c4a298c6a6

الإحتقان الذى شهده الحقل الصحى فى الفترة الأخيرة.. ذلك التردى الواضح فى الخدمات الصحية.. وتدهور بيئة المستشفيات العامة بشكل ملحوظ.. مع إنتعاش القطاع الخاص فى تقديم الخدمات الصحية.. وهجرة الكوادر المعنية بالصحة بكثافة فى السنوات الأخيرة.. كان دليل إنهياراً مرحلي فى قطاع الصحة.. وهو أمر حدث بشكل تدريجى.. ظهر بوضوح على هيئة صدام مستمر بين متلقى الخدمة ومقدمها.. حيث أنه لا يستقيم أن نفصل هذا الصدام عن واقع العمل غير المرضي لمقدمى الخدمة ونتائجة غير المرضية للمتلقين لها.. فهى أزمة إن حاولنا النظر إليها جاهدين نجد أن جوهرها هو فشل عام لمنظومة الإدارة بالصحة إبتداء من رأسها بوزارة الصحة وإنتهاء بالمدراء الطبيين فى المستشفيات والمراكز الصحية المختلفة.. لايبتعد ذلك عن سياسة الدولة تجاة الصحة.. فنسبة الصحة فى ميزانية الدولة لاتسمن ولاتغنى من جوع. لايكاد ماتمنحة المالية لتسيير العمل بالمستشفيات يغطى عقودات شركات التنظيف بداخلها!!..

ونتابع منذ الشهر الماضى وحتى تاريخ كتابة هذا المقال حراك مطلبي جاد يقوده الأطباء مجتمعين تحت لواء لجنة أطباء السودان المركزية ولجانها الفرعية بمستشفيات العاصمة والولايات.. وذلك بعد موجة من الإحتجاجات وقرارات الإضراب الأحادية فى بعض المستشفيات فى الفترة الأخيرة، تزداد فى حدتها وتتقارب فى زمنها حتى بلغت ذروتها عندما قام أهل أحد المتوفيين داخل طوارئ مستشفى أمدرمان التعليمي بالإعتداء على الأطباء والطاقم الطبى المساعد.. كما قاموا أيضاً بإتلاف عدد من الأجهزة بالطوارئ ليلتها.. وذلك بتاريخ 26 سبتمبر 2016 حيث أعلن أطباء مستشفى أمدرمان دخولهم فى إضراب شامل عن العمل يشمل كل الأقسام بما فيها الطوارئ “ولنا فى هذه النقطة بعض التوضيح لاحقاً”.. كانت هذه الحادثة مشعلة فتيل الحراك.. وإن أجمعنا أنها لم تكن بدايته.. فقد شهدت مستشفى أمدرمان نفسها عدد من الأحداث مؤخراً.. منها قضية نواب الجراحة بالمستشفى و الذين تم إتهامهم بالقتل العمد وكانت وقتها وقفت الأطباء الجامعة فى العاشر من مارس 2016  مشهد من التلاحم ينبئ بما ستسوقه الأيام من دفع عجلة المطالب والحقوق. فكان لابد  لهذا التململ وهذه الشرارات المتناثرة هنا وهناك أن تسفر عن شكل حراك أكثر تنظيماً.. وقد كان.. ففي يوم الإثنين الثالث من أكتوبر كان إجتماع جمعية الأطباء العمومية والذى دعت له لجنة أطباء السودان المركزية مُسبقاً.. فى ذلك الإجتماع وبحضور مايقارب الألف طبيب فى مشهد مهيب يملأه الحماس تم إعلان إضراب عام عن الحالات الباردة ليبدأ يوم الخميس السادس من أكتوبر.

***

لجنة أطباء السودان المركزية

لايفوتونى هنا الحديث عن لجنة أطباء السودان المركزية.. لما لعبه هذا الجسم الوليد من دور كبير فى إصطفاف الأطباء وتوحيد كلمتهم.. ففى بدايات يناير 2016 كان هنالك عدد من الإجتماعات والووقفات الإحتجاجية إعتراضاً على زيادة رسوم التدريب من واقع 6 الف جنية للسنة التدريبية الواحدة الى 10 ألف جنية.. وعلى خلفية تلك الوقفات تم الإتفاق على ضرورة وجود جسم مستدام يمثل الأطباء ويقف على حقوقهم.. فتم إنتخاب المكتب التنفيذى للجنة المركزية فى تاريخ 7 يناير 2016 بساحة مجلس التخصصات الطبية.. وأمن الحاضرون على أن اللجنة المركزية هى الجهة الممثلة للأطباء والعاملة على حل جميع إشكالاتهم. فقد كان شوق الأطباء لجسم يمثلهم كبيراً وكانت اللجنة المركزية هى ذلك الجسم..

بدت المركزية منذ ذلك الوقت مساعيها لتوحيد الأطباء وحملهم على الإلتفاف حول القضية المفصلية وهى تحسين بيئة العمل وتعديل عقودات التدريب لتشمل لاحقاً قانون حماية الطبيب وذلك بعد تفشي ظاهرة الإعتداء على الأطباء داخل أماكن عملهم بشكل واضح.. خاطبت عدد من الجهات الرسمية.. وتم صياغة مذكرة تفصيلية بالمطالب.. ومن ثم رُفعت لوزير الصحة الإتحادية فى التاسع والعشرين من فبراير 2016.. ولم يتم البت في أمرها.. دخل الحراك فترة من التموج.. يعلو ويهبط مع القضايا.. إلي أن إستعاد روحه في الثالث من أكتوبر 2016.. ليخرج شعار الحراك “لجنة أطباء السودان المركزية تمثلنى” جنباً لجنب مع شعار “عشانك يامواطن” .. لينطلق إضراب السادس من أكتوبر.

 بدأ هذا الإضراب متزامناً فى عدد من المستشفيات والمراكز الصحيه وأستمر بقوة خلال أيام إزداد خلالها عدد المستشفيات الملتحقة بركب الإضراب وعدد المتضامنين معه.. إلتفاف كبار الإستشارين والجمعيات الطبيه كان ذلك دعماً قوياً ومؤشراً واضحاً لأهمية وعدالة القضية.. نجاح هذه المرحلة كان واضحاً فى نقاط كثيرة أهمها التوعية بما اصاب القطاع الصحى من سوء وتسليط الضوء وتحريك الآله الإعلامية إيجابياً فى هذا الإتجاه.. ظهور الدعم الفورى مالياً ومادياً على هيئة معدات ومحسنات لبيئة العمل.. هذه الإستجابة السريعة وإن إقتصرت على عدد محدود من المستشفيات كان لها آثر واضح فى تغيير الرأى العام وتقريب وجهات النظر بين مقدمى الخدمة ومتلقيها من حيث ان الأزمة يجب أن يسأل عنها الوزارة وإداراتها.. توجت تلك الإستجابات دعوة نائب رئيس الجمهورية للأطباء وتبنية لتنفيذ مذكرة تحسين الخدمة.. علي ضوء ردود الفعل المشجعة من قِبل الجهات التنفيذية.. تم إعلان رفع الإضراب بإجتماع طارئ للجمعية العمومية وذلك فى يوم الخميس 13 أكتوبر بعد إضراب دام ثمانية أيام متتالية.. كان شعاره الإلتزام بتغطية الطوارئ وهنا يجب علي أن أعود لذكر مستشفى امدرمان والتى كانت ليلة رفع الإضراب تدخل يومها الثامن عشر من الإضراب الشامل حيث لم تُستثنى الطوارئ من الإضراب ولإمدرمان فى ذلك ظرف خاص هو أن الإعتداء على الأطباء تم داخل مبنى الطوارئ وأصبح جموع الأطباء هناك مجمعون على أن البيئة ليست آمنه لمزاولة العمل.. إلا أنه تم رفع الإضراب بكل مستشفيات السودان مجتمعين خلف قيادتهم بلجنة أطباء السودان المركزية.

***

التقييم

فى أسبوع التقييم الأول “13 إلى 20 أكتوبر ” الذى تلى الإضراب تم التصديق على عدد من القرارت المهمه كتفعيل حق العلاج المجاني للحالات الطارئة خلال 24 ساعه الأولى.. وعلاج الأطفال دون الخامسة مجاناً وإن كان القرار ينص على الأدوية المشروبة مما يعد إلتواء على الطلب المرفوع بالمذكرة.. إلا أن الحقوق تحتاج لمزيد من الضغط والمتابعة.. أصدرت أيضاً عدد من القرارات فيما يتعلق بعقودات التدريب.. قد لايكون ما تم تنفيذه كافياً فى نظر العديد من الأطباء نفسهم وأبدى عدد منهم إنزعاجه من رفع الإضراب بناء على إلتزام نائب رئيس الجمهورية.. ورأى آخرون فى ذلك إنكسار للدولة.. إلا أنه كجهة مطلبية ملزمة المركزية بأن تجلس إلى طاولة المفاوضات مادمت دعيت من الجهه التنفيذية.. فالإضراب وسيلة لغاية هى فى مبدئها لفت النظر لحجم المشكلة بالقطاع الصحى والجلوس مع المسؤولين للإتفاق على حل هذه المشكلة.. بإعتبار نائب رئيس الجمهورية ممثلاً لأعلى الجهات التنفيذية كان لابد من الإستجابة لندائة ومعرفة ماقد يطرحه من حلول وإلا يصبح الإضراب تعنت فى ذلك الموقف.

***

الخميس 20 أكتوبر

بنهاية أسبوع التقييم الأول توجه الإطباء إلى مستشفى بحرى لتلبية إجتماع الجمعية العمومية إلا انه تم إغلاق أبوب المستشفى بوجة الأطباء وهو أمر لم يستبعده الحاضرون بل توقعه الكثيرون قياساً على إجتماع الخميس 13 أكتوبر.. تجمهر الأطباء أمام بوابة ورُفعت الشعارات بأن التجمع من حق الأطباء ومحاولة كسر القضية مرفوض.. وبعد الكثير من الجدل تم الإتفاق على نقل الإجتماع إلى ساحة ميز الخرطوم للأطباء.. إفتتح المخاطبة أحد أعضاء اللجنة المركزية جاهراً صوته ملهباً الجموع ليتقدم د.حسن كرار رئيس المركزية تالياً قرارات الرئاسة مصحوبة بأوراق مختومة تصديقاً لبعض الوعود التى قطعها السيد نائب رئيس الجمهورية.. ولايخفى على الجميع أن هذه الخطوه حق لها أن تكون فى إجتماع رفع الإضراب الأول إلى أن الحراك المندفع أحياناً يجئ سابقاً للتخطيط.. كما وأعلن رئيس المركزية عن زيادة المهلة التى يتم فيها التقيم وتحديد إجتماع دورى إسبوعى للجمعية العمومية.. أنتهى الإجتماع بمداخلات متفرقة من الحضور من بينها الكثير من الأراء الرافضة لنهج المركزية فى إتخاذ القرار وإنتقد البعض إعطاء مهلة إضافية معللين ذلك بأنه قد يؤدىإلى الفتور والتراخىمما يقود إلى تضعضع القاعدة.. إلا أن الأطباء بالنهاية  إنصرفوا من موقفهم ذلك متفقين على أن يكون إجتماعهم كل خميس للمراقبة ومناقشة أمر التصعيد..

***

الخميس 27 أكتوبر

إستمر الإلتزام بالعمل ومتابعة تنفيذ بنود المذكرة المرفوعة.. خلال اسبوع التقييم الثانى.. إلا أن الجهات التنفيذية بدأت فى المماطلة وإرتخى حبل الثقة مرة أخرى.. وكان إجتماع الجمعية العمومية الرابع بتاريخ 27 أكتوبر فى ساحة ميز الأطباء بالخرطوم لم يكن الحضور كسابقية من الإجتماعات إلا أنه لم ينقصه الحماس.. ولم ينقصه الرأى المضاد الصارخ بقوة أن رفع الإضراب كان طعنة فى خاصرة الحِراك.. كان على المركزية أن تعمل جاهدة على تعديل آلية إتخاذ القرار والتوجه إلى طرق أكثر تمثيلاً لقاعدة الأطباء فاء الإعلان عن تكوين المجلس المركزى والذي تم إقتراحه على يتم تكوينه عبر الإنتخاب من الفرعيات المختلفة بتمثيل إقليمى لكافة الأطباء.. وتم تزكية رئيس ومقرر للمجلس مؤقتاً لحين إكتمال هيكلته.. كانت خطوة مقنعة لعدد كبير من الحضور.. إنتقل الإجتماع لخطوة أخرى وهى الإعلان عن خطوة جديده فى الحِراك وهى الإضراب المجدول..

***

الإضراب المجدول

وعند إعلان الإضراب المجدول كان صوت التذمر العالي الذي صاحب القرار مصدراً لمخاوف الكثيرين.. خشية أن يكون ذلك دليل علي إنقسام يصيب حراك الأطباء في مقتل.. وتلقي الجموع القرار بعين القلق والأمل.. دارت العديد من النقاشات حول مدي فاعلية الإضراب المجدول طويل المدي.. وعن ماهية التصاعد غير الواضحة بالجدولة.. ومع ذلك كان الأطباء علي الحوار الدائر بينهم ملتزمين بما هو معلن وكانت الأيام المتفق عليها حسب الجدولة هى يومين أسبوعياً طيلة شهر نوفمبر فى مجملها ثمانية أيام آتت بالتواريخ الآتية

1 و 2 نوفمبر

6 و7 نوفمبر

16 و 17 نوفمبر

20 و 21 نوفمبر

 ولكن.. حديث الأمل هاهنا.. بدأت الجدولة ومن واقع الأسبوعين الأولين المقررين للإضراب بمجموع أربعة أيام حسب الجدولة.. كان الإلتزام الجميل الواسع من الأطباء بالقرار المعلن.. صاحب الأمر حملة أمنية كبيرة تمثلت في إستدعاءات متكررة وإعتقالات متتالية في محاولة لشل الحراك بعزل قياداته.. ولكن.. حديث الصمود هاهنا.. فقد أثبت الاطباء مجتمعين أن إختلاف الرأي إثراء للساحة.. وضبط النفس يهزم الإستفزاز.. والوعي التام بأهمية الإلتزام بالقرارات المتوافق عليها في نهاية المطاف هي بواكير الوعي النقابي الناشئ فيهم.. وتلك النقاط مجتمعة هى صمام أمان ذلك الحراك.

***

بعين المتابع لهذا الحراك.. أستطيع القول بأن النصيحة التى يمكن تقديمها للأطباء هى المحافظة على بذرة النقابة الماثلة على هيئة المركزية.. العمل على تقوية أفرع اللجنة المركزية بالمستشفيات.. إستثمار الجوى الإيجابى لصالح الصحة وبناء قواعد النقابة المرتقبة.. الإهتمام بالبناء الديموقراطى وممارسته بين القيادة والقواعد هو أصل التلاحم.. وذلك للنجاح فى خلق كيان صحى لا يقف عند المطالبة بحقوق الأطباء والمرضى بل أن يكون نموذجاً يُحتذى به. لايدرى الأطباء كم من الأمل زرعه هذا الحراك فى النفوس.

إلى لحظة تعديل هذا المقال فى السابع من نوفمبر 2016 مازال عدد من أعضاء المركزية وفرعياتها رهن الإعتقال..

مازال المد مستمرًا..

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

دخان

يا عين يا عنية يا كافرة يا نصرانية.. عين الفتاة تقد الوطا.. عين الصبي سيفاً مضي.. العين مس…