5457b27b0c5a4807872577

عمرو جنيد

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

***

الأنشودة السابعة: وسـن

 “ألقى الرب غلالة النوم على الإنسان فحرم عليه فائدة ما أكله من التفاحة”

 ماذا تعني يا شيخي، ما المعنى الخفي المستتر وراء كلماتك التي تمن بها علي بتباعد، هل قلب العارف بالفعل صحراء تطلب الارتواء لكن بقدر؟، ما ألقيته على سمعي صبيحة اليوم، هز أركاني، أهذا يكون السلام، صفعة لعماد روحي…؟

ظللت طوال اليوم عبر الحوائج المكررة، بين الفينة و الفينة أكرر الجملة العجيبة ( ألقى الرب غلالة الوسن على الإنسان فحرم عليه ما أكله من التفاحة)، شغل بالي بما وراء الحروف، شيخي قال لي إن الحروف بذاتها لا تحمل معاني، إنما خلطها يعطيها قوة سحرية، حرف الألف الفاتحة، إلى حرف الياء الختام، مفردة تشكل عناصر كلمة كخلطات العطارين، فنبات كالبقلة الحمقاء إن امتزج بنبات آخر كالحلفة صار مزيجهما سحر يداوي العليل. انتفيت مكاناً قصياً، عند حدود شجر الغابة المتحجرة، و أصوات الطيور تتعالى و تهبط، تذكرت سباب عصافير بلدتي حين تتصارع على حبات شعير أو على أنثى كليمة، موسم التزاوج يحمل نذر الحرب، لعله أكثر سبب منطقي للاقتتال و نتف الريش. تعلمت طريقة من طرائق تحليل الكلم، أن أعود بالمفردة إلى الأصل، أحل البناء و أعيد تركيبه، غير مهمل ما بطن من إشارات أجراها صاحبها في جدول القول الساري. ( ألقى الرب غلالة الوسن على الإنسان فحرم عليه ما أكله من التفاحة)، الشطر الثاني هو السبب لفعل ألقى، كان عقاب على التفاحة المحرمة، لكن التفاحة ليست محرمة في ذاتها بناء على ما سبق، الفائدة العائدة منها، أكانت المعرفة أم الخلود؟ و لمَ اختار الله العقاب في شكل النوم؟، ما تعلمته في كتاب البلدة، أن الزوجين أخرجا من الجنة إلى هذه الأرض، إذن ما معنى النوم؟ حملت حزمة الحطب أسير مطرق إلى أديم الأرض الميت، لقيته جالساً يشاهد انكسار الشمس تحت وطأة الليل الغازي، رنوت إلى الأفق، شعرت بحنين يغلي في دمي إلى ركني المألوف أرنو إلى شرفة بدر التمام الأرابسيكية، أطلقت زفرة حارة، ليقول الدرويش، انظر هذا هو العالم، ليل و نهار، يتعاقبان، كل شيء له ضده، الخير يموج في الشر و العكس، الحياة تموج في الموت و العكس، النوم يموج في الصحو و العكس، لكن زفرتك يا بني و ما تحمله تعبر متى يتوقف التبادل و تتساوى كفتي الميزان إلى وزن صفري. تعجبت من كشفه للواعجي، سألته و متى تثبت الأشياء و تكون المحصلة صفراً يا مولانا؟ أجاب هو يتكحل بالملح، يذوب الكفر في الإيمان و الموت في الحياة و الضد يتلاشى في ضده، لحظة تجلى المحبوب. تركته في خلوته و دلفت إلى الكهف، أشعلت نارا و تناولت بعض الفاكهة، كنت مع الوقت و معيشتنا المتقشفة ازهد تدريجياً في الطعام، حتى اعتدت على قليل النوم و خف تذمري، سويعات تكفيني و كنت يومياً استيقظ بدون مساعدة، شعرت أني أزيد صلابة و عنفوان، و انعتاق عزب لمكنونات روحي. إذن النوم كأكبر نوازع النفس له أثر كبير، الصحو إعادة محاولة لشيء ما، ما الذي نفقده مع النوم؟ أشياء و قرارات و عزيمة تفتر بعد موته قصيرة، دورة حياة تحتضنها دورة موت!!! ا

لنوم للزوجين كان النفي من عدن إلى حلبة التيه، العالم هذا مجرد نوم محرم علينا فيه المعرفة ، الفردوس لا تعرف الوسن، الزوجان لعلهما خلدا، لكن الإله لا ينام. لمعت الخاطرة في ذهني، تركت الحطب و النار و ركضت إلى المبتهل على باب الكهف، سمع مني استخلاصي لرمزه، انفرجت شفتاه عن بسمة راضية، قلت له لو انتصرت على سطوة النوم ماذا سيكون الحال؟ أجابني: يا بني فتحت لك أبواب الملكوت و كللت بين الخالدين و عادت عليك فائدة قضمة التفاحة الأولى، اذهب و حاول، اجعل الملح الأجاج في مرود مكحلتك و التسبيح رياضة بدنك.

اتبع النصح بالخاتمة، أربعون ليلة، لتخطي عتبات المنع أن تصل إلى فناء ذاتك في ذاتك، كي تتحرر الروح مع البدن، ليس منه، الموت انفصام، التوحد بين العنصرين تمزيق و رتق لغلالة الحلم، لا يشغلك عنك السعي المجهد إلى ما وراء المحسوسات، الزهد في الصراع مع المكتوب قبل الخلق، فما أنت إلا طيف حلم في مخيلة الكون. ما قهرني تقرحات الجفون من أثر مكحلة الملح، و لا وهن الإرادة، لكن!! بعد الليلة الثالثة، لاحت لي خيالات تسبح في الهواء كفراشات من زبرجد، تشكلت في كيان شفيف، خرجت منه أصوات متذبذبة ( لن تقدر أيها الفاني، لن تقدر مهما حاولت ) هززت رأسي بعنف كي أفيق، ما كنه تلك الأطياف التي تلقي حبات رمال الحلم في وعي المجادل؟!

 في الليلة التاسعة اكتمل الوتر الأول، و معه فقدت رغباتي المتشكلة من حمئ مسنون، عافت نفسي الطعام والشراب، لكن زادت نوبات الغضب الناري، اصرخ إلى الجدار بلا سبب و ألقي كل الموجودات في النيران المتراقصة، ابكي حتى الجفاف و اضحك حد العته…..

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الإنسان بين مطرقة النص الأول و سندان التأويل

قرأت منذ عدة أعوام، مقالة نشرها المتفرد توفيق الحكيم في جريدة الأهرام ، عن نفس المعنى المت…