يبدو عثمان عجبين كمن يحارب وحيداً، في محاولة تثوير الأغنية السودانية، وزحزحة ثوابتها، في سبيل إخراجها من دائرة الحقيبة المنغلقة – كما يرى هو – وتكسير الإطارات التي تكبل حريتها في سبيل الإبداع. التقته جيل جديد في حوار تحاول فيه بسط أفكاره في فن الغناء ومشكلات الغناء السوداني.    

س/ في رأيك، ما هي صفات الأغنية الجيدة ومن هو المغني الجيد بحدهما الأدنى بالطبع؟

ج/ الأغنية الجيدة هي الغناء الجيد، عملية التغني المشحونة بمشاعر حقيقية. والمغني الجيد هو من يغني أغنية بهذه الصفات، هو من يضع مشاعره الصادقة في الغناء مستخدماً صوته كأداة تعبيرية، وليس كلمات الأغنية. المغني الجيد هو شخص يبدأ دوره بعد أن تتلاشى الكلمة واللحن معاً.

س/ في الغناء، هل يجب أن تقول الموسيقى شيئاً مختلفاً عن الكلمات، أم أنهما يندمجان لينتجا شيئاً واحداً لا هو بالكلام ولا هو بالموسيقى المجردة؟

ج/ من وجهة نظري، الكلمات تلعب دور “البادئة” للشعور، الكلمة تشعل فتيلة الشعور وتختفي، مثل عود الثقاب، يشتعل بعدها الغناء “الغنائية”، والغنائية هي اللغة التي يجب أن تسود بعد لحظة الإشعال هذه. خذ مثلاً أنك تريد أن تغني”حبك ساهر بي”، إذا لم تضع عليها أي شعور مخفي داخل هذا المقطع فأنت تقرأ هذا المقطع قراءة ولا تغنيه، لأن الغناء هو تحريك المشاعر المستبطنة بالاستفادة من الكلمات كمفتاح، أو كدليل لمكان الكنز، الغناء هو كنز الكلمات المدفون. هذا بجانب أن الأغنية لايمكن أن تكون مجردة طالما هي تستخدم اللغة كبادئة للمعنى؛ لأن اللغة هي نظام معاني بالأساس، لذلك لن تنجح الأغنية التي تحمل معاني مشوشة مثل الشعر الرمزي، لأن المغني/ الملحن يحتاج إلى بادئة يبني عليها الاشتعال الشعوري، والشعر الرمزي غائر وغائص المعني. دعنا نعود سريعاً إلى المقطع بعاليه “حبك ساهر بي”، هذا المقطع يضع الملحن أمام “الليل” و”السهر” و”نفسه” ، يبدأ بالبحث بناءاً على ذلك عن تاويلات هذه الحالة، حالة السهر بسبب الحب، ربما يوحي هذا المقطع بأن هذا الشخص “مجروح” أو “سعيد” أو “هائم “، أياً كانت النتيجة فيجب أن يعبر عنها بالغناء، إذا كان مجروح سيعتمد الأنين وإن كان سعيد سيعتمد الفرح، وإذا كان هائماً سيعتمد تعبيراً غنائياً يدل على المعنى، أي هو سيصور المشهد بصوته، ولكي يفعل ذلك هو محتاج إلى تقنيات صوتية بعينها، لأن التاويل الناجح يمكن أن يفشل إذا لم تستخدم التقنية التي تناسبه، خلاصة القول أن الغناء هو نفي للشعر وللحن في نفس الوقت، إذا ظلت الكلمات مسيطرة فهذا يعني أن الغناء لم يحدث بعد وأن ما نسمعه هو ترتيل للكلمات محفوف بالآت موسيقية.

س/ إذاً، ماذا عن التأوهات والمواويل في الغناء، ألا يمكن اعتبارها تجريداً للغناء؟

ج/ لا، كل ما يرد في الأغنية من تعبيرات من صميم موضوع الأغنية لا يعتبر تجريداً، لكن يمكن اعتباره تلفيقاً إذا كانت الآهة في موضع غير موضعها، وليست مبررة ضمن سياق الغناء كله كوحدة شعورية، أقصد أن الآهة يجب أن يتم التعامل معها باعتبارها جزءاً من الغناء وليس صوت لملء فراغ بين جملتين لحنيتين. لو تلاحظ لأغنياتنا تجد العديد من الآهات التي تستخدم وكأنها حالة “صمت” بين جملتين لحنيتين، كثير من المغنيين يستخدمون الآهة لحفظ الميزان الإيقاعي فقط، ذاهلين عن أن الآهة هي “صوت” وليس “صمت”، المغني يظن أن الآهة غير محسوبة.

س/ يمنح الشعر المغنى الموسيقى مضموناً واضحاً، ويقلل من بعدها التجريدي، أو هو يحد من الطاقة التاؤيلية للموسيقى، ما الذي يجب أن تضيفه الأغنية الجيدة بدلًا عن ذلك؟

ج/ كما قلت بعاليه، لا يمكن أن تكون الأغنية تجريدية صرفة مهما حاولت؛ وذلك لأنها تعتمد على اللغة، لكن إذا جاز وصارت كذلك فلا يمكن تصنيفها “أغنية”، ستصبح “موسيقى حرة” تستخدم الصوت البشري مثلاً “الاكابيلا”، هناك ارتباط شرطي بين الكلمات واللحن في الأغنية، الأغنية شكلاً هي علاقة كلمات بلحن، ونظام اللغة الدلالي يمنع الأغنية من أن تهرب إلى التجريد، اللغة ستقيدها على الدوام، وطالما أن الأمر كذلك ستقيد المغني نفسه إذا استسلم لنظام الدلالات هذا كلياً. إذ على المغني أن يعتبر الشعر مجرد “بادئة” تحرك مشاعره، ألا تلاحظ أننا نتحدث وكأن الشاعر شخص آخر؟ حسناً، ماذا إذا كان الشاعر هو المغني نفسه هو الملحن نفسه؟  في هذه الحالة لن تكون محتاجاً لطرح سؤالك أعلاه؛ لأن الأغنية هنا ستكون وحدة شعور مكتملة لن تحتاج أن تبحث عن مكوناتها، ما يجعلك ترى الأغنية مقسمة بين الشعر واللحن والأداء هو لأن الأغنية اليوم تتشاركها أكثر من “ذات” وغالباً هي “ذوات” متعارضة.

س/ أنا قصدت أن الكلمات تأخذ من الموسيقى بإضفاء بعد معنوي وتضييق الحيز التاويلي – وبالتالي الجمالي للموسيقى المجردة. ماذا يضيف الشكل الفني الناتج عن اندماج الشعر بالموسيقى، ما هي الجدوى الاستاطيقية للغناء، لماذا لا نسمع الشعر والموسيقى كل على حده مثلاً؟

ج/ الغناء هو موسيقى أيضاً، الصوت البشري آلة موسيقية، الصوت البشري هو موسيقى عندما يغني وهو شعر عندما يتكلم، كلاهما مشتركين في جذر واحد، ومن هنا جاء الارتباط القوي بين الكلمة والغناء، المطلوب الآن أن يتم فك هذا الارتباط بإعادة تعريف الغناء في جهاز الصوت البشري، الأمر أشبه بشخصين يعملان في نفس المكان، وتريد أن تعطي وصف وظيفي لكل واحد منهم. ما يميز الغناء على الكلام العادي هو أن الغناء بإمكانه “تصوير” المشاعر بالصوت نفسه بينما الشعر يصور بالكلمات نفسها، أي أن الصوت البشري يمكن أن يوصل حالة الحزن بالتموضع بطريقة معينة لخلق ذبذبة معينة، بينما الشعر يحتاج أن يحشد مجموعة كلمات لإيصال الشعور، الغناء هو لحظة يبتعد فيها جهاز الصوت البشري من الكلمات كمعنى إلى الكلمات كأصوات محضة، أصوات بلا معنى، لأن المعنى ينتقل إلى نظام دلالي آخر.

س/ هل تخلو الموسيقى السودانية من قفزات إبداعية كبيرة فعلاً؟ أقصد تاريخياً؟

ج/ صحيح، تاريخ الغناء في وسط السودان كان وما يزال مهتم بالبادئة “الكلمات” لذلك لم تتحرك الموسيقى/ اللحن لتخلق تطورها المطلوب، الغنائية على وجه الخصوص – تكاد – لم يمسسها أحد منذ المديح مروراً بالحقيبة وحتى اليوم، نعم، دخلت الآلة الموسيقية لكن تم توظيفها لزخرفة الكلمات، لكن إبراهيم الكاشف سلط ضوء كاشف، وعثمان حسين أمسك بلحظته في التلحين، وأبو داؤود أمسك جانباً من الأدائية، لكن بشكل عام لم يحدث انتقال كبير، بل مجرد زحزحات هنا وهناك. أدائية أبو داؤود كان فيها جانب تقني لكنه أهمل التعبير، أي أخذ جانب من التقنية وغنى به كل شيء، أي وقع في فخ الأسلوبية. عثمان حسين اشتغل على بناء أغنيته لكن لم يشتغل على تقنية صوته ولا على التعبيرية بالضرورة، وكذلك الكاشف ومعظم رواد الأغنية إن لم يكن كلهم. كان هناك شي جوهري ناقص عند الجميع، لذلك لم تحدث قفزة.

س/ إذاً ما هو النقص الجوهري الذي أقعد الأغنية السودانية؟

ج/ الأغنية في وسط السودان وفي معظمه أقعدها الجفاف، البخل في إضفاء المشاعر على الأغنية، أغنيتنا ليس فيها تعرجات، أغنية مستقيمة، أفقية وليس فيها بعد رأسي، عندما تسمع أغنية سودانية تشعر بان الكلمات لا زالت على الورقة، لم يقم لحن برفعها إلى الأعلى.

س/ هل يمكنك أن تشرح قليلاً ما الفرق بين الأغنية الأفقية والرأسية، وهل هما تقابلان الأغنية اللحنية والهارمونية مع ضرب أمثلة لو أمكن ذلك؟

ج/ نعم، على سبيل المثال عندما يغني ثلاثة مغنين في نفس الوقت أغنية، إذا قاموا بتوزيع الأغنية عليهم بأن أي واحد منهم يقول مقطع معين فإن هذا الغناء أفقي. إذا كانت الأدوار مترادفة، أي أن يغني ثلاثتهم أو إثنين منهم في وقت واحد بشكل مختلف، هذا يسمى غناء راسي (هارموني). ويمكن أيضاً أن يغني مُغني واحد بطريقة رأسية مع الآلات الموسيقية. ما يحدث عندنا أنه أثناء الغناء لا يوجد خط لحني آخر غير خط المغني نفسه، عندما يسكت تواصل الآلات فيه أما باللازمة أو باللحن المعزوف، لكن أثناء الغناء لا توجد إسقاطات لحنية راسية في معظم الغناء السوداني. نحن نغني mono وليس poly .

س/ في الأغنية الهارمونية توجد خطوط لحنية مختلفة ولكنها متزامنة ومتناغمة، تتكون من الآلات الموسيقية المختلفة والفنان، أو كأن صوت الفنان يتخذ موضع آلة موسيقية وسط آلات الاوركسترا، هل هذا ما تريد قوله؟

ج/ صوت الفنان بالأساس هو آلة موسيقية لكنها بشرية. ذكرتني بمقال كتبته بهذا الخصوص قبل سنوات عن لافتة اتحاد المهن الموسيقية، إذ كانوا يضعون لافتة قبل تغييرها مكتوب عليها (اتحاد الفنانين للغناء والموسيقى)، هذا اللافتة تفصل بين الغناء وبين الموسيقى وبالتالي تفصل بين الصوت والآلة الموسيقية ذاهلين عن أن الصوت هو آلة موسيقية. لا فرق أصلاً بين الإثنين. لكن بالعودة إلى سؤالك، الصوت البشري آلة لكنه قطعاً بإمكانه أن يفعل ما لا يمكن لبقية الآلات المصنوعة فعله، الصوت البشري متنوع بتنوع المغنيين، مثل أن تكون لديك آلة موسيقية تتشكل وفق صاحبها، الساكسفون مثلاً يظل هو الساكسفون المعروف، لكن الصوت البشري هو ساكسفون لا حدود له من حيث المدى وقدرته على التعبير، الصوت البشري يقف على أرض شاسعة من الخيارات.

س/ ألا تقع يا عثمان في شبهة تحديد إطار سابق للإبداع بجعل كل ما هو خطي أو افقي غير مبدع، ماذا مثلاً عن العزف على آله واحدة، أو الغناء دون استصحاب آلة موسيقية، ألا يمكن إنتاج أعمال جميلة ومبدعة في هكذا حالات – وهي بالضرورة خطية لا راسية، لحنية لا هرمونية؟

ج/ خذ الجيتار مثلاً، هو آلة واحدة، لكنها يمكن أن تقول أكثر من لحن في لحظة واحدة، وكذلك الكمان والأورغ والأكورديون والعود كذلك، قد تواجه هذه المشكلة مع آلات النفخ مثلاً، ومع الصوت البشري نفسه، لكنها محلولة بأن ترافقهما آلات أخرى، لكن هب أن عازف فلوت كان يعزف وحده، في هذه الحالة سيضطر إلى توليد وتنمية اللحن أفقياً، أي سيضيف تنويعات تزيد طول اللحن، هذا ضرب من الإبداع لكنه محدود ويحصر المؤلف الموسيقي في بعد واحد للحن. لكن أريد أن أنبه إلى أن هناك بعد هارموني في الأغنيات الخطية، لكن أي أغنيات؟ الأغنيات التي يحفظها الناس عن ظهر قلب وشائعة جداً. مثل أغنية “الأمان” إذا خلقت خط إضافي لهذه الأغنية وغنيتها ستكون قد خلقت هارموني مع الخط اللحني الموجود في ذاكرة الناس، لكن بالطبع أغلب المغنيين يغنون نفس الخط الذي في الذاكرة.

بالرجوع إلى بداية حوارنا، ستلاحظ أنني ذكرت كلمة “تقنية ” في أكثر من موضع، الأغنية المنفردة غير المصحوبة بأي آلة موسيقية، الأغنية الأفقية، تستطيع أن تكون مبدعة إذا استخدمت تقنية غير تقنية الترتيل، إذا استطاعت أن تعبر بالصوت وليس بالكلمات، ما يحدث في أغنيتنا اليوم ومنذ عقود أن المغني يلعب دور “وكيل” الشاعر، المغني يراهن على نفس معاني الكلمات التي وضعها الشاعر، وهذا ما أسميه بالترتيل، وطالما هو مسجون في تلك المعاني سيظل مغنياً “مرتلاً” يخشى صوته ويخشى الكلمات، والحال كذلك لا يمكن أن تسمي هذا السلوك إبداع لأن المغني لم يضع أي طاقة إضافية على الشعر، لا بل هو من وضع إطارا يحد من حركته بنفسه، ما أسعي إليه هو تكسير هذا الإطار ليطير.

س/ كأنك تقول إن الفنان المبدع يمكنه حتى خلق هارموني مع الجمهور بالانحراف قليلاً عن خط اللحن المحفوظ؟

ج/ صحيح، بإمكان المغني المبدع فور انتهاء الجمهور من حفظ اغنيته أن يبدأ في غناءها بتأويل جديد متوافق مع المحفوظ في ذاكرة الجمهور، أي أن يخلق علاقات هارمونية جديدة يومياً إذا أراد ذلك، تصير بذلك الأغنية الأولية أغنية نامية، لذلك أنا أستغرب من المستمع الذي يتوقع سماع نفس الأغنية الأولية مراراً وتكراراً في حين أن أمامه خيارات أخرى وتأويلات جديدة، لكن المستمع غير ملام جزئياً لأن رواد الأغنية علموهم سماع تأويل واحد، وعززت هذا المبدأ مكتبة الإذاعة والبرامج التي تخرج منها.

س/ هل توافقني بأن تذوق الفنون بأنواعها هو فعل ذاتى، قد تؤثر عليه عوامل لا فنية حتى؟

ج/ العوامل غير الفنية وغير المرتبطة بالخبرة السمعية تظهر – حسب رائي – في قبول صوت مغني ما ورفض صوت آخر، الصوت فقط، أي بدون الدخول في تفاصيل الغناء نفسه. بمعنى أن يكره/ يرفض شخص ما صوت المغني الصارخ أو الغليظ لأنه مرتبط بتجربة حياتية معينة. أي أن الصوت المعين هذا يزعجه أو يخيفه أو يذكره بشخص لا يطيقه مثلاً. الصوت فقط دون الدخول في التفاصيل. أما غير ذلك في رائي أن الخبرة تلعب دوراً حاسماً في تحديد موقفك الجمالي. كلما اتسعت مواردك الموسيقية كلما كنت مؤهلاً للحكم/ المقارنة/ التمييز. وكلما كنت مستعداً للجديد. بهذا المعنى التذوق هو خبرة تراكمية، الذاتي فيها هو إدارة هذا المخزون لكن هي ليست “موهبة” بالمعنى الإلهامي، هي خبرة صرفة.

س/ ماذا إذاً نسمي تلك الحالة الشخصية التي يستمتع فيها شخص حد النشوة بعمل غنائي قد لا يراه الآخرين جيداً وممتعاً، أليست هذه حالة تذوقية؟

س/ هذا يتوقف على نوع الخبرة التي حصدها خلال السنوات، لكن هل بالفعل عدد المختلفين في “الذوق” كبير؟ لا أرجح هذه الفرضية؛ لأن الناس يتعرضون بدرجة واحدة لنوع معين من الغناء، لذلك لن تجد تنوع في الأذواق ملحوظاً، الذوق متشابه؛ لأنه بالأساس حصيلة خبرة متشابهة، المختلفين اختلاف بائن في حساسيتهم للغناء، هؤلاء خاضوا بدرجة كبيرة تجربة مع موسيقات أخرى. أنا لا أصدق أن أذواق الناس مختلفة بالفعل، لأنه بالأساس لم تتح خيارات أمامهم، ربما بعد عالم الإنترنت سيختلف الحال وتختلف المشارب.

س/ هنالك شبه اتفاق على الأغنية الجيدة، وهذا يشير إلى أنه ليس هناك ذاك الاختلاف البائن. لكنك أحياناً توجه سهام نقدك الحادة تجاه المتلقي السوداني، رغم أنك تقول أنه لم تتاح أمامهم خيارات، أي أن الذائقة المتردية -كما تراها أنت – هي نتيجة حتمية لما تعرض له المتلقي السوداني لسنين؟

ج/ المتلقي مساهم جزئياً في ذلك؛ بسبب أنه يعتبر الغناء أمراً ثانوياً، إذ تجد السوداني متمرداً في أمور أخرى لكن عند الغناء هو مستسلم تماماً، نظرة المستمع هذه للغناء جعلت مستوى التنافس متدني للغاية، المجتمع السوداني حتى اليوم يصف المغنيين بالصعاليك، مما أدى إلى شغل الساحة بأشخاص يريدون الانتقام من المجتمع أكثر من اردتهم الغناء، إذا استمر السوداني في تسخيف الغناء كنشاط فني ستستمر صناعة الذوق المتردي، نقد المستمع يأتي من جهة أنه يخيف المغني الخائف أصلاً من النصوص الشعرية.

الثورة على الأغنية المتكلسة واجبة. أغنيتنا وصلت مرحلة الانغلاق منذ سنوات. أبرز سمات هذا الانغلاق أنها صارت أغنية سهلة بحيث أن أياً كان يمكن أن يصبح مغنياً. وأمامك هذا الجيش الجرار من المغنيين يقف شاهداً على ذلك، سهولة الأغنية وعاديتها مؤشر للتشبع، والمؤشر الآخر على انغلاقها أنها لم تورث أي أحد حتى الآن. أي أنها عقيمة لم تنجب أي أغنية من نسلها. لا زالت هي نفس الأغنية تعاد باستمرار بأصوات مختلفة لكنها هي نفسها. أي أغنية لا تستفز غيرها فهي أغنية ميتة، ومؤشر آخر هو أن المغنيين صاروا منذ سنوات يتبارون في وضع “بحة” أو “صرخة” أو أي لمسة صغيرة ويعتمدونها على طول الوقت كميزة داخل الأغنية، وهذا يدل أيضاً أن الأغنية بذاتها قد تشبعت وعقمت. والحال كذلك لا بد من إعادة النظر في منتوجنا الغنائي من منظور يجعل المغنيين يثورون عليها ليحرروا أصواتهم منها.

س/ عثمان عجبين، ألا تتفق معي بأن الإنتاج الفني الجيد هو عامل رفع مستوى التذوق الغنائي أكثر من محاولات الترقية الأكاديمية والنظرية، أنت مثلاً تقتل آلهة الغناء السوداني، ثم لا تترك بديلاً، غير معتز صباحي طبعاً!

ج/ الإنتاج الجيد ليس كافياً، لا بد من حركة فكرية مصاحبة، لا بد من خلق مجال فكري/ فلسفي/ جمالي يدعم ويقوي ويرسي معارف وعلوم تساعد في تثوير الفنون، ويجب التنويه هنا أن الأغنية/ المرتلة السائدة حالياً يدعمها نشاط “فكري” مصاحب يتمثل في العديد من المقالات والبرامج التلفزيونية والكتب… إلخ، أي أنه حتى الأغنية التقليدية هذه محروسة بنشاط فكري، لذا من الضروري إحاطة الموسيقي بالفكر.

س/ في الختام، هل من اشارات مبشرة في الساحة تدعو للتفاؤل في شان الغناء السوداني كفن ؟

نعم هنالك إشارات في الساحة الغنائية مبشرة، معتز صباحي على سبيل المثال لا الحصر، معتز يملك كنز غنائي يجب أن يتكئ الجيل القادم عليه لينطلق. معتز أولاً يملك التقنية المطلوبة للتعبير غناءاً، ويملك ذاكرة لحنية أدائية متنوعة وواسعة، تساعده في سكب خياله في الغناء. هناك مغنيين آخرين جيدين يرسخون أقدامهم الآن ويزحزحون سلطة “مكتبة الإذاعة” شيئاً فشيئاً.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …