11025646_397579263756128_2925380924697482255_n

مجاهد الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

رأيتها بشكل مقدمتها المخروطي تنطلق صوبي مباشرة، تدور حول محورها، تعبر المسافة بين فوهة سلاح الجندي وهدف ما في جسدي، شعرت حينها بهواء منعش يجتاحني ثم تسمرت في مكاني لا أقوى على فعل شيء. ساد المكان صمت كوني رهيب، لبرهة من الزمن خرست صرخات الجنود، صفير الريح، أزير الطائرات، حفيف أشجار الغابة، الصوت الوحيد الذي تبقى هو صوت دقات قلبي التي ظلت تعلو… تعلو.

في تلك اللحظة أدركت أنني عابراً الجسر لا محالة وتداعى كل شيء أمامي على هيئة مشاهد متداخلة بعضها مع بعض كمصباح زجاجي سقط على أرض إسمنتية. رأيت صورة أمي بوجهها الشبابي وملامحها الصارمة التي اكتسبتها بعد وفاة أبي منذ أمد بعيد. صوت أختي الصغيرة وهي توقظني من النوم طالبةً مني مصروفها المدرسي، عيناها اللوزيتين، ابتسامتها، شعرها المتضمخ بزيت الكركار و طرحتها المسدلة على كتفيها. ضحكة حبيبتي التي تشبه هديل الحمائم، طعم قبلتها، أحلامنا البسيطة التي بذرناها في رحم الغيب واعتدنا رعايتها والسهر عليها. جدي وهو يدخل من الباب الخشبي بظهره المحني كقوس محارب، حكمته الكبيرة، حديثه الهادئ، رائحة السدر التي تعبق من فمه. صديقي الذي وجدته في أحد الأيام حازماً حقيبته و مرتدياً قبعته الأثيرة على قلبه ليخفي بعضاً من حزنه الأبدي، وقد قال لي حينها: إن هذه البلاد أصابته بالغثيان وتقزم الحلم ، ثم لوح لي مودعاً وهو يعبر المسافة إلى إحدى دول الجوار علّه يستطيع إيجاد زاوية أخرى للنظر وإعادة ترتيب الأشياء، آه لو تعلم ، فالرصاصة التي قتلت أحلامك أعيد إنتاجها بصورة أكثر مادية لتقتل أحلام الآلاف من الشباب وتحلق بأرواحهم في سماء العدم.

ما زالت هذه الحياة تدهشني يوماً إثر يوم، فبين غروب شمس و طلوعها يتبدل كل شيء، بل في كل ثانية.. لذلك كثيراً ما فكرت عندما كنت طفلاً في عدد الناس الذين يولدون في هذه اللحظة، الذين يموتون، الحزينون، الفرحون، النائمون، الجوعى، الذين يحملون نفس اسمي، و لماذا تحدث الأشياء بهذه الطريقة بالذات، فبين لحظة وأخرى يتغير كل شيء. ففي ذلك المساء و بينما كنت نائماً في مقعد الحافلة المتجهة إلى شمبات بعد يوم طويل من العمل، لم أفق إلا على صوت ذلك الرجل الذي لكزني قائلاً:”بطاقتك يا أبو الشباب”.

شعرت بالفزع وأنا أتحسس جيبي ولا أجد المحفظة، إنتابني دوار خفيف قبل أن أرد عليه بتوتر ظاهر:” يبدو أني نسيت المحفظة في مكان الشغل”.

تم إنزالي مع شابين آخرين من الحافلة، وأمرنا بالصعود إلى صندوق شاحنة كبيرة، حاولت أن أشرح له أنني فعلا أمتلك بطاقة ثبوتية، لكن حينها شعرت بضربة مؤلمة على مؤخرة رأسي ثم رميت في الشاحنة كجثة هامدة لأجد نفسي في صباح اليوم التالي حليق الرأس، مرتدياً زياً عسكرياً ؛ قطعتي دمورية و حذاء محلي الصنع ربما تأكيداً لـ” نلبس مما نصنع”، كان شيء أسوأ من الكابوس بكثير ليتم شحننا بعد ذلك إلى الجزء الجنوبي من البلاد.

ألم أقل لكم أن هذه الحياة تدهشني يوماً إثر يوم فحقك في الوجود مقرون بورقة صغيرة الحجم مكتوب عليها اسمك وتحوي صورة وجهك، يا للهراء!، فأنا لم أفكر يوماً أنني سأخوض حرباً لأي غرض كان، وحتى في هذه الحرب فأنا أجد نفسي متعاطفاً مع طرفها الآخر ، لذلك عاهدت نفسي علي عدم إطلاق ولا رصاصة واحدة من بندقيتي، ببساطة لأنني لا أستطيع قتل إنسان، كانت فكرتي أن أختبئ في مكان ما حنى تنتهي المعركة ثم أرجع بعد ذلك إلي المعسكر لكن يبدو أنها كانت خطة فاشلة.

رحت أفكر في الشيء الذي يمنحني أعظم لذة – فما أجمل من أن يفكر شخص على وشك الموت في الشيء الذي يمنحه أعظم لذة! – وهو أن أترك مثانتي تمتلئ بذلك السائل الأصفر حتى أحس بذلك الخدر اللذيذ يضغط على أسفل بطني ينتقل إلى أعلى فخذي وفي اللحظة الحرجة، اللحظة التي أشعر فيها بنشوة كبيرة أفرغه دفعة واحدة، كانت تلك اللحظة المثالية للموت، علت دقات قلبي إلى الحد الذي شعرت به في كل شبر من جسدي، ثم اخترقتني الرصاصة محدثة ثقباً بقطر تسعة مليمترات في صدري، أحسست ببرودة طاغية و سقطت ملامسا بوجهي الأرض الرطبة، مستنشقاً عبق طينها للمرة الأخيرة لتغمض بعد ذلك يد الموت عيناي

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مدخل إلى شعرية السينما

  طائر يحط على جثة بقرة نافقة، وبعد ثوان، يظهر على خلفية المشهد أناس يسيرون في البعيد…