11351355_826880994059758_649234650849408088_n

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

ليس التاريخ إلا كالأشخاص؛ يعرف بعض الحقائق، ويغيب عنه البعض.

هو منكبٌ الآن، ببعض تركيزه، على دفتر الحسابات .. وبالبعض الآخر متأملاً كيف انتهى به الحال مشرفاً على عمال التنقيب عن الذهب .. دخل عليه أحد العمال بخبر ظهور مبنى تحت الرمل. كانوا يعملون في منطقة جنوب غربي البلاد .. تسلَّط عليه شعورُ من تفاجأ بهاوية أسفل قدميه. العُمَّال تقافزوا فرحاً (إنه فتح عظيم .. مباركةُ السماء للصبر الطويل). هو تجاوز كل ذلك بسرعة، وأضمر تحويل النشاط إلى بحث تاريخي. ولأول مرة يشعر أن الصدفة تتفق مع طموحه.

أشار لهم بإجلاء الرمل عن المبنى.. توسعوا. ذادَت كمية الأبنية المكتشفة، إلى أن بَلَغَت المساحة الكُلية للبحث حوالي كيلومترين مربعين. تفرَّقت فيها المباني واختلفت أحجامها وأشكالها، أكبرها هي البناية التي في الوسط، مميزة بشكل يدعو للملاحظة: مصممة بشكل مختلف، يشبه إلى حد ما طراز البناء الإسلامي الحديث. ترتفع أسوارها عن الأخريات بحوالي مترين. على مَدخليها الجنوبي والشرقي بوابات كبيرة من الخشبِ المشكّل بحرفية عالية. وعلى المساحة بين السور الخارجي العالي وبداية البناء الداخلي ما يشبه أحواض زهور كبيرة، الغرف الكثيرة؛ كبيرة الحجم .. أدرك أن هذا المبنى قلعة ملكية، أو على أسوأ الفروض بيت زعيم شعب الهرنو.

تأبَّط دفتراً فارغ الصفحات، وبدأ جولته الأولى داخل البناية الكبيرة ..
قطع ممراً طويلاً قبل أن يبلغ الغرفة المستطيلة التي تتوسط المبنى. كان إحساساً مبهماً ذاك الذي يقوده إلى هذه الغرفة. وحالما فضَّ تشابُك الضلفتين الخشبيتين الكبيرتين شعر بانقباض مفاجئ في عضلة قلبه النابضة. الجدران مليئة بالكتابة الهرنوية، حتى السقف والأرضية مكتوبٌ عليهما. وعلى الجدار الشرقي ذا العشرة أمتار ترقد نافذة ضخمة تطل مباشرة على الهريف (2) .. غمره إحساس بالعناية الإلهية؛ تذكَّرَ أيام الدراسة الثانوية: التلاميذ يتبارون في معرفة اللغات القديمة .. كان بارعاً في اللغة الهرنوية؛ فاختارها لأنها مكونة من خمسةَ عشر حرفاُ فقط، وإرثها نادر وبسيط، يمكن حفظه عن ظهر قلب .. إختار زملاءه اللغات النوبية لأنها لغات أجدادهم (كان الأساتذة يحفزون التلاميذ على ذلك لربطهم بحضارة الأسلاف) .. إستحضر تلك الذكريات؛ عبَّأته بما يكفي للإنجاز ..

هكذا عكف على الترجمة، بادئاً بالجدار الشرقي .. وحرص ألا تمضي دقيقة إلا وهو منكباً على الترجمة، مكتشفاً تاريخ حضارة الهرنو.

” كان شعب الهرنو يتمتع بثروات ضخمة في باطن الأرض وعلى ظاهرها .. أرضهم خصبة تنبت مختلف الزرع والمحاصيل. التربة والمناخ متنوعان .. تغطي الغابات جزءً من أراضيها .. ولكن، بعد عام 2020 ق.م؛ خرج إليهم رجل، لا يدرون من أين، ولا كيف، رجل لو كان له لون لكان رمادياً .. قبيح الطلعة، قوي الساعدين، مهاباً، متهوراً، له رفيق بغيض، لو حلَّ في بيتٍ أفقرَ أهله، ولو مرَّ بالنيل نضَب، ولو إرتقى في السماء جفَّت وعقرت .. فاضطربت أيامهم .. أصبحت أطول، شعروا بحرارة الشمس، كأنها تلفح وجوههم أول مرة؛ فكثرت الشكاوى للملك الذي ضاق بها صدره، وحينما يجرؤ بائس على تكرار طلبه؛ تأبى نفس الملك أن يرسله وحيداً إلى العدم، فيلحق به أسرته لتؤنس وحشته؛ تلك هي العادة التي ابتدعها ليليق البرزخ بالرجال .. وهي الزيت الذي صبَّهُ على شرارة الفكرة، فكرة الإمتلاك ..

في آخر خمسة أعوام للحضارة الهرنوية، أي بين عامي 1984-1989 ق.م –يحكي الجدار الشمالي (الثاني في الترتيب)- تذرُّع الملك لتحقيق غايته بإصلاح الأراضي واستثمارها بصورة أفضل، كان هذا ما قاله، طامحاً إلى شئ في نفسه: قديمٌ في الإنسان، جديدٌ في وعيه، بالتحكم في ريع الأرض، وضروريات الحياة. يعلق المترجم على الهامش (ذلك يعني أن تدوين الأحداث كان منوطاً بجهة مستقلة عن الملك وأعوانه، رغم أنها داخل قصره، ربما يرجع أصل حرية التدوين والنشر إلى ذلك العصر) .. رَفَض الشعب تسليم أرضه التي توارثها أباً عن جد في سلسلة من الإنتقالات ضاربة في جذور الزمن .. أصرَّ الملك؛ تحول الشعب إلى جيش يدافع عن إرادته .. تناحَرت المملكة شعباً وسلطة. (لم يكن ذلك السبب الحقيقي لاختفاء شعب الهرنو؛ إذ لابد من منتصر يرث المهزوم ما يعني استمرارهم). يحكي الجدار الثالث (الغربي): تدخَّلت مملكة مراهفا (3) واستغلت الوضع المتأزم للهرنو .. أظهرت مناصرتها لكلا الجانبين (لا أحد يعرف كيف تم ذلك) فاستمر جرح الهرنو بالنزيف، حتى جفَّت الأوردة، وتراخَت وتباعدت نبضات الحياة، عندئذٍ، وببساطة آل كل شئ إلى المراهفيين، لكنهم، إحتراماً لسنة استنوها؛ لم يدخلوا أبداُ القلعة الملكيةـ لتكون شاهداً على انتصارهم وبراعتهم في السياسة .. كان ذلك في بختان/1989 ق.م.”

تمرَُ الأيام على البحث. وتكبُر، مثل كل شئ؛ مخاوفه ألا يتم بحثه .. السلطات كابوس مرعب .. سيتولوا الأمر ويقتلوا طفل أحلامه . لحسن الحظ أن مجموعة العمل صغيرة، خمسة وعشرين رجلاً، على الأقل يمكن إفهامهم الأمر؛ ذكَّرهم أهميَّة عملهم .. كان هذا كفيلاً بتسليم أمرهم إليه .. الظروف جيدة لكتم الخبر مؤقتاً؛ لأن هذه المنطقة شبه مقطوعة عن طريق المواصلات .. بعيدة ونائية، ومجموعتهم هي الوحيدة الباقية، إذ هاجرت المجموعات الأخرى إلى الجبال بعدما يئسوا من نسبة الذهب الضئيلة. وتقسمت مجموعتهم نفسها إلى شُلل صغيرة، منهم ثلاثة فقط يذهبون كل أسبوع إلى المدينة لجلب المؤن.

عاد إلى الغرفة الطويلة ..

“… التوثيق لم يقتصر فقط على حضارة الهرنو المعاصرة لكتابتها، بل امتد إلى تاريخهم: إنهم في الأصل أفارقة، يقطنون أواسط القارة، عدد قبائهم يتجاوز المئة .. لاحَظَ عدم الدقة في تحديد الرقم .. ربما يعود إلى نظامهم العددي، فهو ينتهي عند الرقم مئة، وهذا يعني أن عدد القبائل ربما يكون مائتين أو ثلاثمائة أو أكثر (يا لهم من شعب متسامح!) .. تقع عينيه على سطر آخر من تاريخ الهرنو: قبل اعتمادهم نظام الحكم، أي قبل عام 2020 ق.م ثلاثون عاماً مضت، كانوا بارعين في الطهي، مستغلين التنوع الحيوي في المنطقة، حتى أنهم عرفوا المسابقات في جودة الطهي .. إهتموا بأزيائهم، ربما استغرق هذا النشاط معظم وقتهم .. وأظهرت بعض الرسوم ولَعَهم برياضة المصارعة، والرقص الإستعراضي الشعبي، والغناء المصحوب بالطبول، كل قبيلة صغيرة لها ثقافة تميزها، ولجميع القبائل نفس الوجدان .. الشعوب المجاورة كانت تقصد أراضيهم متاجرة، لما لديهم من تنوع في البضائع والحبوب والمنتجات، ذلك بالرغم من عدم وجود شكلٍ واضح للسيادة، كل قبيلة تسود في منطقتها .. يعاملون الأرض كأنها طفلهم المدلل.”

ومع مضي الأيام ؛ يتزاول شبح السلطات أمام عينيه، كآكل الأحلام، سَيَلتهم حلمه لا محالة.

كان قد أتم ترجمة كل حرف على الجدران والسقف؛ فتنامى في نفسه شعور خجول بالرضا، مع قدر كافٍ من الصور لكل أجزاء المبنى، ثم عزم إخبار السلطات بنفسه .. هذا ربما يضمن له التعاون من الحكومة، كما أنه سيدر عليه إشادة لا بأس بها (إنها صفقة رابحة!) .. دقيقتين من إتصالٍ هاتفي .. فقط دقيقتين؛ والتفَّتِ الأسيجة حول المنطقة. ضموها إلى تراث الدولة. أفردوا لها كتيبة من الشرطة تحرسها إلى حين استكمال توثيقها .. تعجب في نفسه، و شعر بالرمل يئن من ضيقِ الحصار وهو على وشك أن يصبح شيئاً آخر غير الرمل! .. طلبوا إليه تولي قيادة لجنة إعادة تدوين التاريخ ..إعتذر منهم، واحتفظ بترجمته التي لا يعرفون عنها أي شئ، تحسباً لأي طارئ، مثل صبي محسود في لعبته المحببة .. قفل راجعاً إلى مدينته الصغيرة أقصى الشمال، يراقب ما يحدث عن بعد، يغمره إحساس عميق بالرضا ..
بعد أيام ..
صحيفة النبأ:
(بحثٌ جديد يثبت عراقة الدولة في السودان)
(فخامة الرئيس: نظامنا من أعرق انظمة الحكم)

Rapid newspaper:
( Mr. President: We are the oldest in history, and will remain so)

خاطرٌ فجائيٌ قطع تأمله الحزين (لا شئ يسلم .. لا شئ) ..
غمره حزن .. أسى .. حسرة ..
ثم بدا على الأفق خيطُ أملٍ واهن …

-تـمـــت-
===
هامش:
*بختان هو شهر يونيو في تقويم الهرنو.
(1) كلمة “هرنو” تعني الشعب الطيب.
(2) “الهريف” هو الإسم الذي أطلقه الهرنو على نهر النيل.
(3) “مراهفا” مملكة معادية لمملكة الهرنو، والإسم (مراهفا) يعني ما نسميه اليوم الديمقراطية.

مايو/2015م
دنـقـــلا

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…