3309

بقلم  : Jonathan Safran Foer

لقراءة الموضوع الأصلي  (هنا)

هل وجدت نفسك تتفقد بريدك الإلكتروني خلال وجبة العشاء ؟ أو مشيحًا بنظرك من الكتاب إلى الشاشة بلا قدرة على التركيز ؟

تزداد خسائرنا كلما كان العالم أقرب إلى أناملنا .

التقى جدي بوالدي للمرة الأولى عبر مخيلته من خلال وضعه يده على بطن جدتي وتصور وجود رضيع بين يديه ، أما أنا فقد رآني والدي لأول مرة على الشاشة باستخدام التكنولوجيا المتطورة والتي تسمى بالسونار للكشف عن العيوب في جسدي، وكانت مخيلة والدي حينها مقيدة بما يسمعه من الموجات الصوتية عبر هذا الجهاز عوضًا عن تخيلي بين يديه كما فعل جدي ! وأيضًا على خلاف والدي الذي بقي في غرفة الانتظار كما هي العادات سابقًا ، كانت تجربتي مع ولادة أطفالي مختلفة، وأكثر ثراءً، وعمقًا إذ أن تواجدي الجسدي في مكان الحدث وقتها أسهم في حضوري النفسي الكامل !

كرس طبيب التوليد الإنجليكاني إيان دونالد نفسه بالمساعدة في جلب تكنولوجيا الموجات فوق الصوتية لاعتقاده بأن تصوير الأجنة سيزيد من كمية التعاطف تجاههم ، وبالتالي ستنخفض احتمالات اختيار الإجهاض، وقد تستخدم هذه التقنية بحالات أخرى لاختيار الإجهاض بالفعل في حالات التشوه ، أو عند عدم رغبة أحد الوالدين بالطفل لأنه ليس من الجنس الذي يرغبون به !

من الواضح بأن هذه الصور الأحادية لنا قبل أن نولد ، تقرر بالنيابة عنا ما إذا كان يجدر بنا العيش أو الموت، ولكن ما الذي يجعلنا مهيئين لاتخاذ قرارات الموت أو الحياة من الأصل؟

تناقشت مع زوجتي في مسألة معرفة جنس طفلنا الأول قبل ولادته، واستشرت عمي لأنه يملك خبرة طويلة بحكم توليده لأكثر من 5000 امرأة كطبيب نساء وولادة ، لقد حثني بقوة على عدم معرفة جنس المولود !

قال لي : إذا نظر الطبيب إلى الشاشة وأخبرك بجنس الطفل فهذه معلومة ، أما إذا علمت جنسه لحظة الولادة فتلك معجزة ، واتبعت نصيحته رغم أنني شخص لا يؤمن بالمعجزات، وتبين بأنه كان على حق .

لا يحتاج المرء إلى الإيمان بالمعجزات من أجل تجربتها ، وإنما يحتاج إلى أن يكون حاضرًا خلال حدوثها .

اكتشف علماء النفس بأن الدماغ يستغرق وقتًا طويلاً لفهم الأبعاد النفسية ، والأخلاقية لأي وضع على خلاف ردود أفعالنا الجسدية الفورية، وبناءً على ذلك نستطيع القول أنه وبكل بساطة ، قد أصبحت أذهاننا هائمة على وجهها ، وبالوقت ذاته تمحور تركيزنا على السرعة أكثر من اهتمامنا بالعمق ، وبالتالي أصبحنا لا نهتم بتاتًا .

على سبيل المثال : أصبحنا نرى ملخصًا مكونًا من سطر واحد على شاشة الهاتف لرواية مؤلفة من مئات الصفحات خلال دقائق !

وهذه ليست جملة تتعلق بأهمية وقيمة الرواية، إنما بالوقت الذي نقضيه في كل من قراءة الرواية وقراءة التلخيص إذ أن معظم الناس سيفضلون قراءة الملخص على الرواية .

يقول سيمون ويل :

” الاهتمام هو أندر وأنقى شكل من أشكال السخاء “

بما أن المراسلة عبر الهاتف أثناء القيادة يعد أمرًا خطيرًا ، فسوف تؤجل إطلاعك على هاتفك في أوقات أخرى من اليوم مثلاً : أثناء تناول الطعام ، أو بعد محادثة ، أو أثناء انتظارك، وهذا يعني بأنك سوف تكون مشتتا خلال أوقات يومك التي يفترض فيها أن تولي اهتمامك الكامل إلى من تحب كوالديك ، أو صديقك ، أو شريك حياتك مما يعني بأن علاقاتنا مع بعضنا ومع هذا العالم تحولت إلى نمط من الشح عوضًا عن السخاء !

يمكن للمرء أن يقوم بأكثر من نشاط خلال الوقت نفسه كأن يشاهد التلفاز ، أو يستمع إلى الموسيقى خلال حديثه مع صديق ، أو خلال جولته في معرض فني  ، ولكن لا يمكنه أبدًا أن يفعل أمرًا آخرًا حينما يقرأ !

تعد القراءة النشاط الوحيد الذي يتطلب التفاني والإخلاص، ورغم أنها تتطلب بذل مزيد من الاهتمام إلا أنها عمل سخي ! ليس للعالم فحسب إنما لأنفسنا في المقام الأول رغم أننا لا نعي ذلك ، فعلى سبيل المثال :

تؤثر بنا الروايات عاطفيًا ، وتجعلنا نقترب ممن نحب ، وتطلب منا توسيع مداركنا، وتقريب وجهات النظر مع من نختلف معهم، وكل ذلك يعني بأنها تجعلنا نتصرف بحكمة وبشكل أفضل .

نحن نفكر بالتكنولوجيات وكأنها تحكم القبض على تلابيب المعلومات ومتلاعبة بكل مسألة ، بالنسبة لنا : قوقل تهتم بتنظيم وتقديم معلومات العالم بأكمله ، والسيارة تحثنا على السير في الأرض بسرعة لا يمكن أن نصل إليها بأقدامنا ، والقنبلة تساعدنا في قتل أكبر عدد من الأعداء مما لا يمكننا الوصول إليهم بسهولة، ولكن يغيب عن أذهاننا بأن كل هذه التقنيات ليست فعالة في الواقع في تحقيق أو إحباط أهداف أولئك ممن يواجهونها إنما مؤثرة فحسب فمثلاً : تختلف كلمة أحبك المقروءة في هاتف ، والمكتوبة في رسالة ، والمسموعة مكالمة ، وإن صدرت من نفس الشخص بحسب نوع الخط في الهاتف ، جودة الورق في الرسالة ، ونبرة الصوت وإيقاعه !

كـمستهلكين ، نحن ننسى بأن للتكنولوجيا آثارًا في بناء مشاعرنا وتجاربنا العاطفية على حساب أنفسنا ولكن الشركات الناجحة لا تنسى بل وتقتطع الأرباح الهائلة من وراء ذلك !

غالبًا ما تجد معظم الناس يفضلون أجهزة ماكنتوش الحاسوبية على أي جهاز آخر اعتيادي وذلك لأن شركة ابل حرصت على خلق نظام بيئي مميز جدًا عبر الرموز التعبيرية وغيرها ، ولو قارنت بين الهاتف الثابت التقليدي سابقًا وبين الأجهزة الذكية حاليًا لوجدت اختلافًا كبيرًا ولعلمت السبب خلف هوسنا بها ! وهو ببساطة أن مهندسي الهاتف الثابت فكروا بطريقة عملية لتحقيق شروط الإتصال فقط ، بينما صنع مهندسو الأجهزة الذكية هذه الهواتف على ما يراه المسوقين من اهتمامنا بالألوان ، والأحجام ، والوزن ، والسطوع ، والانحناءات ، والمحادثات .

بدأت معظم وسائل التقنية في حياتنا كبدائل لنشاطات مستحيلة !

جاء الهاتف في وقت لم يكن يستطيع فيه البشر التواصل مع بعضهم البعض وجهًا لوجه بسبب المسافة، ثم جاءت آلة الرد الآلي لتغني عن بقاءنا طوال الوقت في المنزل ولتجيب عن مكالماتنا بدلًا عنا ، ومن ثم نشأت الاتصالات الالكترونية كبديل للاتصالات الهاتفية، ومن ثم جاءت الرسائل النصية، وكل هذه الاختراعات لم تأت من باب تحسين التواصل وجهًا لوجه بل لتصرفنا عن المقبول من خلال إيجاد بديل له .

كل خطوة متقدمة من التقنية جعلت حياتنا أسهل من ناحية مراعاة الجانب الإنساني والعاطفي إذ أن احتفالك بمناسبة ما وعدم إمكانية حضور قريبك لا تغني عن إمكانية حضوره للمناسبة إلكترونيًا ! 

ما يثير العجب هو أن السحر انقلب على الساحر ! فالمفاجأة تكمن بأننا أصبحنا نفضل هذه البدائل على غيرها، فترك رسالة نصية على الهاتف أسهل من مقابلة شخص ما، وترك بريد صوتي على المجيب الآلي أسهل من مكالمته ،وإرسال بريد الكتروني خال من نبرة الصوت التي يمكن أن تكشف الكثير عنا بات خيارًا أفضل ، ويمكننا الآن أن نقول ما نريد بدون الحصول على رد وربما ذلك أسهل إذ أننا لن نرتبط بأحد ، فأصبحنا نتعمد الاتصال في أوقات لن يجيب علينا فيها أحد، ونرى الرسائل النصية وسيلة عظمى لتقليل عدد الكلمات الصادرة منا.

كل خطوة من التقنية جعلت حياتنا أسهل في تجنب العلاقات العاطفية والإنسانية من خلال تحويرنا إلى وعاء لنقل المعلومات فحسب عوضًا عن كوننا من البشر !

المشكلة في استخدام هذه البدائل هو أننا سوف نتحول إلى بدائل كذلك قريبًا ، فالشخص الذي يعتاد على قول القليل سيعتاد على الشعور بالقليل أيضًا ناهيك عن تحوله إلى شخص تتحرك عواطفه بناء على الاتجاهات التقنية وهذا أمر أسوء.  

لم تواجه الرواية معارضة صارخة محيطة بها وبالثقافة كما الآن ، وبات الكتاب نقيضًا لقوقل وعديم جدوى وبلا طائل في أفضل حالاته وكذلك الفيس بوك فهو يتطلب وقتًا أقل في الإتصال , وصحيح بأن شاشات العرض تعرض معلومات لا حصر لها، ولكن القيمة الحقيقية للصفحة لا تكمن في محتواها المعرفي إنما في كيفية أن تجعلنا معروفين !

كسائر الناس ، أعلم بأن الهواتف والإنترنت جعلت الحياة أقل ثراء، وزودتنا بمتع سطحية على حساب العديد من المتع العميقة ، وجعلتنا نواجه صعوبة في التركيز ، وقادتنا إلى أماكن أخرى في كثير من الأحيان ، أما شخصيًا فدائمًا ما أجد نفسي أتفقد هاتفي أثناء قضائي وقتًا مع أطفالي، وأقفز إلى الشبكة العنكبوتية مسرعًا حينما تطرأ علي جملة جديدة في كتاباتي، وباحثًا عن الظل في يوم ربيعي جميل حتى أستطيع أن أرى شاشة هاتفي بوضوح !

هل وجدت نفسك تفعل ذلك ؟ هل وضعت أحباءك على خط الانتظار من أجل الإجابة على مكالمة أخرى من مجهول ؟ هل خلطت بين مشاعر الوحدة والبقاء وحيدًا ؟ هل تود نقر هاتفك للاستجابة إلى مكالمة أخرى ؟ هل تريد بريدًا إلكترونيًا يتطلب منك الرد على رسائله ؟ أليس من المحتمل أن تكون التكنولوجيا قد قامت بمضاءلتنا عبر دخولها في حياتنا اليومية ؟ أليس من الممكن أن يزداد الأمر سوءًا ؟

كل تقنية جديدة تسبب ضجة كبيرة وتجعل البشر يعتادون عليها إذًا ربما عدم مقاومتنا لها هي فكرة جيدة ! ولو كانت سيئة.. كيف سنبدأ بالمقاومة ؟ وكيف ستكون ؟

من الصعب تخيل مستقبل يشبه الحاضر مع كل جيل جديد ، لقد تمنى أجدادي بأن أحصل على حياة أفضل مما كانت عليه في وقتهم : حياة خالية من الحرب والجوع، وأن أستقر في الوطن ولكن ما هو المستقبل الذي سوف أتمناه أنا لأحفادي ؟

أن تكوى ملابسهم على طابعات ثلاثية الأبعاد كل صباح ؟ أو أن يتواصلون مع بعضهم البعض دون التحدث أو الحركة ؟

نحن غالبًا ما نستخدم التكنولوجيا لتوفير الوقت وذلك عبر طريقتين : الأولى وهي أن تستهلك الوقت الذي من المفترض أن توفره ، والثانية وهي أن تجعل الوقت الذي وفره أقل جودة وبلا حميمية !

أخشى بأن العلاقة أصبحت طردية بين وجود العالم قريبًا بين متناول أيدينا وابتعاده مزيدًا من المسافة عن قلوبنا .

إن السؤال لا يتعلق بكونك ضد التكنولوجيا لأن ذلك أكثر حماقة من أن تكون محترفًا في التكنولوجيا بل بأن هذا الموقف يمثل مسألة توازن حساسة في حياتنا !

في المستقبل ، ستقوم تقنية النانو بكشف نقاط الضعف في قلوبنا قبل أن تظهر علينا الأعراض وقبل أن نتوجه إلى الطبيب حتى ، وتقنية نانو أخرى سوف تصلح قلوبنا دون إضاعة الوقت، والمال، والشعور بالألم .

رغم ذلك ، لن نشعر بأنها معجزة إلا إذا ما زالت قلوبنا تستحق الإنقاذ، أو بمعنى آخر لو كنا قادرين على الشعور بالمعجزات فقط !

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

روسيا 2018 :بطولة كأس العالم 2018 ستجعل روسيا محط أنظار العالم

لقراءة الموضوع الأصلي اضغط ( هنا ) إن حق استضافة كأس العالم هو شرف متنازع عليه بشدة إذ فاز…