faf13d79e05b5344f581e6374e19d4f8

قصة فائزة بمسابقة ( القصص الخالدة ) 2016م

تأليف : Hatice Ardıç

ترجمة : محمد أحمد محمد إسحق

**

استيقظت ـ كعادتي في كل صباح ـ قبل أن يرن منبه ساعتي بدقائق، غسلت وجهي و يدايّ بكمية كبيرة من الماء ، انطلقت إلى المطبخ ، ملأت سخان الماء و شغلته ، لم أكن أعرف ما الذي سأفعله بالماء الساخن ، هل أصنع به شاياً أم قهوة ، و لكي أتخذ هذا القرار، رجعت إلى غرفة النوم لإيقاظ زوجتي ، و جدتها نائمة ، كانت منكمشة في نومها مثل جنين ، أو على الأصح كانت تتظاهر بأنها نائمة ، مددت يدي ، أخذت الشعر المتدلي على وجهها ووضعته خلف أذنها ، فتحت عينيها ، تأوهت بخفة .” اليوم أشعر أنني لستُ على ما يرام ” نظرتُ إلى عينيها و ابتسمتُ ابتسامة ذكية ” إن كنت لا ترغبين في الذهاب إلى العمل فبإمكانك ذلك ، امكثي في البيت ، استريحي ، هل هذا جيد ؟ “

( نعم ) همست و هي ملتوية بصورة جيدة في سريرها .

تركتها في الغرفة و ذهبت إلى المطبخ لإعداد قهوتي بنفسي .منذ أسبوع تُعرض هذه المسرحية الغريبة في بيتنا ، لكي لا تذهب زوجتي ( إليف ) إلى العمل تختلق أعذاراً مختلفة ، وأنا أقبل هذه الأعذار بكل حسن نية و أنبهها لعدم الذهاب إلى العمل . في الساعة الثامنة و النصف عندما هممتُ بالذهاب إلى العمل ذهبت معي إلى الباب لكي تودعني ، و دعتني بقبلة على خدي و قالت : ( قل للسيدة شافاك سأكون يومياً في هذا الوقت في مكان العمل) و هذا يعني أنها قد تراجعت عن قرار عدم الذهاب إلى العمل .

أخذت في يدي فنجان قهوتي و ذهبت به إلى شرفة المطبخ ، كان شيء ما يسيطر على كل أحاسيسي ، و على ذكرياتي الماضية و توجساتي القادمة . برد قارس في هذا الموسم لكني لم أكن أشعر بالبرد إطلاقاً ، الطرقات كانت فارغة تماماً أم ممتلئة بالبشر ؟ لا أعرف ، كنت أراقب الطرقات لكني لم أكن أرى شيئاً شربت جرعة من قهوتي ، ترى كيف كان مذاقها و رائحتها ؟

تعرفت على زوجتي ( إليف) خلال سنوات الجامعة ، و ما إن خلصنا دراستنا تزوجنا مباشرة ، كان حباً تورطنا فيه من النظرة الأولى،شيء يشبه العشق الروحي جمع بيننا، تخرجنا بمعدلات عالية سهّل علينا الحصول على عمل ، أنا عملت بوظيفة ( الأخصائي النفسي الصناعي التنظيمي ) في شركة كبيرة ، أما ( إليف ) فقد عملت في مستشفى كمرشدة نفسية و خلال ثلاث سنوات كان كل شيء على ما يرام ، (إليف) كانت الوحيدة في أسرتها بعد أن فقدت أمها و أباها في حادث حركة ، هذا الأمر حطم قلب (إليف) بصورة كلية ، و بعد أن قضت فترة عطلتها قالت : ( أنا لا أستطيع أن أتجاوز مشكلتي فكيف أحل مشاكل الآخرين ) فتركت العمل وصفّت حسابها , و على مدار خمس سنوات كنت أعتني بها قدر المستطاع ، كنا نذهب معاً إلى السينما ، المسرح ، المطاعم ، و إلى الاحتفالات ، في كل صيف كنا نتجول في أماكن جديدة ، كنا نحاول أن نتعرف على الثقافات المختلفة .

ثمة مستنقع كان يعبث داخلها ، بركان خامد من الهموم يتناقص مع الزمن ، الإحساس الكثيف بالفراغ خلف هوّة كبيرة في دواخلها ، ليس يأس هو من حاصر قلب (اليف) و جعلها تبتعد عن كل شخص و عن كل شيء ، بل هو الغضب ، غضب ساذج لماذا و لمن ، لا أعرف .

كنت أقوم بوظيفة الزوج و وظيفة الأخصائي النفسي الموثوق به ، حتى ذلك اليوم الذي فعلت فيه ما لم أفعله من قبل إطلاقاً ، أخذت دفتر يوميات (إليف) ، قرأت آخر جملة كتبتها ” أنا قاتلة ” كيف تستطيع جملة واحدة أن تقلب فجأة حياة إنسان رأساً على عقب ؟ و بعد أن قرأت تلك الجملة أغلقت دفتر اليوميات ووقفت أمام الخزانة بتوازني المفقود ، و آمالي الغائبة و بحالة ذعر، كنت متردداً بين مواصلة قراءة دفتر اليوميات أو التوقف ، كنت أخاف من الحقائق التي سأعرفها ، عندما قالت (إليف) : ” أنا قاتلة” ترى ماذا كانت تقصد ؟ هل هذا هو سبب الغضب العميق الذي أحاط بها ؟ هل كان غضبها من قاتل والديها ، أم بسبب أنها هي قاتلة تتعذب و تعيش حسرتها الذاتية ؟ خطر ببالي موت والدي (إليف) من قبل سائق الشاحنة المخمور ، الرجل أكمل فترة سجنه بعد سنتين من الحادث ، و بمجرد أن خرج من السجن صدمته عربة و هربت ، توفي الرجل و لم يعثروا على فاعل الجريمة ، و في ذلك الوقت علقت على مقتل الرجل بأن هذه هي العدالة الإلهية ، لكن الآن  الشيء الغريب هو تزامن هذا الأمر مع بيع (إليف) لسيارتها بصورة عاجلة . لماذا أفكر أنا ؟ فقد عرفتها منذ سنوات عشقتها ، شاركتها صحوي و نومي ، (إليف) مستحيل تكون قاتلة ، هل ممكن ؟ لقد أعطيت هذه الأفكار فرصة لتنازعني فترة من الزمن ، آه … يكفي أن آخذ قراراً صحيحاً ينهي هذا الصراع ، أخيراً قررت أن أنسى الجملة التي قرأتها بدفتر اليوميات و أن أتعامل معها كأن شيئاً لم يحدث ،في اللغة الإنجليزية توجد هذه العبارة المشهورة ( Ignorance is bless) أو كما في لغتي (الجهل نعمة ) .

حدثت اللحظة التي لم أكن أتوقعها ، بدأت (إليف) تقوم بأشياء مفيدة ، قالت أنها ستبدأ العمل . ذكرتُ هذا الموضوع للمدير العام للشركة السيدة ( باشاك ) .

السيدة ( باشاك) بوصفها من الأعضاء المؤسسين للوقف الذي يساعد الذين فقدوا أقاربهم في زلزال 17 أغسطس ، وعدتني بأن تنظم جمعية للمرشدين النفسانيين ، سألتها عن إمكانية عمل (إليف) عندها . تلألأت عينا (إليف) عندما أخبرتها بأن السيدة ( باشاك) وظفتها. جمعية المرشدين النفسانيين منتشرة في الخارج ، و بدأت حديثاً تصل إلى تركيا،هذا الأمر جعل (إليف) متشوقة . لكن كان تشوقها في البداية فقط ثم انطفأ تدريجياً كالبالون .

دون أن تعرف سبب أسئلتي أجابت عنها و مر الأمر ، أعرف أنها لكي تخبرني بمشكلاتها و عذاباتها لا بد أن أصر عليها ، لكني لم أفعل و مع مرور الزمن أصبحت بيننا ديناميكية معروفة ، و بسبب خوفي جهزت نفسي لكل شيء ممكن أن يحدث . كل الإجابات التي أخذتها من (إليف) يمكن أن تكون في مكانها . هذا الأمر فيه شيء من الأنانية لكن على قدر المستطاع حاولت أن أكون ملحاً في أخذ الإجابات .

ذُعرت عندما سمعت صوت (إليف) قائلة : (صباح الخير) ، كان في يدها فنجان قهوة . ” صنعت قهوة ” هل تريد ؟ قالت و هي ترسم ابتسامة في ثغرها . نظرتُ إلى الساعة و وجدتها تشير إلى الثامنة و النصف ، قلتُ : ” شكراً، يجب أن أذهب إلى العمل ” ، و لكي آخذ حقيبة أوراقي و سترتي توجهت إلى الصالون .

“يا زوجي ، هل من الممكن أن تذهب اليوم إلى العمل متأخرا قليلا ” قالت و هي واقفة خلفي .

لماذا ، هل هناك شيء ؟

يجب أن أتحدث إليك

قلتُ : حسنا

رجعت إلى المطبخ و جلست في المقعد الذي قبالتها تماماً.

قالت مبتدئة حديثها ” منذ زمن بعيد لاحظت أنني لم أكن صريحة معك ” زرّت عينيها و فركت يديها ، فهمتُ مباشرة أنها تجد صعوبة في الدخول إلى الموضوع . فلأقل لها كلمات تطمئنها ، كوني معها يومياً شعرت بأهمية أن أكون سهل الجانب لكي تكن معي صريحة ،رغم ذلك أوقفني ذلك الصوت اللاشعوري ، الأناني الهذياني .

“سوف لن أفعل ذلك مرة أخرى يا زوجي”

ماذا ؟

العمل في جمعية الإرشاد النفسي .

لم يكن هذا ما انتظره منها من كلام ، و لا أعرف ماذا كنت أتوقع منها ، لكن ارتحت قليلاً.

ـ لقد أبديتي رغبة في العمل

ـ نعم ، لكن العمل لم يتماش مع طموحاتي .

ـ لماذا ؟ ما المشكلة ؟

ـ بصراحة ، اعتقد أنني غير مؤهلة لتكوين بيئة آمنة لكي أجد موقعي في المجموعة .

ـ لا تفكري بهذه الطريقة يا إليف ، في 4 مجموعات بالتناوب ، جلست جلستين . أنا أرى أنه ينبغي عليك أن تتعرفي بهؤلاء أكثر .

ـ نعم ، مجموع 8 جلسات صامتة في صورة تدفع إلى الجنون .

ـ فتحت يداي في هيئة تقول :” حسناً ، إذا كان هذا رأيك “

ـ فقط أنا قلق من كوني سأكون خجلان أمام السيدة ( باشاك)

نهضنا على أقدامنا ، تقدمتُ نحوها و عانقتها .

قلت دون تفكير ” إن كان ترك العمل يريحك اتركيه ، لكن إذا كنت مكانك سأجرب تكتيكات أخرى “.

في هذه اللحظة رن هاتفي ، اتصلوا عليّ من مكان العمل ، أجبت على الهاتف و أخبرتهم بأني سوف أحضر الآن . إليف كالعادة ترافقني إلى الباب ، و عندما كنت ارتدي حذائي قالت لي : “ماذا كنت تعني عندما قلت تكتيكات أخرى “

” ربما ما عاشه الناس من يأس، وكيفية تجاوزه بمساعدة أخصائي عالم بمصطلحات علم النفس شاطرهم أحزانهم ، ربما تكون هناك عبرة من ملفاتهم ، هنالك من لهم حاجة لكي يتعلموا من حالتهم تلك ، أصلاً يكفي أن يشاطرك أحزانك إخوانك و أقرباؤك ، ماذا تفيد رعاية الأخصائي النفسي إن لم تنصاع لوصاياه ، و قطعاً كونك أخصائي نفسي يجب أن تقوم بالواجب ، لكن في البداية يجب أن تتأكد أن المريض قد حكا لك حقيقة ما يشعر به ، في نهاية زلزال 17 أغسطس أنتِ فقدتِ أحباءك ، إن كنت ترغبين في رؤية جروحهم يجب عليك في البداية أن تعرضي عليهم جروحك أنت ) . طبعت قبلة على خدها و خرجت .

هبطت على قلبي طمأنينة غريبة بينما كنت أقود سيارتي في الزحام ، و صلت طيراناً إلى اجتماع الساعة العاشر و النصف التقيمي ، و بعد أن أعطيت مؤسس الشركة بياناً موجزاً ، في حوالي الساعة الثانية عشرة و النصف ذهبت إلى أقرب مطعم لتناول الغداء ، و قبل أن تصلني الطلبات بفترة و جيزة رن هاتفي ، المتصلة كانت زوجتي .

” ألو زوجي “

” تفضلي يا حياتي “

ـ في الصباح فكرت في كلامك كثيراً ، أظن أنك كنت محقاً، لكي أرى جروحهم لا بد أن أظهر جروحي ، أعجبتُ بمساعدتك لي .

” يا زوجي “

” نعم “

ـ أنا الآن في مبنى الأوقاف،بعد أن انطلقت أنت في الصباح أخبرت كل مجموعة الأخصائيين النفسانيين ، خلال نصف ساعة يمكن أن يأتوا جميعاً ، أريد أن أبدأ كل شيء من البداية ،أريد أن أخطط من جديد لجلسات المجموعة .

سوف أقدم الكلمة الافتتاحية ، أظنك ترغب في أن تكون هنا و تستمع إلى حديثي ، لأنها سوف تكون كلمة اعتراف ، و قبل أن أجيبها أغلقت الهاتف .

في تلك اللحظة كأن فيلاً جلس على قفص صدري ،أجد صعوبة كبيرة في التنفس ، ما يبعثرني هو تلك الجملة ” أنا قاتلة” بدأ صداها يتردد داخل عقلي ، لكن في هذه المرة تصحبها جملة أخرى و هي ” هذه ستكون كلمة اعتراف ” .

تمكنت من الوصول في الموعد بعد أن خالفت عدداً من قواعد المرور، عندما قال لي البواب أن الناس قد دخلوا صالة الاجتماعات ، هرولت إلى هناك ،عندما دخلت القاعة وجدت إليف قد وقفت على المنصة منذ زمن ، عدد أعضاء جمعية الأخصائيين النفسانيين 40 شخصاً، رغم ذلك كان في القاعة مئة شخص على أقل تقدير. عندما رأتني حركت رأسها إلى الأمام بخفة و ابتسمت ، وجدت لنفسي مكاناً فارغاً في الجزء الأمامي ، حتى الآن الأمر الذي استطيع القيام به هو أن أجلس صامتاً و استمع إلى الكلام ، تدريجياً يظهر مدى هذياني ، أشعر بأني أحمق .

إليف الآن في المنصة تتحدث عن الذين تحبهم كما تحب ذاتها ، أولئك الذين فقدتهم ، تأثرت جداً و هي تتحدث عنهم .

صمتت ، و فوراً استخرجت دفتر اليوميات الذي في حقيبتها ، و أنا لا أعرف كيف ستكون النهاية .

ـ ” سوف اعترف لكم ” ثم قرأت آخر صفحة في دفتر اليوميات ( بسبب طباع النوع الإنساني ، بسبب عدم إنسانيته ، يعني باختصار ، بسبب ميلاده ، أنا قاتلة مثل كل إنسان . فقدي لأمي و أبي في لحظة واحدة ، حتى ذكرياتهم تمنحني آلاماً لا حصر لها ، عقلي المكلوم يقتل الذكريات التي جمعتنا واحداً تلو الأخرى ، كثيراً ما قاومته لكنه لم يكف عن ذلك ، تقاطيع وجهيهما ، إيماءاتهما ، نغمة صوتيهما ، تلك الأشياء التي تملكت عظامي و لحمي ، و أخيراً أقف عاجزة أشاهدهما يمضيان دون عودة كأنهما لم يكونا موجودين من قبل ، ” أنا قاتلة ” في يداي الكثير من الدماء مازالت رمادية ، قتلت كل الذكريات البيضاء التي ترجع إلى أبي و أمي ، أحزن لأني مضطهدة ، لا حيلة لي لأني مقتولة ، أنا هادئة بصورة عجيبة لأني قاتلة …… رأيت رؤية ، أمي و أبي كانا موجودين ، كانت مثل الحقيقة ، رأيت رؤية ، أمي و أبي كانا موجودين ، مستوحاة من وجهين غامضين ، أنا و فندا في شرود تام ، برفقة دوي مخنوق فاتر ، لم أعد أرى الرؤية فقط أرى الحقيقة ، لقد تسرب أبي و أمي من ذاكرتي كما حبات الرمل المتسرب من ساعة الرمل ، أتألم و أنا أعانق هذه الحقيقة “.

و بعد أن أكملت حديثها انفجرت القاعة في تصفيق كبير ، نزلت إليف من المنصة ، عيناها كانتا ممتلئتان بالدموع ، توجهت نحوي و احتضنتني ، لم أشعر قط أنني في حالة يرثى لها كحالتي اليوم ، إذا كنت أسأل زوجتي أسئلة مناسبة ، في وقت مناسب ، كنت سأرى العاصفة المتفجرة في دواخلها و كان كل شيء سيكون مختلفاً ، قد فهمت الآن بأن ما يكدر حياتي هو برانويتي ، كنت في حاجة إلى مساعدة أخصائي نفسي .

دكتور بولنت شطب أشياءً من الدفتر الذي في يده ، و هو ينظر إلى ساعته ” نعم يا سيد انجن ، اليوم وقتنا قد انتهى ، سأنتظرك الأسبوع القادم في نفس اليوم و الزمن ” نهضتُ من الأريكة التي كنت مضطجعاًعليها ، شكرتُ دكتور بولنت و خرجت من الغرفة . و عندما كنت أقود سيارتي كان يخطر ببالي شيء واحد و هو” ترى من الذي صدم سائق الشاحنة المخمور و هرب “.

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

في مديح الثوّار 2

(1)      كانت القصيدة التي تدعو إلى الثورة متحررة من كل القيود، فقد ثارت القصيدة على قيود …