة لرباعيات الشاعر وعالم الرياضيات عمر الخيام الذي عاش في القرن الثاني عشر، ذاك الشاعر الذي كانت بدايته على الأرجح كمجهول لكن قصائده الاستثنائية المنشورة هي من منحته شأنًا من الأسطورية. وكانت الرباعيات قد نُشرت للمرة الأولى سنة 1859 – في نفس السنة التي نُشر فيها عمل تشارلز داروين (أصل الأنواع) و عمل جون ستيوارت مل(2) (عن الحرية)-  و لم تُلاحظ بالكلية: أي لم تبع أي نسخة في سنتيها الأولى. ليتغير كل هذا كليًا في اللحظة التي التقط العالم الكِلتي (3) وايتلي ستوكيس (4)نسخة من النسخ الراكدة لكتيب فيتزجيرالد المؤلف من عشرين صفحة بمبلغ قليل من المال والذي أعطاها لدانتي جابرييل روزيتي(5) و الذي سرعان ما وقع في غرامها و تغنى بها مدحًا و إعجابًا في جماعته أخوية (بري-روفايلوتي) أو ما قبل الرفائيلية (6).

في سنة 1863 عندما وقعت الرباعيات بين يدي جون راسكن(7) أعلن قائلًا: ” لم أقرأ حتى اليوم شيئًا بمثل هذا التألق والبهاء”. ومنذ تلك اللحظة انبثق تقديس للخيام استمر على الأقل حتى الحرب العالمية الأولى حين كانت هناك 447 نسخة من ترجمة فيتزجيرالد منتشرة ومتداولة. و بدأت تظهر نوادِ باسم عمر الخيام، بل وكان بإمكانك حتى أن تشتري بودرة أسنان باسم عمر و بطاقات لعب برسوم توضيحية عنه. و خلال الحرب وُجدت جثث الجنود الموتى في الخنادق وفي جيوبهم نُسخ مطوية متضررة من الرباعيات.

إذًا ما هو ذاك الشيء الاستثنائي الفاتن في الرباعيات؟ (8)

كانت الرباعيات تعبيرًا لا يعبر عن الندم في مذهب المتعة، مُحضرة للذهن حس الانعتاق في حدائق مليئة بالياسمين في الليالي العربية العطرة و في حضرة أكواب من الخمر البارد المُسكر. كانت الرباعيات صرخة احتجاج منفعلة في وجه الايدولوجيا الفيكتورية غير الرسمية الحداثية المتكلفة وذاتية التحكم.

بالرغم من ذلك فقد كانت رسالة القصائد حتى أكثر تطرفًا من ذلك، حيث لم تكن اعتراضًا على الأخلاقيات المسيحية فحسب و لكن على الدين نفسه. فالخيام يضمن فكرة عدم وجود حياة الآخرة و لكون الوجود البشري في تنقل و سيباغتنا الموت أسرع مما يمكننا أن نتخيل فإن أفضل حل هو أن نتذوق طعم لحظات الحياة الفاتنة ونعيشها طالما باستطاعتنا، و هذا لا يعني أن يلقي الشخص نفسه في شطط المتع و لكن بدلًا من ذلك أن يغرس ويصقل شعور الحاضر و تقدير و الاستمتاع بما هو موجود الآن وبين يدينا في الوقت المُقنن الذي نملكه على الأرض.

يشكك هذا الاتحاد المادي العنيد للمتع و الأديان و يتوعد الأخلاقية التي يتمسك بها خيال الجمهور الفيكتوري الذي كبر و هو يغني الترنيمات الدينية في الكنيسة كل صباح أحد. و لذا لا عجب أن الكاتب غلبرت كايث تشيسترتون(9) قد أعلن بعتاب كون الرباعيات هي الكتاب المقدس لدين ” انتهاز الفرصة “ (10).

كان أثر القصائد واضحًا في العصر الفيكتوري بشكل خاص في أعمال أوسكار وايلد(11) الذي وصفها بأنها ” تحفة فنية ” و كأكثر الأعمال الأدبية المحببة له. و قد استخدم ثيماتها في روايته (صورة دوريان غراي) الصادرة سنة 1890. فشخصية لورد هنري ووتون مؤيد لمذهب المتعة و الذي يشير بوضوح إلى الجذب الحسي لـ “عمر الحكيم”، و يغوي الشاب الوسيم دوريان لبيع روحه مقابل متع الشباب الفاسدة السرمدية، و يقول اللورد هنري: ” يغار الوقت منك و الحرب من زنابقك و ورودك ، إن ما يريده قرننا هو مذهب متعة جديد”.

كانت رواية وايلد احتفالًا خفيفًا بالمثلية الجنسية  التي كانت جريمة حُبس لأجلها سنة 1895 ( قُرأت أجزاءٌ من الرواية خلال محاكمته كدليل على إدانته). لقد رأى في الرباعيات حجة للحرية الفردية و التحرر الجنسي من قيود التقاليد الاجتماعية الفيكتورية وكذلك كانفيتزجيرالد المعروف بمثليته الجنسية. بالنسبة لوايلد و كذلك لفيتزجيرالد لم يكن مذهب انتهاز فرصة المتعة مقتصرًا على ممارسة المتع الحسية بل كان تصرفًا سياسيًا مدمرًا بالقوة الكافية لإعادة تشكيل المعالم الثقافية.

لمذهب المتعة اليوم سمعة سيئة نظرًا لكونه مرتبطًا بـ “أنت ستعيش مرة واحدة فقط” (YOLO): حفلات السكر الصاخب ،تعاطي المخدرات بجرع مفرطة، و طريقة العيش المتضمنة لقائمة أمنيات لتنفيذها قبل الموت التي تُثمن الحداثة العابرة و السعي وراء الإثارة أكثر من أي شيء آخر. و مع ذلك فإن تاريخ الرباعيات هو تذكر بإمكانية محاولاتنا لإعادة اكتشاف مناقب مذهب المتعة الخفية.

من ناحية يمكن للرباعيات أن تخدم كترياق مضاد لمخططات البوريتانية في التفكير الحديث في السعادة الذي يهدد بتحويلنا إلى مدمني حداثة ذاتيّ التحكم و الذين نادرًا ما يعبرون عن شهوة و شغف بالحياة. التقط الآن أي كتاب من على رفوف مساعدة الذات و من غير المتوقع أن تجد به نصيحة ترشدك للتعامل مع مشاكلك بتدخين الحشيش تحت نجوم السماء أو احتساء التكيلا في كل النوادي الليلية.  بالرغم من ذلك فإن مبدأ – ممارسة المتعة و الاستمتاع باعتدال – كان لقرون مبدأً مركزيًا في ثقافة البشر و الرفاهية : عندما وصل الغزاة الأسبان إلى الأمريكتان اكتشفوا طواف الآزتك حول الفطر السحري.

و من ناحية أخرى يمكن أن يساعدنا ذاك النوع من المتعة التي جعلته الرباعيات شعبيًا في الرجوع إلى اتصالنا بمناقب التجارب المباشرة في عصرنا للوساطة، حيث أن الكثير من أوقات حياتنا مُصفى بالومضات الإلكترونية ثنائية البعد على الأجهزة المحمولة الذكية أو الأجهزة اللوحية. أصبحنا مُراقبين للحياة أكثر من مشاركين فيها وممارسين،مغمورين في مجتمع من المشاهد الرقمية. باستطاعتنا أن نتعلم شيئًا أو شيئين من الفيكتورين: فلنبقِ نسخةً من الرباعيات في جيوبنا إلى جانب الآيفون و نتذكر كلمات الخيام الحكيم:

  اشرب فهذا اليوم إن أدبرت

                                به الليالي لم يعده القدر (12)

ـــــ

هوامش المترجم:                          

(1): إدوارد فيتزجيرالد: شاعر إنجليزي وكاتب، عُرف كشاعر ومترجم إلى الانجليزية لأول وأشهر نسخة من لرباعيات الخيام.

(2): جون ستيوارت مل: فيلسوف واقتصادي بريطاني.

(3): أي المتحدث باللغة الكِليتة و هي إحدى اللغات الهندو- أوروبية.

(4): وايتلي ستوكيس : محامي إيرلندي و عالم كِلتي.

(5): دانتي جابرييل روزيتي: شاعر ورسام ومترجم إنجليزي،أسس أخوية “بري رافاليت”.

(6): ما قبل الرفائيلية: رابطة تشكلت من الرسامين والشعراء البريطانين سنة 1848م كاحتجاج على المستوى المتدني للفن الانجليزي في هذا الوقت.

(7): جون راسكن : شاعر انجليزي وناقد فني و مفكر اجتماعي.

(8): ذكر هنا كاتب المقال بعضًا من الرباعيات بالانجليزية ولم نستطع الوصول إلى الترجمة العربية الدقيقة لها نظرًا لاختلاف ترتيبها ولذا فضلنا عدم ذكرها، المقاطع هي: (24)،(35)،(63).

(9): غلبرت كايث تشيسترتون:كاتب وفيلسوف وشاعر وصحفي ومسرحي وخطيب وناقد وكاتب سير ولاهوتي دفاعي إنجليزي.

(10) : انتهز الفرصة أو اغتنام اليوم (بالاتينية “Carpe diem”) هي مقطع من قصيدة لاتينية لهوراس.

(11):أوسكار وايلد: مؤلف مسرحي وروائي وشاعر إنجليزي إيرلندي.

(12): من ترجمة أحمد رامي للرباعيات.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الروح ساكنة، وإن تحدثت ففي الأحلام (مختارات شعرية- لويز غليك)

القصائد والنصوص التالية من ديوان الشاعرة المنشور سنة 2014 بعنوان “Faithful and Virtu…