%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%aa%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%aa%d8%b1%d9%86%d8%aa_%e5%89%af%e6%9c%ac

لقراءة المقال الأصلي ( هنا )

مؤتمر عالمي للغة العربية عقد ما بين الثامن عشر و التاسع عشر من ديسمبر من العام 2013 بتونس، و الذي خرج بإعلان تنادي به الحكومات العربية بتعميم استخدام اللغة العربية في جميع المجالات، بما فيها المصالح الحكومية، التعليم و التظاهرات العامة الرسمية.

التلاعب الأيديولوجي

تحت رعاية الحكومة المؤقتة، تم تنظيم هذه التظاهرة و التي كشفت عن مدى تحايلنا على الأسئلة الجادة، و ذلك عن طريق التلاعب بالأجندات الأيديولوجية و السياسية، في الحقيقة إن لم يكن هناك إجماع على الحالة المزرية التي وصلت لها لغتنا، فمن غير الممكن أن نتفق على حقيقة هوية المشكلة أو على وسائل معالجتها إن لزم الأمر.

المشكلة تقع في كوننا نطرح السؤال بالطريقة الخطأ، و كونها عرض لوجهة نظر غائية، و هي معرفة التداعيات السياسية الممكنة لتظاهرة تداعب الحس القومي العربي على حساب القضية الأساسية لهذا المنتدى.

لذلك إن كنا نتحدث عن الوضع الحالي المتدهور للغة العربية، فذلك لإرجاعها فوراً لمكانتها البارزة كلغة القرآن الكريم، إن كنا نذكر أهمية استعمال العربية و تعميم استخدامها، ذلك لكونها مكوناً أساسياً للهوية العربية الإسلامية.

و ليكون للأمر أكثر فعالية، يجب أن يكون هناك إصرار على أهمية اللغة كآلية للتفكير، و الذي هو أساس الوجود، و كذلك إن تحدثنا عن الهوية بشكل مقتضب، بكل صفاتها، فالمواطن العربي يمكن أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً.

في الحقيقة ما يفسد المحاولات المتعددة لرد الاعتبار للغة العربية، و منحها المكانة التي تستحقها كلغة حية، لغة ثقافة و حضارة، هو ذلك الجهل المتعمد بمكانتها في مخيلة الناس، في ما يقولونه و ما لا يقولونه.

خيال محبوس

في مخيال الناس، اللغة العربية هي لغة ليست فقط متجاوزة، بل و رجعية كذلك، تكلم الإنجليزية أو الفرنسية يستدعي الاحترام و التقدير من طرف شباننا دون ذكر أطفالنا.

لكن عن أي لغة عربية نتحدث؟ هل هي العامية المحكية من المحيط إلى الخليج، و التي لا يمكن اعتبارها لغة بشكل مساو للغة الأدبية المكتوبة؟ هل ذلك يعود لاعتبارنا لغة القرآن أكثر عربية من لغتنا العامية التونسية أو مثيلاتها في الدول العربية؟ وأيضاً، عن أي لغة قرآن نتحدث؟ هل هي تلك اللغة العربية الصافية التي تعود لعصر ما قبل الإسلام أو التعابير الأجنبية الدخيلة على اللغة العربية خلال الفترة الذهبية للغة، حينما كانت العربية لغة العالم و التقدم؟

هذه فقط عينة من الأسئلة التي لم يتم تداولها من طرف المشاركين في المؤتمر، بأعداده الأربعة، الذي كان يشبه زمن السكولائية القروسطية، مستهلك في مواضيع من قبيل ماهية جنس الملائكة.

تكلمنا عن عدد لا يحصى من الأكاديميات المحدثة، و عن التكامل و الدعم الضروري بين الدول العربية، عن تعريب التعليم العالي و البحث العلمي، وعن ترويج اللغة العربية لغير العرب أو إحداث موقع إلكتروني لتعليم لغة القرآن.

لا توجد أسئلة سيئة بل أسئلة مخطئة، ما هو جوهري يجري في أماكن أخرى.

كل ما يجري بهذا الخصوص يشبه نبيلاً غدر به الزمن، فهو لا يحمل و يتشبث بألقابه و أصوله فقط، بل يحتفظ كذلك بكنوز تسكن قصره، أو بمعنى أصح، تسكن ماضيه التليد، لكن رغم كل هذا الرصيد التاريخي المميز، هذا القصر سقط في دوامات من الفوضى، لهذا يجب أن يتم تنظيفه أولاً، لجعل هذا القصر أكثر من مجرد متحف، بل مكان تزدهر فيه الحياة و الثقافة.

إن سألنا العرب، إن استجوبنا خيالهم، ذلك اللاوعي الجمعي الذي يقف خلف كل أفعالهم و أخلاقهم كبشر، ماذا تمثل لغة القرآن بالنسبة لهم بشكل يومي؟

للإجابة بشكل غير مباشر و فوري على هذا السؤال، يكفينا أن نقول أن المنتدى عقد على هامش احتفالية يوم اللغة العربية العالمي، الثامن عشر من دجنبر. من يهتم بها في المجمل هم الوحيدون الذي يهمنا أمرهم في الوقت الحالي؟

ينعكس ذلك بشكل جيد على خيال العامة، الذين يشعرون بضرورة التحرك صوب إيجاد مكانهم في اللغة العربية. لغتنا في أزمة، هذا صحيح، لكن كما كررت أكثر من مرة، هذه الأزمة لا توجد إلا في رؤوس من يفكرون بها، أريد أن أقول من خلال ذلك بأن الاهتمام الأساسي هو العامة الذين يبتدعون هذه الأزمة من خلال تدبيرهم لحياتهم، بتبنيهم لهذه الأزمة كما هي في الحقيقة.

بالأساس، الأزمة هي طريقنا نحو التطور المطلوب من وضع لأخر، مؤلمة بالتأكيد، و لكنها في النهاية تمنحنا طريقاً لوضع سيكون بكل تأكيد متجدد، الأزمة ليست سوى تلك الحمى المبشرة بدفاع الجسم ضد هجوم المرض، رد فعل صحي على عكس ما قد يبدو.

لكي تقوم بكارثة بهدف الاستفادة منها، لسبب أو لأخر، يعود ذلك بالسلب على الوضع بشكل عام. الحكمة تستلزم أن نعالج الأمر كما لو أنه إنذار خطر استباقي، و هكذا وضع الأمور في نصابها باعتبار نتائجها، لأنه بذلك تكون حظوظنا أكثر لاسترجاع صحتنا.

بارانويا الفكرة

هذا ما نفعله عندما نحاول أن نفكر بطريقة ملتزمة أو متزمتة، نزعم أننا نفكر بواقعية و منطقية عندما يكون فكرنا غير متصل بالحقيقة و الواقع، الواقع الحقيقي الذي لم يتأثر بتشويه المبدأ المشهور بتقزيم الحقيقة، هذا ما نسميه بالواقعية، محاولة أن تكون – سياسياً و إيديولوجياً – على حق هو تفكير أحادي لا يؤدي إلى أي مكان.

بالنسبة للغة العربية، إن أردنا فعلاً أن تعود لغة القرآن المقدسة إلى مكانتها البارزة في العالم، يجب علينا أن نعتني بما يوطنها في القلوب.

و كذلك يجب علينا، حالاً، التوقف عن تقديس هذه اللغة، لأن ذلك ينزعها من درجة اللغة الميتة، في حين يجب علينا بالمقابل أن نجعلها شعبية، أن نفعل ذلك بشكل عمومي بامتياز. نرى جيداً إلى أي حد الأطفال فخورون بإمكانيتهم التعبير بالعربية الفصحى عندما يمنحون الفرصة لذلك، يجب أن يبقى شعورهم حيالها كذلك دائماً، لكن شبابنا و مواطنونا، سياسيونا، صانعوا القرار و الباحثون ينقسمون إلى مجموعتين: أولئك الذين يعتقدون أن اللغة العربية أصبحت « has been » متجاوزة بالعلوم و التكنولوجيا الحديثة و أولئك الذين يعتقدون بالعكس. في الواقع، الاثنان محقان، العربية هي خارج مضمار العلوم اليوم، لا تستخدم سوى في علوم الدين، لكن انطلاقًا من هنا، إن أحببنا أن نجعل لغتنا علمية، يجب أن نجعلها تغادر قدسيتها، دفعها بشكل ما نحو العلمنة لكي تكون على مستوى حاضرنا و عصرنا، و هذا كله ممكن بالنظر للغنى و السلاسة التي تتمتع بهما اللغة العربية.

الطريقة المثلى لتثبيت هذه القناعات بشكل عميق هو عن طريق جعلها مشاع على العموم.

كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ بترك الجميع يتكلم عن دينه و لغته المرسومة على كتابه المقدس، لنعود لدراستها و التعليق عليها. في الإسلام ذلك ممكن بشكل تام، إن لم يكن مطلوباً، لأنه لا يوجد وسيط بين الله و عباده من جهة، ثم أن الاجتهاد مقبول حتى و إن كان غير كامل أو به أخطاء هو دائمًا محمود طالما كان مبنياً على الصدق و المثابرة.

عندما نستوعب هذه الثورة الفكرية، الثورة هي، بشكل فعلي، العودة إلى الماضي، قد نستطيع إعادة اللغة العربية إلى مكانتها كلغة عالمية. صحيح يجب أن نبحث عن الطريقة المثلى التي تناسب عقلية بلدنا، و التي هي الانفتاح على الإبداع، لاستمالة معظم الناس ليعتبروا هذه اللغة كلغة حية. يتطلب ذلك تشجيع الترجمة و تبني عبارات إلى العربية من كل اللغات بدلاً من أن نأخذها كما هي، كما يجب علينا أن نعيد اكتشاف ديننا بشكل جديد غير متجاوز و بروح عصرنا.

مجدداً، بالعمل على فكر الشعب، بإشراك مخيلته، سنصل بالتأكيد لنتيجة تجعل العربية و التكلم بها أمراً عادياً و غير مستهجن بل أصيل و يدعو للفخر.

هكذا، و هكذا فقط، سننجح في مطابقة أفكارنا مع هويتنا، و التي هي في صراع الآن. سنتوقف بذلك عن التلاعب الذي نفعله الآن، ذلك الانعدام في التوازن بين ما نحن عليه و ما نرغب في أن نكونه، ذلك الانفصام العميق بين أفكارنا و تعبيراتنا اللغوية.

الخيار واضح جداً: نفكر بالعربية و بالتالي نجد أنفسنا و ننهي حالة الازدواجية التي نعيشها أو نكمل كما نحن، لنفكر بلغة أجنبية (حتى و إن كانت هذه اللغة وطنية زعماً، كما هو مدون في الأوراق الرسمية، متوارثة بالتأكيد، لكنها تحتل واقعنا التونسي الحالي بوضوح)

هل من المنطقي أن نتكلم عن تعريب التعليم، بينما طموحنا الأكبر هو القضاء على الأمية؟ هل الرغبة في تعريب التعليم العالي و البحث العلمي ليست هزلية حينما نجد أن جامعاتنا هي مثال على التصحر الفكري؟

إذا كان في الأدب العالمي “صحراء التتار” الشهيرة بحق، فيمكن أن نتحدث غداً بالمقابل عن صحاري تونسية لكي نوقظ هذه الأرض الغنية بكل شيء و خصوصًا ببنية المادة الرمادية (الأدمغة) لشعبها، لكننا نسعى غالبًا، سياسياً و إيديولوجياً، لجعلها بلداً فقيراً بشعب في عوز دائم.

إنه الوقت المناسب للعودة للشعب في عصر الحشود، نعيد له لغته، و بهذا نعينه على إيجاد ذاته و كنوزها، و بالتالي التوقف عن التفكير في مكانه، لأنه كبير و ناضج بما يكفي لكي يقوم بذلك لوحده، خصوصاً و نحن على أعتاب مناسبة الاحتفال بعيد الثورة.

تعليقات الفيسبوك

5 تعليقات

  1. cracking post. I am amazed as contained essence. I’ll do one’s best to cannon into in more frequently and visit this web page. Godspeed is in your suit. Writing posts on your web page. I was take pattern to you. I would recommend to every and insert to overlap.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

إنبعاث

غرفة ضيقة رطبة، لها نافذة واحدة تطل على جبل بعيد، جدران قضمتها الرطوبة و عبثت بطلائها الأب…